لا يختلف شخصان بأن إدارة دونالد ترامب ذهبت إلى أقصى ما يمكن لأي رئيس أميركي أن يذهب في دعم إسرائيل وحكومة بنيامين نتانياهو، إلا أن ذلك لا يعني أن إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن ستعيد بالكامل عقارب الساعة إلى الوراء في تعاطيها مع الملف الإسرائيلي-الفلسطيني.
بداية، بايدن وبعد خطاب القسم في 20 يناير المقبل سيكون أمامه تحديات عملاقة أكبر بكثير من المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية والتي يستبعد أن يخوضها في العامين الأولين. فعلى عكس باراك أوباما الذي أجرى أول اتصال هاتفي له كرئيس أميركي في 2009 مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، شكلت تعثرات النزاع والانعطافات الضخمة في التطورات الإقليمية منذ ذلك الوقت، تراجعا في الملف الفلسطيني وترددا لأي قيادة أميركية في خوض غمار عملية السلام على النحو الذي فعله جيمي كارتر وجورج بوش الأب وبيل كلينتون حتى عام 2000.
من المتوقع من بايدن أن يستأنف المساعدات للسلطة الفلسطينية، ويعيد فتح مكتب منظمة التحرير وهو ما أكدته نائبته كامالا هاريس في أكتوبر السابق. هذه هي قرارات أسهل من خطوات أخرى قام بها ترامب مثل نقل السفارة إلى القدس والاعتراف بالجولان وتصنيف منتجات المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأنها إسرائيلية. العودة عن القرارات الأخيرة قد يضع بايدن في مواجهة مع مجلس الشيوخ خصوصا في حال فاز الجمهوريون بمقعدي جورجيا في 5 يناير وحافظوا على الأكثرية، وفي مواجهة أخرى مع اللوبي الإسرائيلي واللوبي الإنجيلي اللذان سعيا لعقود للوصول للواقع اليوم.
أبعد ما يمكن أن يقوم به بايدن هو جمع الطرفين على طاولة المفاوضات ومحاولة الضغط على بنيامين نتانياهو لتقديم تنازلات. إنما الصورة الداخلية الإسرائيلية لا تساعد بايدن، فاليسار الإسرائيلي في أضعف موقع له منذ خروج إيهود باراك من الحكم عام 2000 ولا نتانياهو ولا بيني غانتس على استعداد اليوم لحل الصراع مع الفلسطينيين.
عليه، يتوجب على السلطة الفلسطينية التعاطي بذكاء مع المرحلة المقبلة وتفادي أخطاء الماضي سواء برفض المفاوضات أو الدخول بمواجهة مبكرة مع واشنطن. القيادة الفلسطينية تعرف بايدن وشخصيات في فريقه سيكون لهم دور محوري في السياسة الخارجية مثل طوني بلينكن المرجح أن يتولى وزارة الخارجية أو دانيال شابيرو وهو سفير سابق لدى تل أبيب.
القبول بالمفاوضات والاستعداد لها هو خطوة أولى للسلطة، إنما ترتيب البيت الفلسطيني هو مفتاح نجاح أي استراتيجية تفاوضية لمحمود عباس. بالانقسام الذي دخل اليوم عامه الثالث عشر ساعد إسرائيل ليس فقط في التوسع استيطانيا بل لتجاهل بشكل تام المفاوضات مع رام الله.
إسرائيل تبني أيضاً على الفجوة المتسعة بين السلطة الفلسطينية ودول عربية قررت توقيع سلام مع إسرائيل أبرزها الإمارات والبحرين. الرئيس عباس عليه إعادة ترميم العلاقات العربية للسلطة والذهاب أبعد من إعادة السفراء إلى أبوظبي والمنامة، بالتنسيق حول الآلية التفاوضية والتي ستحتاج إلى مظلة عربية من الأردن إلى السعودية لإنجاحها. فشل كامب ديفيد عام 2000 كان أحد أسبابه غياب هذه المظلة خلف رئيس منظمة التحرير الراحل ياسر عرفات.
على الجانب الفلسطيني أن يعيد ترتيب أولوياته التفاوضية أيضا. فلا إطار كامب ديفيد ولا اتفاق أوسلو ستقبل بهما إسرائيل، وواقع النزاع شهد تحولات كبرى تهدد اليوم حل الدولتين وأفقه. وبالتالي أمام السلطة الفلسطينية واقع أصعب إنما خيارات أكبر في حال تمسكت إسرائيل بالاستيطان وأهدرت حل الدولتين. فحل الدولة الواحدة أو الفصل العنصري ليس من صالح إسرائيل وسيضعها في أزمة مع المجتمع الدولي في حال أصرت عليهما.
رئاسة بايدن تشكل نافذة صغيرة أمام الفلسطينيين إنما هناك حاجة لمراجعة فلسطينية داخلية وفلسطينية - عربية لإنجاح أي عودة لمفاوضات السلام أو النظر أبعد من حل الدولتين.

