ترامب لم يحدد موعدا لرفع الدعاوى القضائية
ترامب لم يعترف بعد بنتائج الانتخابات.

محاولات تبديد الانفعال الموجّه إلى الولايات المتحدة من أرجاء العالم، من الاستغراب والخشية إلى التهكم والتشفي، ليست في محلها. لا ينفع أن يقال إن الشامت ليس أفضل حالاً أو أن ردة فعله قاصرة متخلفة. ولا أن يواجه المضطرب بزعم أنه لا داعٍ للقلق.

بل الولايات المتحدة في ورطة فورية، بالإضافة إلى الإشكاليات والأزمات الأخرى الأطول مدى، لامتناع الرئيس ترامب عن الاعتراف بالنتيجة الجلية للانتخابات، ثم تخصيصه ما تبقى له من أيام في السلطة سعياً لإيجاد السبيل إلى إطالة أمد بقائه فيها، وإهماله واجباته في خضم الجائحة، وعرقلته للمرحلة الانتقالية. الورطة هذه ليست بأن البلاد سوف تنهار وتتفتت وتتآكل. ذلك لن يحدث. إذ لها من النظم الدستورية والإجرائية والقضائية ما من شأنه إيصال الأمور إلى خواتيمها المحسوبة. بل هي بأن الولايات المتحدة قد خسرت قدراً إضافياً من موقعها المعنوي المتقدم عالمياً. فبعد أن جعل دونالد ترامب المصلحة المادية الفورية أساساً للموقف السياسي، مسقطاً الموقف السابق الثابت بأن المصالح أكثر ديمومة حين تكون القيم إطاراً لها، وبعد أن تماهى مع كبار الطغاة وصغارهم حتى ساعة طعنهم بالنظام السياسي الأميركي، ها هو اليوم يجرّد الولايات المتحدة من صدقيتها ساعة تدعو سائر الدول إلى احترام إرادة المواطنين الانتخابية.

للوهلة الأولى، مع بدء عمليات الفرز وجدولة النتائج، كان يصحّ أن يُطالب الجميع بإقرار الرئيس وحملته على مسعى التقاضي إزاء احتمال التزوير. المساءلة حق، بل هي واجب لضمان نزاهة العملية الانتخابية والمحافظة على ثقة المواطن بها. غير أنه يبدو واضحاً، مع توالي التقارير من مختلف الهيئات والجهات المسؤولة عن الانتخابات، بأن احتمال الغشّ الممنهج الهادف إلى استلاب الفوز يلامس المعدوم. وغزوة الدعاوى القضائية في كافة الولايات المفصلية قد تهاوت، وتراجع مضمون الشكوى من زعم التزوير الكفيل بتبديل النتائج إلى الاعتراض على شكليات إجرائية، موضعية على الغالب، معظمها معتل، ومجملها حتى مع افتراض صحته، لا يبدل النتيجة أبداً.

لماذا إذن الإصرار؟ لماذا يواظب الرئيس على زعم أنه فاز بالانتخابات، ولماذا يتابع من تبقى من وكلائه التقدم أمام المحاكم بالطعون والقضايا العبثية؟

ربما أن الموقف السائد، خارج دوائر الرئيس، هو إهمال هذه المسألة، ذلك أنه سواء توصّل دونالد ترامب إلى قبول النتيجة أم بقي مستمراً في إنكارها، فإن الأمر سيّان دستورياً. الولايات سوف تصدّق على نتائج الاقتراع، ما يسمح للناخبين المبعوثين إلى المجمع الانتخابي بالتصويت المرتقب لصالح جو بايدن، ثم يثبّت مجلس النواب النتيجة ليصبح بايدن الرئيس المنتخب، ومع حلول يوم العشرين من يناير ظهراً، يؤدي بايدن القسم أمام رئيس قضاة المحكمة العليا، ويصبح الرئيس القائم للولايات المتحدة. وعندها يتوجب على دونالد ترامب، طاب له الأمر أم ساء، أقرّ بفوز بايدن أو ثابر على أنه قد نال عهدة ثانية، أن يخرج من البيت الأبيض ويمسي مواطناً عادياً. له أن يواصل قناعاته كغيره، إنما خارج موقع الرئاسة.

أوساط المؤيدين لدونالد ترامپ قد أعدّت للتو تصورات دستورية تسمح له بتجنب هذه النهاية. إذ ليس في الدستور الاتحادي ما يلزم المجالس التشريعية في الولايات اختيار الناخبين المبعوثين إلى المجمع الانتخابي بما يتطابق مع نتيجة التصويت في ولاياتهم. بل من حقّهم اختيار من شاءوا، إذا اعتبروا بأن العملية الانتخابية قد اعترتها الشوائب، وإن لم يتم تأكيد ذلك بحكم قضائي. أليس بالإمكان بالتالي أن تعمد بعض المجالس التشريعية، والتي يتحكم بها الجمهوريون، في ولايات فاز فيها بايدن بغالبية الأصوات، أن تستعيض عن ناخبين مبعوثين مؤيدين لبايدن بآخرين مؤيدين لترامب، بما يحقق لهذا الأخير الفوز بعهدة ثانية؟ ليس ما يمنع ذلك دستورياً، ولكنها مناورة غير مسبوقة، ولا يبدو المزاج العام، في أوساط السياسيين وعموم المواطنين مستعداً لخطوة على هذا القدر من الجسارة.

ومع استبعاد هذا الاحتمال، وهو وارد وإن كان غير متوقع، يمكن تفسير موقف ترامپ المصرّ على الفوز بإحدى قراءات ثلاث، أو ربما بمزيج منها.

القراءة الأولى هي التي تعمد إلى تحليل شخصية ترامپ نفسياً، لترى فيها أقداراً من جنون العظمة والانشغال بالذات والصبيانية، ما يجعله عاجزاً عن تقبّل الخسارة، مهما تضاءلت، فكيف هو بهذه الهزيمة الانتخابية المدوية بعد أن بذل كل الجهود في حملة انتخابية شهدته يتنقل من مهرجان انتخابي إلى آخر فآخر، في ولايات عدة في اليوم الواحد؟ أليس ترامب هو القائل بأن خصمه هو أسوأ مرشح في تاريخ البلاد، وإن الخسارة في مواجهته تكون انتكاسة قاصمة، قبل أن يؤكد بأنه يستحيل أن يخسر إلا أذا كان في الأمر تلاعب بالنتائج. فبما أنه خسر، لا بد له من التمسك بهذه القناعة، حفاظاً على معنوياته.

هي القراءة التي تعتمدها وتروّج لها ابنة شقيقة ترامب، انطلاقاً من قرابتها له ومعرفتها الشخصية به، ومن اختصاصها بعلم النفس. ولا شك أن ترامب، والذي سطا حضوره على كافة وسائل الإعلام، أضحى شخصية معروفة، وإن عبر مصفاة الإعلام الانتقائية، بالنسبة للعديدين، وقد يجدون في هذه القراءة قدراً من الصواب.

القراءة الثانية، عند الطرف الآخر من تقييم الرجل، ترى فيه الدهاء الثاقب، وتعتبر بأن أفعاله، وإن بدا عليها الغلو والمبالغة، تنصب في إطار هدف عميق، تعبوي مصلحي مقتدر. فهو اليوم، إذ يتمسك بزعم الفوز، يعمل على ضمان ولاء جمهوره له، وذلك لتجييشه في معارك سياسية وانتخابية مقبلة.

المعضلة في هذه القراءة، إذ هي من باب إحسان الظن بالرجل لدى البعض، ومن صنف التبريرات الاعتذارية الأهوائية لإرضاء دونالد ترامب إذا كان بموقع الإصغاء أو لإنقاذ الاستثمار المعنوي في تأييده وإن بالأوهام لدى البعض الآخر، هي أنها تعتمد احتفاظه الناجح بجمهوره كمقياس للإنجاز وتهمل ما يصاحب ذلك من ارتباك وتخبط وتردد في تحقيق الأهداف المعلنة.

ليس أن سنوات ترامب الأربع كانت دون إنجاز. ولكن الإنجازات، ومنها ما سوف يترك الأثر البالغ على الولايات المتحدة، تختلف في تفاوتها عن التبجح في المادة الخطابية الشعبوية التي واظب عليها الرئيس. لا قانون عناية صحية، لا قانون هجرة، والإعفاء الضريبي مؤقت لذوي الدخل المحدود، دائم للأثرياء. ولكن في المقابل، فكّك دونالد ترامپ، بالأوامر التنفيذية (أي المراسيم الرئاسية) ما كان قد أقامه سلفه باراك أوباما، بالأوامر التنفيذية كذلك، من قيود وضوابط وشروط للتضييق على قطاعات أعمال عدة، وإن جاءت خطواته، بنظر معارضيه، على حساب البيئة وحقوق العمال.

على أن الإنجاز الأهم هو دون شك التعيين الواسع النطاق للقضاة المحافظين، في المحكمة الدستورية العليا بالطبع، حيث سنحت الفرصة لترامب اختيار ثلاثة من أصل تسعة هم مجموع المحكمة، ما يجعل الأكثرية المحافظة في أعلى محاكم البلاد هذه أمراً ثابتاً لعقود قادمة، ولكن كذلك في العديد من مستويات المحاكم الاتحادية وبالمئات، مع الإشارة إلى أن الفضل لهذا الإنجاز يشاطره فيه مجلس الشيوخ، ورئيسه ميتش ماكونيل، فيما كان لترامب دور التمكين.

وقد يرى التقدميون في هذا التعيين استيلاء محافظاً على السلطة القضائية، غير أنه، بالإضافة إلى أن إجراءه تمّ ضمن الأطر المرعية، يشكّل وحسب نوعاً من التصحيح التاريخي لغلبة ذوي التوجهات التقدمية من القضاة على مدى العقود الماضية.

الفضل سوف يحسب لترامب هنا، كما في العديد من المواقف ذات الطابع الأقرب إلى الاستعراضية، من بعض التغيير الطفيف في اتفاقية التجارة مع كندا والمكسيك، فيما التبديل الإيجابي الفعلي لهذه الاتفاقية تحقق في مجلس النواب، إلى الحرب التجارية مع الصين، والتي يسجّل لترامب أنه أبرز موضوعها، وإن كان أداؤه فيه ارتجالياً وبنتائج عكسية. في المقابل، فإن ترامب، إذ ألغى اتفاق أوباما مع إيران، فإنه لم يعمل جدياً على استمالة الحلفاء الأوروبيين إلى موقفه، بل طالبهم وحسب دونو جدوى بالانصياع. كما أن فريق عمله لم يجتهد بإيصال مضمون هذه الخطوة إلى الجمهور أو إلى الصف السياسي المعارض، ما يجعل الخروج على الاتفاق، رغم ما ينضوي عليه من إيجابيات موضوعية، شأناً فئوياً عرضة لأن تنقلب عليه الإدارة القادمة.

على أن السقطة الأخطر في أداء ترامب هي دون شك سوء إدارته للجائحة، وما نتج عن الاعتباطية الاستعراضية التي ينتهجها من تضييع لفرص الاحتواء ومن مفاقمة للأذى.

أي أن مقولة أن ترامب يتصرف انطلاقاً من رؤية شاملة متسعة إلى حد يعجز الآخرون عن تبينها لا تستند إلى المعطيات بل هي أقرب إلى الإطراء الاعتذاري.

ثمة تفسير ثالث للتصلب الذي يبديه ترامب في عدم الإقرار بالهزيمة الانتخابية، والإصرار على محاولة انتزاع نصر وهمي من واقع الفشل، وهو يرتبط بالبنية الذهنية التي نشأ عليها، وبقي عليها دون انحراف على مدى العقود، وهي نظرية "التفكير الإيجابي".

جوهر النظرية هي أن الالتزام بالقناعة يؤدي إلى تحققها. عند الحد الأدنى، تتطابق هذه النظرية مع منهج عقد العزم على تحقيق الهدف، أي أنها تعطي صاحب القناعة الزخم والتفاؤل للوصول إلى الغرض المقصود. وعند مستوى سياسي أعلى يتعدى الفرد ليشمل من يخاطبه من جمهور، فإن القناعة من شأنها جرف التأييد للموقف المعلن، وبالتالي تحسين الظروف للدفع باتجاه التحقيق، عند تضارب العوامل المساندة والمعاكسة. ويمكن بالفعل إدراج غالب ما يعتمده ترامب من مبالغات وتأكيدات منافية للظاهر في هذا الإطار.

معارضو ترامب غالباً ما يلجؤون إلى جرد أعداد "الأكاذيب" التي يتفوه بها. لا يخلو كلام ترامب من الكذب. وقليله على أي حال جدير بالذمّ والاعتراض. غير أن معظم ما يدرجه خصوم ترامب في خانة «الكذب» هو في واقع الأمر مبالغات وتحريفات وتصحيفات وإعادة تصوير لوقائع منتقاة بهدف الدفع نحو صياغة الواقع المرغوب، على أساس نظرية "التفكير الإيجابي". المعادلة هنا هو أن يكرر الرجل ما يرغب به، ليشاركه العديدون برغبته، ما يتيح لهذه الرغبة بأن تنتقل، بفعل الاندفاع والتأييد، إلى مقام المتوقع وربما القابل للتحقق.

عند هذا الحد، المنحى قد لا يكون موضوعياً مجرّداً، ولا سيما في التعاطي المتفاوت مع الوقائع والمعطيات، ولكنه على درجة عالية من الفعالية وهو قادر في أحيان عدة على تحقيق النتائج العملية.

على أن البنية الذهنية التي يتماهى معها ترامب قد لا تقف عند هذا الحد. ترامب يجاهر بأنه منذ صباه مريد لرجل الدين "نورمن ڤنسنت پيل"، أحد أنشط من أدرج طرح "التفكير الإيجابي" ضمن الفكر الديني.

پيل دعا باستمرار في عظاته إلى الالتزام المطلق بالتفكير الإيجابي، الرافض للفشل والمصرّ على النجاح في القول، ليس من باب التحفيز الذاتي وحسب، بل كشرط غيبي لتحقيق النجاح. وفي حين أن پيل أردج نفسه ضمن إطار مسيحي، غير أنه كان أقرب إلى توجهات دينية وروحية راجت منذ ستينات القرن الماضي، تحت مسمى "العصر الجديد"، تضع العاملية في الأفعال في الإنسان نفسه أساساً.

تنتقل هذه التوجهات من مقولة "العمل والتسليم" الدينية، وهي السائدة في معظم الفرق المسيحية (والإسلامية) والتي ترى أنه على الإنسان أن ينجز ما بمستطاعه ثم يتوكل عساه ينال النعمة وفق المشيئة الإلهية، إلى طرح "لاهوت الازدهار" والقائل بأنه للإنسان "إرادة تكوينية" قادرة على تحقيق المبتغى على قدر زخمها. فمن ينجح ينجح بفعل قوة إرادته، ومن يفشل يفشل لضعف إرادته، سواء وردت الإشارة إلى أن هذه "الإرادة التكوينية" هي بتفويض إلهي أم لا.

الاعتراض على هذا اللاهوت، من وجهة نظر المذاهب العقدية الأخرى، هو أنه يسقط مفاهيم النعمة والقضاء والقدر، ويحمّل الفقير والمريض والمنكوب مسؤولية بلائه، بل يشكل عودة إلى المنطق السحري، والذي يفترض بأن الإرادة البشرية قادرة أن ترتقي غيبياً بفعل الرياضة الروحية إلى القدرة على تبديل الواقع. 

إحدى أبرز الشخصيات الدينية الداعية إلى "لاهوت الازدهار" هذا هي پولا وايت كاين، وهي المرشدة الروحية الرسمية للرئيس ترامپ. عظاتها النارية قبيل الانتخابات وبعدها تدرج ما تمخض من نتائج معكسة لترامپ ضمن مؤامرة «شيطانية»، بالمعنى الحقيقي لا المجازي للكلمة، تهدف لحرمان الرئيس من العهدة الثانية.

ترامپ نفسه، وإن انتظمت أقواله ومواقفه مع الأبعاد اللاهوتية لـ "التفكير الإيجابي" لم يعمد صراحة إلى تأييد المقولات الغيبية الدينية المساندة له، وإن كان قد أمعن في استثارة ما يقابلها المقولات الغيبية السياسية، حول مؤامرات وجمعيات سرية ومشاريع هيمنة. هو، مع تحفظ ضعيف، قد أومأ مؤيداً لأعتى دعاة هذه النظريات، "كيو أنون"، وهم الغارقون في اتهامات لخصومهم تستدعي أشنع "أدبيات" السقم الفكري الغربي. ولكن ترامب قد رحّب كذلك بتأييد الموفد البابوي السابق، كارلو ماريا ڤيغانو، المعارض للبابا فرنسيس، بل المساند للرؤية التي تعتبر أن "الشيطان"، بالمعنى الحقيقي لا المجازي، يسعى لتحقيق "البداية الجديدة الكبيرة"، وأن ترامب دون غيره هو القادر على التصدي لذلك.

حين يصرّ دونالد ترامب، خلافاً للوقائع الحاسمة، على أنه فاز، هل هو يعبّر عن حالة إنكار نفسية من شأنها أن تنحسر، أم هل هو يعبئ جمهوره لمناورات سياسية مقبلة، أم هل هو يتحرك بفعل أهواء روحية غيبية سحرية؟

قد تكون القراءة الوسطى، أي الشحن السياسي، هي الأقرب إلى المعقولية والرجحان، غير أن سجل دونالد ترامب، وخياراته وأقواله وأفعاله، لا يسمح بالاستبعاد الكامل للقراءتين المرجوحتين.

بل مهما كان دافع ترامب نفسه، ما لا شك فيه أنه قد سمح أو ساهم بإقامة تحالف واسع من الغيبيات، السياسية والدينية على حد سواء، ولا يمكن إهمال تأثيرها المرتقب على الحياة السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة في المرحلة القادمة.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.