العاصمة الفرنسية شهدت في السنوات الماضية هجمات إرهابية عدة.
العاصمة الفرنسية شهدت في السنوات الماضية هجمات إرهابية عدة.

أوروبا في ورطة حقيقية ووضع لا تحسد عليه. فهي من جهة تواجه هجمات إرهابية باسم الإسلام، متنوعة في أهدافها وعناوينها، وهي من جهة أخرى غير قادرة على مواجهة هذا الخطر بصورة فعالة، إما بسبب القيود القانونية أو السياسات المحلية أو الحدود المفتوحة بين دولها الاتحاد الأوروبي. وهي لذلك تفتش باستماته عن طرق أفضل لمواجهة هذه الظاهرة.

مشكلة التعميم

في البداية ينبغي أن نقول إن الجماعات المتطرفة، بما في ذلك المساجد والمؤسسات التي تديرها، تشكل جزءا صغيرا نسبيا من المجتمعات المسلمة في الدول الأوروبية. صحيح أن صوتها هو الأعلى وتأثيرها ربما أقوى، لكن هذا لا يعكس بالضرورة حجمها الحقيقي. الكثير من المسلمين هناك ليسوا منخرطين في مثل هذه النشاطات، وهم إما مسلمون تقليديون، يحافظون على عباداتهم وأعمالهم اليومية ويهتمون بتربية أسرهم ولا يشتغلون بالسياسية عادة، وإما مسلمون مندمجون تماما في هذه المجتمعات، وبين هؤلاء علمانيون ولا دينيون ممن ينتمون إلى الإسلام ثقافيا فحسب.

أيضا المجتمعات المسلمة ليست جسما واحدا، فهي تتنوع مذهبيا وعرقيا وثقافيا. وتختلف نسبة هؤلاء بين بلد أوروبي وآخر. والحديث عن المسلمين في أوروبا بوصفهم كتلة واحدة فيه من التعميم والظلم الشيء الكثير وهو لا يصلح منطلقا لمعالجة مشكلة الإرهاب. 

لمقاربة هذه المشكلة من المهم الانتباه إلى مسألتين أساسيتين:

الجزء المعطوب

المسألة الأولى هي أنه لا ينبغي وضع المجتمعات المسلمة كلها تحت المجهر، وإنما تحديد وعزل الجزء المتطرف من بينهم. هذا الجزء يشمل النشطاء والمتحزبين أو المؤدلجين إسلاميا، وبين هؤلاء من ينتمي أو يتعاطف مع تنظيمات مسلحة أو تنظيمات أيديولوجية مثل الإخوان المسلمين.

هؤلاء قد يكون بينهم من هو مولود في هذه الدول وتم تجنيده حديثا، وقد يكون لاجئا جاء لتوه من وراء البحار لتنفيذ عملية إرهابية، وقد يكون مقيما منذ فترة طويلة ونجح فيما كلف به من تشكيل خلايا وإقامة مؤسسات وما شابه. 

هذا الجزء المتطرف هو عادة الذي تشتغل عليه أجهزة الاستخبارات التابعة لبعض الدول العربية أو الإسلامية. حيث تتدفق عليه المساعدات من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدعوية وما شابه (وهي معروفة)، وهذا هو الجزء الذي تهتم به أيضا أجهزة الإعلام في هذه الدول (وهي معروفة أيضا) ومنحه منصة بهدف تقوية مركزه في المجتمع المسلم المحلي. 

هؤلاء هم الذين يشكلون خطرا على المجتمعات الأوروبية، بما في ذلك غالبية المسلمين في هذه الدول.  ولو تمكنت الحكومات الأوروبية من عزل هؤلاء والتخلص منهم، تكون قد حلت نصف مشكلة الإرهاب. 

التدين والانتماء

المسألة الثانية هي أن مشكلة الإرهاب في أوروبا ليست مشكلة دينية، وإن اتخذت هذا الطابع. هي مشكلة تتعلق بالانتماء أو الهوية. وهذا يحتاج إلى شرح.

ثمة فرق بين اتباع دين معين وبين اتخاذ هذا الدين هوية أو انتماء. الإيمان بدين هو في الغالب خيار فردي، قد يرثه الإنسان وقد يلجأ له بدوافع إيمانية وروحانية أو نتيجة تجارب بشرية معينة. 

بينما الهوية تستلزم (في كثير من الأحيان) الانتماء إلى جماعة من البشر والانتظام في سلسلة من العلاقات "التنظيمية" ووضع أهداف معينة وجدول أعمال وتنفيذ مهام وما إلى ذلك.

فأن يكون الإنسان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا أو هندوسيا.. إلخ، هو أمر طبيعي لا ينبغي أن يثير أية مشكلة، لكن الانضمام إلى مؤسسة إسلامية أو مسيحية أو يهودية.. إلخ، يعني في الغالب الانتماء إلى جماعة معينة والعمل وفق أهدافها.

الأمر هنا يشبه الفرق بين الإيمان بـ"مذهب" معين وبين الانتماء إلى "طائفة" تؤمن بهذا المذهب. المذهب هو اعتقاد بينما الطائفة هي وجود اجتماعي.    

والإنسان في العادة لا يلجأ إلى استخدام العنف في الدفاع عن مذهبه، لأنه محفوظ في قلبه، لكنه يميل تلقائيا إلى العنف إذا تعلق الأمر بطائفته أو ما يعتبره مساسا بها. وبالأحرى فإن الطائفة هي التي تمارس العنف وليس المذهب نفسه.

أوروبا وأميركا

هذا الفرق جوهري، عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب والتشدد. فالخطأ الفادح هو مهاجمة الدين أو الاعتقادات. فإضافة إلى كون ذلك اعتداء على حرية أساسية للإنسان، فإنه يحيل المعركة أيضا إلى الوجهة الخطأ.

الصحيح هو كيفية الحيلولة دون أن يتحول الإيمان الديني إلى هوية دينية. وكيف يمكن ضمان أن يتمتع الإنسان بممارسة حريته في الاعتقاد وأداء شعائره وطقوسه من دون الحاجة إلى الانتماء إلى مؤسسة دينية. وأعتقد أن هذا هو من الأسباب الجوهرية للاختلاف الذي يميز وضع المسلمين في بلد مثل أميركا مع المسلمين في أوروبا. 

فجماعات الإسلام السياسي في أميركا تحاول هي الأخرى باستماته أن تجر المسلمين إلى حلبتها عبر منحهم "هوية" أو "انتماء". ورغم نجاحها أحيانا في جر بعض الفئات، إلا أن غالبية المسلمين لا يجدون حاجة إلى الانتماء إلى هذه الجماعات. (باستثناء المسلمين السود ومنظماتهم، فهؤلاء قضيتهم مختلفة).

والسبب أن "الانتماءات" بطبيعتها ضعيفة في أميركا، لعدم وجود قومية، فضلا عن النفور التقليدي من الأيديولوجيات، فما يجمع الناس حقا هو القيم والمبادئ الأميركية. 

ونجد ذلك واضحا في ميدان السياسة، إذ لا يتمكن أي حزب أيديولوجي من النجاح مهما بذل من جهد، والحزبان الرئيسيان (الديمقراطي والجمهوري) هما عبارة عن مظلتين فضفاضتين، تجمعان أشخاصا ومصالحا واتجاهات متباينة. 

بمعنى آخر فإن "الانتماء" في أميركا ليس مسألة جوهرية، كما أن سؤال "الهوية" نفسه غير مطروح، لانتفاء وجود "آخر" مقابل (ربما باستثناء مسألة السود التي لها وضعها الخاص). 

بالطبع سيكون من الظلم إجراء مقارنة بين الدول الأوروبية وأميركا في هذا المجال، لكني أعتقد أن هناك الكثير مما يمكن أن يتعلمه الأوروبيون من التجربة الأميركية. 
 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.