.
.

لعل الأمر الوحيد الذي توافقت عليه حكومتا بغداد وأربيل في العراق منذ أشهر طويلة هو إعادة بسط سيطرتهما على إقليم الأيزديين في الشمال، أي إقليم سنجار. 

وإعادة بسط السيطرة تعني أمراً واحداً، هو دفع ميليشيا حزب العمال الكردستاني إلى خارج الإقليم، وهي خطوة قد تبدو مفهومة إذا ما اعتبرناها عودة الشرعية إلى الإقليم، لكنها خطوة ناقصة وغير باعثة على رضا السكان، فهؤلاء سبق أن خذلتهم "الشرعية" بجناحيها الكردي والعربي عندما انقض جيرانهم الملتحقين بتنظيم "داعش" عليهم، وارتكبوا بحقهم ما يشبه إبادة. 

قتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال بعد أن انسحبت البشمركة الكردية وتقاعست حكومة نوري المالكي عن نجدتهم. ومن دون أن يسقط المرء في فخ مديح حزب العمال الكردستاني، عليه أن يعترف أن الإيزديين في حينها لم يجدوا في ملمتهم سوى مقاتلي العمال الكردستاني.

لم تنطو هزيمة "داعش" في العراق على مراجعة حقيقية للمأساة التي خلفها هذا التنظيم المسخي. ثمة مقدمات لتدفق التنظيم على نحو نصف مساحة العراق، واللجنة البرلمانية التي كلفت بالتحقيق خلصت إلى نتائج ومسؤوليات ولم يُبنَ على الشيء مقتضاه. المالكي، وهو المسؤول الأول عن الكارثة لم يُحاسب قانونياً ولا سياسياً، وأثيل النجيفي لم يقترب منه أحد.

الإيزديون، المستعاد إقليمهم من قبل الشرعية بجناحيها الكردي والعربي، هم حلقة مركزية في هذه المأساة، ما زالت مأساتهم تشتغل بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على هزيمة التنظيم. أكثر من 800 طفل ممن اختطفهم "داعش" ما زالوا مجهولي المصير، وآلاف العائلات ما زالت لا تشعر بالأمان الضروري لعودتها بعد ما لاقته خلال محنتها من خذلان جيرانها من العشائر العربية وتواطؤها مع "داعش" خلال انقضاضه عليهم.

اليوم قررت "الشرعية العراقية" العودة إلى سنجار من دون أن تحمل إلى السكان أجوبة عن أسئلة لا يستقيم حال الإقليم من دون الإجابة عليها. من المسؤول عن المأساة التي أصابتهم؟ لماذا انسحبت البشمركة؟ ولماذا لم تحرك الحكومة المركزية ساكناً؟ لماذا تواطأت عشائر عربية مع التنظيم؟ فما جرى للإيزديين يفوق في هوله ما أصاب الجماعات الأهلية الأخرى التي نكبت بدورها بفعل وحشية التنظيم. ففي حال الإيزديين جرت عملية إبادة ممنهجة، وجرت زعزعت ثقة الناس ببلادهم وقراهم وبيوتهم. العلاقة مع الجيران من أبناء الأكثرية العربية أصيبت بمقتل لن يُلأم إلا إذا شعر الضحايا بأن المرتكبين جرت معاقبتهم. 

والمرتكبون في هذه الحال ليسوا فقط عناصر التنظيم، لكن أيضاً المتواطئين معهم، وأيضاً الذين تخاذلوا في الدفاع عن السكان. وهنا تحضر معضلة أمام الشرعية العائدة إلى سنجار، وتتمثل في أن ميليشيا غير شرعية، لا بل غير عراقية (تركية)، هي من حاز في حينها ويحوز اليوم على ثقة السكان، وهي من تولى صد "داعش" حين زحف على الجبل محاولاً القضاء على ما تبقى من سكان.

الإيزديون هم الأقلية اليتيمة في شمال العراق. الأقليات الدينية والقومية الأخرى وجدت قنوات علاقة مع أكثريات تولت تصريف ضائقاتها في سهل نينوى. طائفة الشبك ارتبطت بالشيعة وبحشودهم، وما تبقى من مسيحيين محميون برغبة الأحزاب بإرضاء الدول الغربية. والجهد الذي تبذله الأحزاب الكردية لضم الإيزديين إلى أمة إقليم كردستان العراقي شهد انتكاسة كبرى في لحظة تخلي البشمركة عن الدفاع عن الإيزديين حين تدفق "داعش" إلى بلادهم.

في خبر نقله موقع "رووداو" الكردي شبه الرسمي عن طالب إيزدي متفوق في كلية الحقوق في الموصل، أنه تعرض لتهديد بالقتل بسبب تفوقه! فهل يعقل أن يتفوق ابن أقلية في بلاد الأكثريات؟ هذا الخبر يلخص حال الإيزديين اليوم، ويؤشر إلى أن الشعور بأنهم الخاصرة الضعيفة في مشهد الأقليات في شمال العراق ما زال متواصلاً. وفي هذا المشهد السنة هم أكثرية السكان، وللشيعة سلطتهم وحشودهم التي تحميهم، والأكراد محصنون في إقليمهم وبالبيشمركة، والأيزديون يقيمون في العراء.

عودة الشرعية إلى إقليم سنجار من دون رأب هذا الصدع لن يكون لها قيمة، وقصة "داعش" لن تنقضي في جانبها الإيزدي طالما أن الريبة ما زالت محدد العلاقة مع معظم مكونات المشهد، وهي ريبة في مكانها بعد فاجعة الخذلان الهائلة، والتي نجم عنها إبادة لا تقل عن تلك التي شهدتها دول مثل البوسنة في تسعينات القرن المنصرم، والتي أقيم في أعقابها محاكم دولية ما زالت تتولى عملية الاقتصاص من القتلة في البلقان.     

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.