وسائل الإعلام الفرنسية تدعو إلى التعبئة دفاعا عن الحرية بعد تلقي "شارلي إيبدو" تهديدات جديدة
.

يستخدم مصطلح الإسلاموفوبيا للدلالة على مشاعر الخوف التي تنتاب الكثيرين في الغرب من الإسلام أو من المسلمين، وانتشر هذا المصطلح مع استفحال عمليات الإرهاب الإسلامي ومع الهجرة الواسعة لملايين المسلمين إلى الغرب ورفض بعضهم الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، بل منهم من كفّر هذه المجتمعات ويتحيّن الفرصة للانتقام منها لأسباب غير مفهومة، أي أن الإسلاميين هم الذين قدّموا أنفسهم بطريقة دفعت كثيرين في الغرب لاعتبار الإسلام دين عنيف ويشجع على الإرهاب ويعتقد بتصادم الحضارات ومتحيّز ضد النساء. 

ولكن للإسلاميين تفسير آخر، فهم يعتبرون أن الإسلاموفوبيا هي نتيجة لتحامل مسبق من الغرب على المسلمين لأسباب عنصرية، وأن مجرّد كون الإنسان مسلما هناك هو سبب كاف للاعتداء عليه، مع أن العقود الماضية شهدت ارتكاب الإرهابيين الإسلاميين لمئات الجرائم في الغرب نتج عنها سقوط آلاف الضحايا، بينما قام متشددون من الغرب ببضعة عمليات انتقامية أدت لسقوط عشرات الضحايا من المسلمين، ولكن الإسلاميين لا يذكرون سوى هذه الحوادث حتّى ينمّوا شعور الاضطهاد والمظلومية عند المسلمين ليوظّفوه في تجنيد بعضهم في منظماتهم، بينما يتجاهلون بشكل تام جرائم الإسلاميين. 

ولكن إذا كان من السهل على الإسلاميين أن يسوّقوا لجمهورهم تصوّرهم عن الإسلاموفوبيا في الغرب لشحنهم بمشاعر الكراهية ضد المجتمعات الغربية، فكيف يبررون لهذا الجمهور وجود الإسلاموفوبيا في الدول العربية والإسلامية، والتي تعني خوف نسبة واسعة من المسلمين من الإسلاميين وبرامجهم وأشكالهم وأزياءهم وأفكارهم وغضبهم الدائم، والذي يمكن ملاحظته بأوضح أشكاله في المناطق التي أوقعها حظها العاثر تحت حكم داعش أو النصرة أو بوكو حرام أو طالبان، لأنهم عايشوا "حكم الشريعة" وما يعنيه من احتفالات دوريّة بقطع الرؤوس والأطراف والرجم، وملاحقة الشعب على الملبس والسلوك ودرجة الالتزام بالعبادات، مما جعل الإسلاموفوبيا نتيجة حتمية لحكم هذه التنظيمات. 

ولا يختلف الوضع كثيرا في "الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، حيث يتم سجن النساء لعشرات السنين لعدم تقيدهم بارتداء الحجاب، كما تنفذ الإعدامات وبقية "الحدود الشرعية" في الساحات العامة لبث الخوف عند الشعب، وبشكل عام فإن القيود الاجتماعية والسياسية في دولة ولاية الفقيه الشيعية مماثلة لتلك الموجودة في المناطق الخاضعة لحكم النصرة وطالبان السنيّة، كما يمكن مشاهدة الإسلاموفوبيا عند شعب العراق، نتيجة الاغتيالات المنتظمة التي تنفذها ميليشيات مرتبطة بإيران ومتداخلة مع مؤسسات الدولة العراقية مثل الحشد الشعبي وغيره، والتي لا تكتفي باغتيال المعارضين للنفوذ الإيراني من الشيعة والسنّة، بل تستهدف السيدات الناجحات والأطباء والعلماء ومحلات بيع المشروبات الروحية وصالونات الحلاقة والتجميل. 

وعلى نمط مشابه استهدف حزب الله اللبناني وهو أيضا ميليشيا مرتبطة بنظام ولاية الفقيه الإيراني عشرات القادة السياسيين والمثقفين اللبنانيين بعمليات اغتيال منظمة يعرف الجميع أنه يقف خلفها وأكدت على ذلك مؤخرا المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ولكنه يرفض تسليم المجرمين من أعضاء حزبه للعدالة لأن هذا سيقود لإدانة قيادة الحزب نفسها بهذه الجرائم، كما منع حزب الله المشروبات الكحولية وثياب البحر في الكثير من المناطق اللبنانية تحت التهديد بالقتل أو تكسير الأرجل، رغم التركيبة متعددة الطوائف والخلفية المسيحية للبنان.  

 وفي مصر قامت تنظيمات إسلامية متطرفة باغتيال فرج فودة والاعتداء على نجيب محفوظ وتكفير نصر حامد أبو زيد وغيره لإخافة المصريين، ولكن انتشار الإسلاموفوبيا على نطاق واسع حدث أثناء حكم الإخوان وما رافقه من تجوّل مجموعات من الملتحين والمنقّبات في الشوارع للقيام بدور حراس الفضيلة ومراقبة المواطن المصري من ناحية لباسه وسلوكه ومظهره وبشكل خاص النساء، مما دفع نسبة كبيرة من المصريين للتضحية بمطلبهم المحق في الديمقراطية خشية من أن تأتي بهؤلاء الإسلاميين المخيفين للسلطة. 

ورغم سقوط حكم الإخوان المسلمين لكن التقييد على حرية الشعب المصري باسم الدين لم تتوقف، بل استفحلت بشكل كبير مؤخرا نتيجة تولّي الأزهر مهمة الوصاية على أخلاق وسلوك المصريين بديلا عن الإخوان المسلمين وبقية التنظيمات الإسلامية، فالأزهر الذي يقدم نفسه في الغرب كممثل للإسلام المعتدل هو الذي يقيم محاكمات في مصر تستهدف النساء والمثقفين باتهامات تتعلق بأفكارهم وملابسهم، حتى أصبح من الصعب التمييز بين مواقف شيوخ الأزهر وموقف أيمن الظواهري وقادة الإخوان، فجميعهم يريدون تطبيق الشريعة وحكم الشعب باسم الله. 

وانعكس انتشار الإسلاموفوبيا عند الشعوب العربية في خوف شريحة واسعة من الربيع العربي، رغم أنه ابتدأ كحركة احتجاج شعبية عفوية أشعل شرارتها وقادها شبّان وفتيات مثقفين وعلمانيين، ولكن تسلّق الإسلاميين لتلك الاحتجاجات دفع كثيرين للحذر منها، وكان حزب الإخوان المسلمين تحديدا كابوس الربيع العربي، لأن وجوده أو مشاركته في أي تحرك شعبي كان كفيلا بإفشاله وتنفير الشعب منه، خصوصا لأن الكثير من دول الشرق الأوسط متعددة الطوائف والأديان، ووجود الإسلاميين يعني عمليا استبعاد بقية مكونات الشعب ونزع الصفة الوطنية عن الحراك الشعبي والتخلّي عن مشروع الدولة المدنية والنظام الديموقراطي، وربط الحراك ببرنامج ضيق غير واقعي ولا يمكن تحقيقه لأنه يقوم على إعادة عقارب الزمن للوراء، كما دفع ذلك الكثير من دول العالم للوقوف ضد هذا التحرك، مما رفع من احتمال انتصار الديكتاتوريات، ولا يمانع الإسلاميون في ذلك لأن معارضة الديكتاتوريات أسهل عليهم من معارضة حكومات ديموقراطية تحظى بتعاطف شعبي. 

وفي النتيجة كانت الكوارث التي ألحقها الإسلاميون في شعوب الدول الإسلامية أكبر بما لا يقاس بما ألحقوه بالغرب، فالوجوه الغاضبة التي ظهرت في باكستان وبنغلادش وهي تهتف "إلا رسول الله" احتجاجا على رسوم شارلي إيبدو لا تستطيع إلحاق ضرر بدول الغرب، بينما كانت تنقض في بلدها على شخص أعزل وتقتله بتهمة التجديف أو عدم توقير الرسول، فالإسلاميون في الغرب أقلية غريبة وأقصى ما بإمكانهم القيام به هو عملية إرهابية بين الحين والآخر، أما في البلاد ذات الأغلبية الإسلامية فمن السهل على رجال الدين تهييج الغوغاء والجهلة وتوجيههم للاعتداء على مواطنين مسالمين عزّل من أبناء بلدهم. 

ومن الطبيعي أن يولّد الإسلام الذي يروج له الأزهر وحزب الإخوان المسلمين ونظام ولاية الفقيه والتنظيمات المتفرعة عن القاعدة "إسلاموفوبيا" عند نسبة كبيرة من الشعوب الإسلامية، لأن جميع هؤلاء يريدون التحكّم بالشعوب عن طريق التخويف والترهيب، فللتعبير عن الرأي أو التمسّك بالحرية الشخصية ثمن باهظ في البلدان الإسلامية وقد يكلف الإنسان حياته، لذلك على من يريد مشاهدة الإسلاموفوبيا أن يذهب إلى إيران أو مصر أو أفغانستان أو العراق أو أي منطقة في العالم الإسلامي يكون لرجال الدين فيها نفوذ أو دور في حكمها، فهناك سيشاهد الإسلاموفوبيا على حقيقتها والتي تفوق بكثير الخوف من الإسلام في دول الغرب.  

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.