اختطف صوت الرصاص المشهد السياسي في الأردن، وأزاح الأنظار عن نتائج الانتخابات النيابية التي جرت في العاشر من الشهر الجاري.
بُعيد إعلان الهيئة المستقلة للانتخاب النتائج شهدت شوارع مدن وقرى تجمعات ومسيرات احتفالية واحتجاجية استخدمت خلالها الأسلحة الرشاشة، وبثت عشرات الفيديوهات التي تُظهر مرشحين فازوا أو خسروا وأنصار لهم يُطلقوا الرصاص الحي ابتهاجا أو غضبا واحتجاجا، ولأول مرة كان لافتا استخدام سيارات مموهة، واستعراضات أشبه بـ"المليشيات" المسلحة.
ليس مُفاجئا للدولة وأجهزتها الأمنية وجود السلاح خارج يد الدولة وبين يديّ الناس؛ فوزير الداخلية السابق سلامة حماد أقر -قبل عام وحين مناقشة قانون الأسلحة والذخائر تحت قبة البرلمان- بوجود نحو 10 ملايين قطعة سلاح يملكها أردنيون، وكثير منها غير مرخص.
غرّد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني غاضبا، ومعتبرا المظاهر المسلحة والاحتجاجات خرقا للقانون، وتهديدا للصحة والسلامة العامة، والحكومة التي التزمت الصمت حيال التمرد على سلطة القانون والدولة ليومين فهمت من كلام الملك بأنه ضوء أخضر للضرب بيد من حديد؛ فأعلن رئيس الحكومة بشر الخصاونة -الذي عقد مؤتمرا صحفيا عاجلا، وجلس على يمينه قائد الجيش، وعلى يساره مدير الأمن الوطني- استقالة وزير الداخلية تحملا للمسؤولية الأخلاقية عما حدث.
استقالة وزير الداخلية بعد أسابيع على تشكيل الحكومة الجديدة لم يُسكت الناس، وإنما دفعهم لطرح مزيد من الأسئلة على السوشال ميديا عن مسؤولين آخرين يتحملون المسؤولية التضامنية ولم يقدموا استقالتهم.
الغضب الشعبي من التنمر على سلطة القانون لا يعود فقط لاستخدام الأسلحة، وإنما لكسر هذه الجموع قرار الحظر الشامل الذي أُعلن بعد ساعتين من إغلاق صناديق الاقتراع للحد من مظاهر الاحتفالات، وتجنب تحول الانتخابات لبؤر تنقل عدوى فيروس كورونا؛ فالمشاهد التي كانت تُبث "لايف" على منصات التواصل الاجتماعي تُظهر وكأن المُحتفلين والمُحتجين لا يعيشون في ذات الدولة التي يقبع غالبية سكانها داخل عتبات بيوتهم ولا يُسمح لهم بالخروج إطلاقا.
انتهت الانتخابات النيابية في الأردن ولم تتجاوز نسبة الذين صوتوا 29.9 بالمئة ممن يحق لهم الانتخاب، وبتراجع يُقدر بـ 6.5 بالمئة عن الانتخابات السابقة عام 2016، والعزوف عن الذهاب لصناديق الاقتراع كان متوقعا؛ فالبرلمان لا يحظى بثقة الناس، وبنظرهم لا يلعب دورا تشريعيا أو رقابيا، وهو منذ عودة الحياة النيابية عام 1989 ليس أكثر من ديكور يُجمل المشهد الديمقراطي في البلاد.
زادت جائحة كورونا من مخاوف الناس بالتوجه للانتخاب، رغم تطمينات الهيئة المستقلة للانتخاب، وتدابيرها الصحية المُحكمة، إلا أن العزوف كان سيد الموقف حتى أن الدائرة الثالثة في العاصمة عمّان والمعروفة بتمركز الصراع السياسي لم تتعدَ نسبة المشاركة فيها 11.7 بالمئة.
لولا كثافة التصويت في المحافظات والأطراف التي يُمثل البعد العشائري فيها محركا رئيسيا للتصويت والانتخاب، فإن المشاركة ستكون مُتدنية أكثر فأكثر؛ فالمدن الرئيسية عمّان، الزرقاء، وإربد يتعاظم فيها عزوف الناس عن المشاركة السياسية في الانتخابات، فهم يعتقدون أن قانون الانتخاب إقصائي لهم، ولا يُعطيهم تمثيلا وازنا يتماهى مع تعدادهم السكاني، وهذا جدل قديم ولا يتعلق فقط بقانون الانتخاب الحالي، بل يمتد لعقود ويُسلط الضوء على مظلومية الأردنيين من أصول فلسطينية، وما يعتبرونه تغييبا مُمنهجا عن الحضور السياسي باستخدام قوانين الانتخاب المتعاقبة.
القراءة الأولية لنتائج الانتخابات لا تؤشر إلى ظاهرة العزوف عن المشاركة فقط، وإنما تؤشر إلى تراجع الحضور الحزبي في البرلمان المُنتخب؛ فقوائم التحالف الوطني للإصلاح التي تُمثل "الإخوان المسلمين" لم تحصد سوى 10 مقاعد ليسوا جميعهم أعضاء في حزب جبهة العمل الإسلامي، وهم بذلك تراجعوا عن حُصتهم في البرلمان السابق، وخسر العديد من رموزهم في المعركة الانتخابية، وبذات الوقت خسرت قائمة "معا" التي كانت تطرح شعار الدولة المدنية ولم يفز أي من مُرشحيها، والخاسر الأكبر هزيمة كل مُرشحي قوائم الأحزاب القومية والتقدمية.
برلمان رجال الأعمال أو "البزنس" لقب يُطلقه الكثير من الناس على البرلمانات في الأردن بعد أن حجز العديد من المقاولين والأثرياء مقاعدهم تحت القبة، ويُضاف لذلك ما أسماه الفنان نبيل صوالحة "برلمان العشائر" في فيديو له بُث على الفيسبوك، وتعمد ناشطون على السوشيل ميديا حصر عدد المتقاعدين العسكريين والأمنيين الذين فازوا بانتخابات مجلس النواب ويملكون حُصة وازنة.
"راصد" لمراقبة الانتخابات وثقت 1270 ملاحظة، ركزت على "التصويت الأميّ" بصوت عالٍ، وتواجد أكثر من شخص في معزل الانتخاب، وعدم ارتداء الكمامات، لكن أكثر ما حذرت منه تعاظم ظاهر شراء الأصوات معتبرة أنها تؤثر بشكل سلبي على العملية الانتخابية ومخرجاتها.
بعد أن أعلن مساعد مدير الأمن العام أيمن العوايشة عن إحالة 31 مُرشحا فائزا بالانتخابات للنائب العام بسبب خرقهم للحظر أو استخدامهم الأسلحة في احتفالات واحتجاجات، فإن الجهات القضائية كذلك تنظر في دعاوى أقيمت على مرشحين في الانتخابات -بعضهم فاز- بتهمة شراء الأصوات.
القناعة السائدة عند قطاع واسع في الشارع أن شراء الأصوات يحدث تحت سمع وبصر الحكومة وجهات إنفاذ القانون، وهي تغض النظر عنها، أو أنها لا تتخذ إجراءات حازمة بحقها، على الرغم من فعالية الهيئة المستقلة في تلقي الشكاوى والتحقيق بها، والإحالة للجهات القضائية.
البرلمان الجديد الذي سينعقد قبل نهاية هذا الشهر يشهد مفارقات عديدة، ربما أخطرها تراجع التمثيل النسائي لأول مرة منذ عام 2007؛ فكل النساء اللواتي فُزن بالانتخابات وعددهن 15 جئن عبر بوابة الكوتا، ولم تحظَ أي منهن بالفوز على مقاعد التنافس، وهذا مؤشر سلبي يحتاج إلى تدارس، الأمر الآخر أن 100 نائب يفوزن لأول مرة، ولا خبرات برلمانية سابقة عندهم، ولا يُعرف تأثير ذلك على المشهد السياسي والعلاقة بالسلطة التنفيذية.
خلاصة المشهد بعد الانتخابات، أن الإصلاح السياسي يتراجع ويترنح، وكلما جاءت انتخابات جديدة وطالع الناس نتائجها ترحموا على البرلمان الذي سبق، وجاءت الاحتفالات والاحتجاجات للخارجين على القانون والدولة لتزيد من خيباتهم وتُفقدهم أي بارقة للأمل بالتغيير.

