في استرجاع سريع للسنوات العشر الفائتة، التي شكلت عقداً زمنياً مفصلياً في تاريخ عدد من البلدان العربية التي لفحتها رياح التغيير بعنف أو بسلاسة، يمكن ملاحظة حضور السينما العربية الملفت خلال هذه العشرية الزمنية المختلفة، وتحملها لمسؤولياتها من حيث تقدمها الشغوف والشجاع، للعب دورها الحيوي التأريخي والثقافي والمعرفي في مواكبة سخونة الأحداث، وما أفرزته من تغييرات جوهرية لمجتمعاتها.
ترجمت هذه المواكبة السينمائية بصيغ فنية مختلفة، وفي حين سجلت بعض الدول كمّاً ملفتاً من الأفلام الوثائقية نظراً لصعوبة التمويل وحساسية النزاع الذي تشهده، مثل سوريا والعراق، برز الفيلم الروائي الطويل والقصير، في الدول التي تتمتع ببعض الأمان، رغم أنها مازالت تشهد حراكاً سياسيا واجتماعياً بمظهره السلمي، مثل مصر ودول المغرب العربي ولبنان، فيما تبرز الملاحظة الأكثر إيجابية في سياق هذه المواكبة، المتمثلة بالحضور القوي والملفت لسينما المرأة.
اختلط مفهوم سينما المرأة في بعض التفسيرات بحصره بمهمة قيادتها للإخراج، لكنه في الواقع يشمل الرؤية والحساسية الجندرية للنص والتمثيل وبعض العناصر الرئيسة للعمل الفني حتى لو كان المخرج رجلا. ضمن هذا المفهوم، حققت مؤخراً عدد من المخرجات حضورا مغايراً بتقديمهن لأفلام محترفة من حيث الصنعة السينمائية المتقنة المؤهلة للمنافسة الدولية، تنطبق عليها كل عناصر النسوية، وتتواءم وحساسيات النزاعات التي تعيشها مجتمعاتها، وتميزت بينهن مخرجات من تونس والجزائر والمغرب ولبنان، وسوريات يقمن في بعض دول اللجوء.
ليلى بو زيد، ابنة المخرج التونسي المخضرم نوري بوزيد، التي قدمت باكورة رحلتها السينمائية بفيلم (على حلة عيني) 2015، الحائز على عدد كبير من جوائز المهرجانات العربية والدولية، واحدة من كوكبة المخرجات اللواتي سجلن مؤخراً حضورهن السينمائي بقوة، لكن اختلافها يكمن في اختيارها لموضوع فيلمها، الذي لم يواكب أحداث السنوات العشر وإن كان يصب في جوهرها، ورؤيتها للحدث من زاوية مغايرة، خاضت من خلالها في البذور الأولى الممهدة للثورة التونسية، التي عرفت بثورة الياسمين، أو رائدة الثورات العربية.
تختار بو زيد أياماً قائظه من صيف 2010 زمناً لفيلمها، أي قبل أشهر قليلة من اندلاع الشرارة الأولى للثورة التي أشعلها إحراق "بو عزيزي" لنفسه. وتسلط الضوء على الفئة الشابة في المجتمع، من خلال فرقة موسيقية تشق طريقها للنجاح عبر تقديم أغان ذات ايقاع موسيقي وشبابي صاخب، لكنها أغاني ذات كلمات جارحة، تعبر عن أوجاع المسحوقين في قاع المجتمع التونسي، وتنتقد السلطة الحاكمة بقسوة ودون مواربة.
سيظهر ظل الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في معظم مشاهد الفيلم كظل ثقيل غير مباشر يتجسد في صوره المعلقة على الجدران، أو يترجم بشكل مباشر عبر أذرعه الأمنية ورجال استخباراته الذين يندسون في كل الأماكن، يعدّون أنفاس الناس، ويمارسون فسادهم، في مجتمع لايبدو مرتاحاً أو نقياً بدوره، يتنازعه الكبت والانفلات الجنسي والخوف والفقر والتشدد الديني، مضاف إليه الفئة الشابة التي بدت غارقة في تيهها وتطرف ملذاتها وجموح أحلامها، لكنها رغم ذلك بدت فئة شابة واعية ومدركة لدورها في التغيير، الذي تختار له أدوات تعبير مثل الرقص والموسيقى والأغاني ذات المضمون اللاذع.
كما سيظهر ظل السيدة الحاكمة الأولى ليلى بن علي، التي تسرق أحلام الفقراء ومدخراتهم بمشاريعها الخلبية، ليضاف إلى جميع ظلال النظام الأمني والسياسي والاقتصادي الثقيلة المهيمنة بإحكام على الشارع التونسي، والتي تحيط بشخصيات الفيلم وأحداثه، وتتركز بشكل مكثف في حكاية بطلة الفيلم فرح، نجمة الفرقة الموسيقية وبطلتها، والتي تجرب التحرر من السلطة الأسرية لتسقط في فخ الأوهام والخيبات العاطفية المجللة ببعض الادعاءات التحررية الشبابية الكاذبة أو الخلبية.
ستدفع فرح ثمناً لكل ذلك عبر تجربة اعتقال مؤلمة، تتعرض فيها للاغتصاب والعنف الجسدي والمعنوي ، لكنها تجربة ستشكل لها نقلة مفصلية، تخرج منها محطمة وبوعي مختلف، تساعدها على فتح عينيها لما حدث وسيحدث بنظرة ثاقبة، دون أن يفوت النص المحكم للسيناريو، منح التغيير بعده النسوي العميق، برمزية الأم العظيمة التي تجسد تونس الوطن وجماله وانكساره، والذي لن يتبلور دون مساعدة واحتضان هذه الأم "حياة" لابنتها وإرشادها، بل ودفعها للاستمرار في طريق أكثر صوابية، انطلاقاً من شخصيتها كأم يتراكم في داخلها كل قهر الجيل القديم، لكنه سيظل جيلاً حالماً عبر أبنائه، بالتغيير المنشود.
يقال الكثير في التفاصيل التي نسجت بحرفية المظهر العام لفيلم (على حلة عيني) وبراعته في التقاط روح الشارع التونسي ونبضه قبل الثورة، كما لايخلو من الملاحظات التي يمكن أن تعامل بانتقاد قاس من قبل المجتمعات العربية المحافظة، مثل المبالغة في عدد المشاهد ذات الدلالات الجنسية والانفلات الشبابي، رغم ذلك، قدمت المخرجة فيلماً واقعياً ومختلفاً، حاكى بتكثيف ملفت، مرحلة شديدة الحساسية، واختصر بحرفية سنوات طويلة وصعبة من القمع وضياع البلاد والعباد.
أبرز ماقدمته ليلى بوزيد في فيلمها، تمثل بالصورة الشاحبة وشبه القاحلة أوالصحراوية للفضاء التونسي في زمن الفيلم، لتخبرنا أنها ليست تونس الخضراء المطبوعة في أذهان الناس كصورة شعرية وحقيقية ارتبطت بصورة تونس خلال عقود سابقة، وأن الاخضرار الذي عرف عنها، تلاشى أو مسح تحت سطوة القمع الطويل الذي مورس بفعل النظام المطاح به، وهو ماتراكم ومهد للثورة، التي حرصت بوزيد على أن تنحاز فيها للشباب اليانع الذي يجلب الربيع والاخضرار، وأن تنحاز للنسوية بشكل جلي وموفق، ويدعو للإعجاب.

