الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يكاد يصدّق ما يكتشفه في لبنان
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يكاد يصدّق ما يكتشفه في لبنان

يُنسب الى الفيلسوف الروماني-الإغريقي بلوتارخ قوله إنّ "الشعوب القوية تتميّز بعقوقها لكبار رجالاتها".

واختبرت دول كثيرة هذه المعادلة، ولا سيّما بريطانيا حين أسقطت الانتخابات التشريعية ونستون تشرشل، وفرنسا حين أخرج الاستفتاء شارل ديغول من قصر الإليزيه.

إنّ اعتماد "معادلة بلوتارخ" هذه يتيح لنا، في عصرنا هذا، حيال ما نتلمّسه من معطيات، في كثير من الدول المنهارة سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً، أن نقول إنّ الشعوب الضعيفة تتميّز بتعلّقها برجالاتها "الصغار".

ومن يشكّك في دقة هذه المعادلة ليس عليه إلّا أن يدقّق في الواقع اللبناني، في ظل تمسّك غالبية اللبنانيين بسياسييهم ودفاعهم عنهم والاصطفاف خلفهم والتعهّد بإعادة انتخابهم، على الرغم من الكوارث التي أنتجها فساد هؤلاء وفشلهم وكذبهم وتناقضهم ووصوليتهم وخيانتهم.

وحدها الشعوب الضعيفة يُمكن أن توفّر لأمثال هؤلاء السياسيين إمكانيّة الاستمراريّة، وتتيح لهم أن يهدروا الوقت الثمين في صراع الأحجام المتدثّر بالطوائف، فيما الجوع يجتاح العائلات، والمرض ينال من الكبار والصغار، والإفلاس يقضي على المؤسسات، واليأس يتحكّم بالشباب، والهجرة تتحوّل حلماً.

الجميع، في الداخل والخارج، في الدول كما في المؤسسات الدولية، يصرّون على وجوب تشكيل حكومة موثوقة وفاعلة، وذلك بسرعة فائقة لأنّ لبنان لم يعد قادراً على "شراء الوقت"، ولكنّ هؤلاء السياسيين يأخذون وقتهم، يواصلون صراعاتهم الخبيثة وحروبهم الصغيرة، ويهدّد بعضهم البعض الآخر بتهديم الهيكل على الرؤوس.

إنّ العقلية التي تتحكّم بتشكيل الحكومة الجديدة في لبنان هي نفسها التي أوصلته إلى الخراب. 

الطرف المسيحي، باسم قوة موقع المسيحيين، يعطّل تشكيل حكومة الضرورة. حاله مثل حال الأطراف الطائفية الأخرى مثل السنّة والشيعة.

يحاربون بعضهم البعض باسم طوائفهم، فيما أبناء هذه الطوائف يجوعون ويفقرون ويهاجرون.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يكاد يصدّق ما يكتشفه في لبنان، يوماً بعد يوم، فهو لم يكن يعتقد أنّه يمكن أن توجد في دولة طبقة سياسية مثل تلك المتحكّمة بمصير لبنان.

قصد هذه الطبقة مرتين. رمى لها "حبل الخلاص". عندما استقرّت على البر، سارعت إلى قطع هذا الحبل. توهّم ماكرون أنّها سوف تندم لاحقاً، بعد أن يشتمها. انتظر بعض الوقت قبل أن يرسل موفداً منه لاستطلاع الوقائع، فاكتشف أنّ هؤلاء تفنّنوا في إيجاد وسائل جديدة لتمزيق أيّ حبل يُرمى إليهم.

"لبنان ينهار، فلا بد من إنقاذه، بتعاليكم عن أنانياتكم". قالها الفرنسي للطبقة السياسية اللبنانية. ابتسموا له، ثرثروا معه، زايدوا عليه، أداروا ظهورهم لهم وعادوا إلى...خناجرهم المسنونة.

هل أدرك ماكرون أنّه أخطأ برهانه الإنقاذي على الطبقة نفسها التي تسبّبت بالانهيار؟
وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو نصحه، في لقاء قد يكون الأخير له معه، أن "ييأس" من هؤلاء الذين سلّموا بلادهم لـ"حزب الله"، عميل النظام الإيراني "الإرهابي"، ودعاه إلى أن يأخذ بوجهة نظر مجموعة واسعة من السياسيين والمفكرين الفرنسيين الذين يعتقدون أنّ إخراج لبنان من أزمته يحتاج إلى "سوط لاسع" لا إلى "لسان طيّب".

في رأيهم أنّ الرهان باسم الواقعية السياسية على "الإرهابي" و"المرتهن" و"الفاسد"، مثل الرهان الذي سبق وعقده كثير من الأوروبيين على أدولف هتلر لتحقيق الاستقرار والسلام والرفاهية.
هذا الكلام عاد بومبيو وقاله، بأسلوبه، في العشاء الذي أقامته على شرفه السفارة الأميركية في باريس، قبل أن يغادرها إلى تل أبيب المرتاحة لرؤية السلطة الفلسطينية تعود إلى التنسيق معها وتعيد سفيريها إلى الإمارات العربية المتحدة والبحرين، بعدما لمست الكلفة الباهظة للإسهاب في المزايدات.

وثمة من يعتقد أنّ باريس قد تلجأ الى "تشدّد تدريجي" يبدأ بسحب الغطاء الذي سبق لها ووفّرته لعدد من الأطراف اللبنانية المتورطة، أقلّه، بالإهمال في موضوع الانفجار المزدوج في مرفأ بيروت، حتى إذا لم ينفع ذلك ذهبت إلى البحث في بند "الإرهاب" بما يخص "حزب الله" وإلى بند "الفساد" بما يخص الآخرين.

وجلّ ما يطلبه ماكرون من الطبقة السياسية اللبنانية أن تتوافق على تشكيل حكومة من شخصيات موثوق بها تستطيع باريس أن تسوّقها في المجتمع الدولي الذي يمسك بالأموال والاستثمارات والتسهيلات التي يحتاجها لبنان، احتياج الإنسان إلى المياه.

ولكن هذا الهدف يصطدم بإرادة كل طرف معني بتشكيل الحكومة، يسعى ليفرض إرادته، انطلاقاً من موقعه الطائفي في النظام.

ومن شأن التساهل في ذلك أن يعرّض الخطة الإنقاذية للخطر، لأنّ تشكيل حكومة بالمعادلات السياسية نفسها التي وقفت وراء حكومة حسّان دياب، سيهرّب المانحين كما سبق له أنْ فعل.

ولا تستطيع باريس في هذا الموضوع أن تتجاهل الضوابط التي تشترطها دولتان أساسيتان في دعم لبنان: الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية.

وإذا كانت الرياض ومعها أبوظبي قد نفّذتا "انسحاباً صامتاً" من لبنان الذي يتحكّم "حزب الله" به، من وجهتي نظرهما، فإن واشنطن التي لا تزال حتى الآن ترفض سياسة "سد الأبواب" تعتمد سياسة العقوبات التي بدأت تستهدف سياسيين على خلفية ما تعتقد أنهم ارتكبوه من جرائم فساد.

وتطالب فرنسا الطبقة السياسية اللبنانية بأن يتنازل أطرافها عن "أجنداتهم" الشخصية أو الطائفية أو الإقليمية، من أجل أن ينقذوا بلداً أمعنوا هم في التسبب بكوارثه، لأنّ إبقاء الحال على ما هي عليه من المحال، إذ إنّ أحداً لن يساهم في إنقاذ بلد يرفض أن يغيّر سلوكه المغضوب عليه.

ولكن لا حياة لمن تُنادي، في أيّ دولة يستر حكامها موبقاتهم وارتكاباتهم ومجازرهم التي تدفع ثمنها شعوبهم غالياً، بشعارات رنّانة، كما هي حال رئيس النظام السوري بشّار الأسد في برقية أرسلها إلى "أخيه" الرئيس اللبناني ميشال عون.

الأسد الذي تسيطر إيران وميليشياتها، وروسيا وشركاتها الأمنية على "بلاده"، يحدّث عون، في برقية بمناسبة ذكرى استقلال لبنان، عن وجوب التنبّه الى "نوايا دول الاستعمار الحديث ومخططاتها لإرجاعها إلى عهود الانتداب ولكن بطرق وأساليب مختلفة". 

هذا الأسد الذي كان يحتل لبنان ويعيث فيه فساداً، تجده بوقاحة منقطعة النظير يحدّث اللبنانيين عن "الاستعمار الحديث"، بعدما أذاقتهم شعارات الممانعة كل ألوان الهوان والاغتيال والاعتقال والطغيان والنفي.

 كل هذا "الخبث" من يدفع ثمنه؟ 

من تراه يقف على عتبة موظفي المصارف يتسوّل بعض ودائعه؟ من هو الذي يدفع أثماناً باهظة لانهيار الليرة اللبنانية؟ من يسعى إلى الحصول على تأشيرة هجرة؟ من يجهد لإيجاد دواء؟ من رمته البطالة على قارعة الطريق؟ من يخشى على غده من يومه؟

طبعاً ليس بين هؤلاء أيّ شخص من الذين يتصارعون من أجل حصصهم ومواقعهم الحكومية وشعاراتهم الطنّانة وأجنداتهم الخارجية.

الممسك برقاب البلاد والعباد تأتي أمواله من الخارج كما أسلحته وعقيدته، وهو يتباهى أمام الفقراء والمحتاجين والمهانين والمهملين، بذلك.

فقط الشعب الضعيف – أو المستضعف-يُبقي على هكذا سياسيين...صغار.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.