نجل بايدن قضى بسرطان الدماغ
ملف شائك في العراق ينتظر بادين الرئيس.

لا يعرف العراقيون عن جو بايدن إلا ما روّج له السياسيون بأنه صاحب مشروع تقسيم العراق، ودائماً ما يتمّ استحضار اسمه عند الحديث عن مؤامرة أميركية للتقسيم. ومن مفارقات السياسيين أن بايدن الذي يروّج على أنه كان يسعى لزعزعة الوحدة الوطنية وتفكيك الكيان العراقي ما إن تمَّ الإعلان عن فوزه بانتخابات رئاسة البيت الأبيض، حتّى سارع الكثير من الزعماء السياسيين والحكومة إلى تهنئته! ويبدو أن فوزه كان عامل ارتياح للكثير من الجماعات السياسية؛ لأن الفوز يعني الخلاص من حقبة الرئيس دونالد ترامب، لا أكثر ولا أقل!

ويبدو أن العراقيين فقط يتذكّرون هذا المشروع، فهم دائماً يهيمون بالماضي ويعيشون الحاضر باستحضار حكايات التاريخ. أما بايدن وفريقه السياسي يعتبرون مشروع (التقسيم السلس) هو حلّ لمنع تطور الانزلاق إلى الحرب الأهلية، بعد حملات التطهير الطائفي والعرقي الذي شهده العراق في 2006. ولذلك فإن هذا المشروع انتهى مع تقليص هجمات ونفوذ تنظيم القاعدة في العراق بعد 2008، وبايدن الذي كان يدعو إلى الانسحاب العسكري من العراق، هو نفسه عندما كان نائباً للرئيس أوباما تبنّى عودة القوات العسكريّة للمشاركة في الحرب ضدّ تنظيم داعش في 2014. 

السياسيون الشيعية والسنّة الذين اعتبروا مشروع بايدن "تقسيم العراق"، والذي قدّمه بعنوان: "الوحدة من خلال الحكم الذاتي في العراق" وطرحه في مقال نشرته نيويورك تايمز 2006 عندما كان سيناتور في مجلس الشيوخ الأميركي. وفي سبتمبر 2007 صوَّت الكونغرس الأميركي على خطة بايدن بأغلبية الثلثين (75 صوتاً مقابل 23 صوتاً)، وكان هذا القرار غير ملزم للإدارة الأميركية.

وبعد 14 سنة، وصل بايدن إلى رئاسة البيت الأبيض، وبدلاً من أن يكون السؤال لماذا لا يزال العراق يعيش في مرحلة اللادولة؟ يتساءل العراقيون هل سيعمل بايدن على تنفيذ مشروعه بتقسيم العراق؟ إذ يبدو أن العراقيين لحدّ الآن لا يريدون محاكمة سياسيهم على سنوات الفشل والفوضى التي أنتجتها سوء إدارتهم وفسادهم، وكذلك لا يريدون أن يتحمّلوا مسؤولية أخطائهم وأن يبحثوا عن إجابة لسؤال إشكالي محوره: أيّ عراق نريد؟ موحَّد أم مقسَّم؟ وبدلاً من ذلك أمّا يريدون تحميل إدارة بايدن مسؤولية بقاء الكيان السياسي العراقي موحداً أو مفككاً!

فالحديث عن مشروع بايدن لتقسيم العراق هو تهرّب من الخطيئة التاريخية التي ارتكبتها القوى السياسية في كتابتها لدستور 2005 تحت ضغط ظرف استثنائي، وأنتجت لنا نظاماً سياسياً هجيناً. فتحالف المظلومية الذي جمع السياسيين الشيعة والكرد وهواجس التهميش التي هيمنت على مخيلة السياسيين السنة، بالتأكيد لن تنتج دستوراً يسعى لبناء دولة قوية وموحدة. 

ومن ثمَّ، الهندسة السياسية لبناء سلطة جديدة تكون مهمتها وهدفها تحقيق الوحدة الوطنية، كانت ولا تزال غائبة تماماً عن تفكير الطبقة السياسية. إذ لا يزال المنطق الذي يحكم الفرقاء السياسيين قائماً على أساس الغالب والمغلوب، ولذلك نجد غياباً للمؤسسات التمثيلية والتنفيذية والدستورية في حلّ الإشكاليات السياسية، ويتمّ اللجوء للصفقات والتوافقات ليس بين الزعماء السياسيين فحسب، وإنما بين قوى اللادولة أيضاً!

التفكير المأزوم بمرحلة ما قبل 2003 الذي كان يفكّر فقط في المرحلة الانتقالية وليس بمشروع بناء دولة، جعل هواجس الضمانات والمخاوف القاعدة التي يتم من خلالها بناء النظام السياسي في العراق بعد التغيير، هذا النظام الذي باتت مهمته الرئيسة الحفاظ على امتيازات الزعامات السياسية وليس الاستجابة لمتطلبات المجتمع، ومن ثمَّ لم يعد مهتماً بتمزيق النسيج الاجتماعي الذي هو الأساس في بقاء الدولة موحدة، وليس مصالح زعماء الطوائف والقوميات السياسيين.

والسياسيون الشيعة والكرد ثبتوا نظاماً فدراليا لا مثيل له في نماذج الأنظمة الفدرالية، وتركوا المرتكزات الرئيسة التي يقوم عليها النظام الاتحادي كتقاسم الثروات وإدارة الموارد تحت رحمة نصوص عامة في الدستور وذيّلت بعبارة (يُنظَّم بقانون). وبعد 17 عاماً لم تر النور القوانين التي تنظم العلاقة بين المركز والإقليم! ولذلك لا يمكن الحديث عن مؤامرة لتقسيم العراق، أكثر من تآمر السياسيين أنفسهم على جعل العراق دولة فاشلة وهشّة. 

ويخطأ من يعتقد بأن بقاء العراق موحداً هو بفضل وجهود الطبقة السياسية، لأنَّ العراق لا يزال موحداً بسبب ممانعة القوى الإقليمية للتقسيم وليس بإرادة الكثير من زعماء الطوائف والقوميات السياسيين، وإلا مشروع دولة كردستان المستقلّة لا يزال مطروحاً بقوّة من قبل الزعامات الكرد، ورغم أنهم مشاركتهم في النظام الفدرالي تحقق لهم الكثير من المزايا التي سوف يفتقدونها لو تمَّ تحقيق حلمهم باستقلال كردستان. 

العراق كدولة موحّدة هو موجود على مستوى الخريطة فقط، أما على مستوى الواقع السياسي فهو مقسَّم بين كانتونات شيعية وسنية وكردية، وحتّى هذه المكوّنات لا تتمتع بالوحدة والتماسك وإنما يحكمها الصراع والتنافس بين أقطابها. ولذلك فالدولة الفاشلة التي أنتجتها الطبقة السياسية لا يمكن لها أن تبقى موحدةً بعد أن رسَّخوا فيها الانقسامات بين المكوّنات الاجتماعية. 

والخطر الحقيقي الذي يهدد الكيان العراقي، هو ليس ما يخطط له الأعداء من مشاريع تقسيم ولا تآمرهم على وحدته الوطنية المزعومة، وإنما غياب المشروع السياسي وبرنامج عمل للتطبيق، وأدوات تنظيمية قادرة على تأطير وإيجاد إجماع وطني.
 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.