الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف مرتديا زيا عسكريا مع زوجته في قره باغ
الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف مرتديا زيا عسكريا مع زوجته في قره باغ

نجحت أنقرة بالتسلل إلى فناء موسكو الخلفي، وانتزعت منها اعترافا بدورها الجيوسياسي في منطقة جنوب القوقاز، إذ حصلت تركيا على موطئ قدم ثابت هناك بسبب شراكتها بالنصر الذي حققته باكو في إقليم ناغورنو قره باغ. 

الثغرة التي تسللت منها أنقرة إلى تغيير المعادلة الجيو-استراتيجية في هذه المنطقة كانت نتيجة خطأ في حسابات الكرملين الذي نقل دور روسيا من قوة حاسمة إلى وسيط نزيه بين طرفي الصراع، فيما اندفعت أنقرة المنحازة سياسيا وعسكريا خلف باكو، إضافة إلى أن موسكو من بداية النزاع المسلح ما بين أرمينيا وأذربيجان لم تنخرط إلى جانب ياريفان تجنبا لدخول معركة استنزاف مع أنقرة، قد تنتقل إلى خطوط تماس أخرى في منطقة البحر المتوسط.

غابت أنقرة شكلا عن طاولة المفاوضات الثلاثية بين (روسيا، أذربيجان وأرمينيا) لكنها أثبتت حضورها عبر باكو المنتصرة، فيما تم استبعاد كافة اللاعبين الإقليميين والدوليين عن الاتفاقية التي وقعت بين الجانبين برعاية موسكو، فطهران التي يمكن وصفها بأكبر الخاسرين، التزمت الصمت وتعاملت بحذر طوال أسابيع المواجهة مع حليفتها ياريفان، التي باتت مكبلة بقيود المصالح الروسية من جهة ومن جهة أخرى بواقع ميداني فرضته باكو وتستغله أنقرة لصالحها. 

كما أن أنقرة سهلت أمام الكرملين عملية استيعاب باكو، وحصر الحوار مع موسكو فقط، وذلك تلبية لرغبة الكرملين في قطع الطريق على الدول الغربية وخصوصا أعضاء مجموعة مينسك ( فرنسا وأميركا) من التدخل بشؤون القوقاز التي تشكل تحديا مباشرا بالأمن القومي الروسي.  

بالنسبة لبعض مراكز القوة في موسكو ما حصل في قره باغ نكسة استراتيجية للكرملين، الذي تحول قيصره بين ليلة وضحاها من رمز دولي يمثل إعادة إحياء التعددية القطبية بوجه هيمنة القطب الواحد، إلى وسيط إقليمي فرضته الجغرافيا وليس القوة. 

هذا ما يفسر اعتقاد البعض بأن موقف الكرملين الملتبس من الأزمة لن تختصر عواقبه الكارثية فقط على أرمينيا بل ستصل إلى روسيا بعدما أقرت موسكو بأن أنقرة لاعبا جيوسياسيا في منطقة جنوب القوقاز. الأمر الذي زاد من حدة الانتقادات لدى النخب الروسية من التحالفات المعقدة والمربكة ما بين موسكو وأنقرة، وفي هذا الصدد ينقل الخبير في الشؤون الروسية الدكتور بسام المقداد عن صحيفة "Novaya" االليبرالية المعارضة  قولها في مقال عنوانه "العالم المؤذي": "لماذا توتر روسيا وتركيا دورياً علاقاتهما، ويبقون، مع هذا، شريكان مفيدان لبعضهما". 

فتح الانتصار الأذربيجاني الطريق أمام أنقرة للتواصل مباشرة مع العالم التركي بعد سيطرة أذربيجان على طول الشريط الحدودي مع إيران، فتمكنت من تأمين ممر آمن بحماية روسية بين إقليم ناخيتشيفان الأذري المعزول بين (أرمينيا وإيران وتركيا) والأراضي الأذرية، الذي فتح لأول مرة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي طريقا بريا-بحريا ما بين تركيا وأذربيجان ومنها إلى آسيا الوسطى قلب العالم التركي عبر تركمانستان أو كازخستان. 

وبذلك، حققت أنقرة حضورها على أحد الأفرع الرئيسية لطريق الحرير الجديد، وتحررت من القيود والشروط السياسية التي كانت تضعها عليها طهران باعتباره ممرها الأقرب إلى أذربيجان ودول آسيا الوسطى.  

إلى الآن لا يمكن فهم سوء التقدير الروسي في قضية قره باغ، فيسود الاعتقاد بأن الكرملين أراد توجيه رسالة إلى حلفائه التقليديين في الجمهوريات السوفياتية السابقة بأن التخلي عن موسكو والانتقال إلى الضفة الغربية سيكون مصيره مثل مصير ياريفان، بسبب سياسات رئيس وزرائها الذي جاء عبر ثورة ملونة أطاحت بـ"حليف موسكو". 

إلا أن خسارة موسكو الاستراتيجية لا يمكن أن تعوض حتى لو نجحت في قلب السلطة في ياريفان، فأي محاولة أرمينية مستقبلا لتغيير قواعد الاشتباك تحتاج إلى انخراط روسي كامل في القتال، وهذا لم يعد ممكنا في المدى القريب أو المتوسط بسبب تقاطع المصالح الروسية التركية من شرق المتوسط إلى جنوب القوقاز، والذي لا يمكن أن تتخلى عنه موسكو خصوصا مع عدم توفر البدائل، كما أن موسكو ليست بوارد خسارة الأسواق الأذرية، لذلك قد تحتاج ياريفان إلى ثلاثة عقود جديدة وتنتظر كما انتظرت باكو.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.