مواجهات اندلعت بين القوات المغربية وجماعة البوليساريو في منطقة الكركارات.
مواجهات اندلعت بين القوات المغربية وجماعة البوليساريو في منطقة الكركارات.

ما جرى في الأيام الأخيرة على الحدود المغربية-الموريتانية من أحداث متلاحقة، أعاد إلى قصاصات الأخبار قصة حرب منسية، وكشف عن جمر متأجج تحت الرماد، وعن حرب مبرمجة بانتظار توقيت حارق لصراع يدنو من نصف قرن. 

مما طرح أكثر من سؤال: هل نحن بصدد حرب جديدة في الصحراء الغربية؟ ومن هو، أو من هم (؟) أصحاب المصلحة الآن في تعكير هدأة الرمال وتوجيه هبات ذراتها لتعمي العقول والقلوب، وهل المنطقة المغاربية تحتمل حربا أخرى تنضاف إلى الحرب في ليبيا؟؟ 

بعض المحللين أشاروا بحذر إلى تورط أكثر من جهة محتملة، بدءا من زمرة داخل النظام الجزائري تبحث عن منقذ من هزيمتها في الحراك الشعبي المستمر منذ أكثر من سنة في بلد المليون شهيد، إلى فلول الاستعمار السابق بإسبانيا، دون نسيان استخبارات قوى عظمى تعد حسب مراقبين "محرك هذا النزاع من الخلف"، منذ نشأته قبل خمسة عقود تقريبا. 

ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم بصخب حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، مترقبا لمن ستميل الكفة، هل للمرشح الديمقراطي أم ستجدد للرئيس الجمهوري. وفي ساعة مبكرة من فجر الأربعاء المصادف لـ21 أكتوبر الماضي، تفجرت الأسئلة حول أهداف مجموعة من الصحراويين القادمين من تندوف (جنوب غرب الجزائر)، قدر عددها بحوالي ستين نفرا، قامت بالسيطرة على المعبر الحدودي "الكركارات" (الكاف جيم مصرية)، قاطعة الطريق الدولية بالحجارة والإطارات المطاطية. ما ألغى حركة المرور. 

هبة "عفوية"... وردٌّ جاهز؟!

حرص أفراد المجموعة المنظمة على التجمع بباب المعبر واستعراض حركتهم أمام قنوات ووكالات دولية، حاملين أعلام "البوليساريو"، هتفوا بشعارات انفصالية. وقدموا أنفسهم بـ"محتجين يمثلون فعاليات المجتمع المدني في مخيمات اللجوء بـ"تندوف". 

لكن المطلعين، ومن بينهم القيادي السابق في جبهة البوليساريو مصطفى سلمى ولد سيدي مولود (اللاجئ حاليا بالعاصمة الموريتانية)، نفى أن يكون هناك شيء اسمه "المجتمع المدني" في المخيمات، "لأن قوانين البوليساريو لا تشرع الجمعيات والأحزاب والنقابات". بل إن جبهة البوليساريو هي من أشرفت على تجميع ونقل وتمويل المجموعة التي أغلقت المعبر، وادعت أنها "هبة شعبية عفوية".

لم تفد تدخلات بعثة الأمم المتحدة "المينورسو" لدى هؤلاء "المحتجين" للتراجع لفتح الطريق، وبالتالي وضع حد للخسائر الاقتصادية والمعاناة الإنسانية للعابرين، وإنهاء النقص المسجل في إمدادات الأسواق الموريتانية. ما يعني أن حصار معبر "الكركارات" أضر أكثر بمصلحة موريتانيا. 

استمر الوضع على ما هو عليه لمدة فاتت الثلاثة أسابيع، عمل المغرب خلالها على "الالتزام بأكبر قدر من ضبط النفس". ومن أجل كسب المجتمع الدولي، يتردد أن الرباط أجرت اتصالات مع الدول الكبرى. "لم يكن أمام المغرب خيار آخر سوى تحمل مسؤولياته من أجل وضع حد لحالة العرقلة الناجمة عن هذه التحركات وإعادة إرساء حرية التنقل المدني والتجاري"، كما جاء في بيان لوزارة الخارجية المغربية.

ولأن الأحداث صادفت احتفال المغرب بالذكرى 45 لـ"المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء"، التي عادة يتوجه فيها العاهل المغربي مساء السادس من كل نوفمبر بخطاب سنوي، فقد تم تأجيل الخطاب لأربعة وعشرين ساعة، بتبرير "إصابة أحد التقنيين المكلفين بالنقل التلفزيوني للخطاب بكوفيد 19"، لكن جهات مطلعة رجحت أن يكون السبب هو انتظار حسم نتيجة انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة في تلك الليلة.

قال الملك: إننا "نرفض ممارسات البوليساريو على معبر الكركارات". وانتقد بشدة إقدام "جبهة البوليساريو" على عرقلة حركة النقل بين المغرب وموريتانيا. وأن المغرب يرفض رفضا قاطعا تغيير الوضع القانوني والتاريخي شرق الجدار الأمني، أو أي استغلال غير مشروع لثروات المنطقة. 

وأوضح  أن المغرب "سيبقى كما كان دائما، متشبثا بالمنطق والحكمة، بقدر ما سيتصدى، بكل قوة وحزم، للتجاوزات التي تحاول المس بسلامة واستقرار أقاليمه الجنوبية"، مؤكدا التزام الرباط "باحترام قرارات مجلس الأمن، من أجل التوصل إلى حل نهائي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي". 

هو نفس المضمون الذي نقله العاهل إلى أنطونيو غوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة في اتصال هاتفي لاحق.

اسنتساخ انتفاضة "اكديم ايزك":

كانت الصورة أشبه ما تكون بآخر المعارك المؤجلة للحرب الباردة، التي أطلت من جديد بفزاعتها في منطقة "الصحراء الغربية" في الفصل الأخير من سنة دراماتيكية غير متوقعة، حرب انبعثت فجأة بعد ثلاثة عقود من الخمود.

ففيما البشرية تصارع كورونا وتتلهف إلى التوصل للقاح المنقذ من الموت، استيقظ العالم على تهديدات جبهة البوليساريو بإنهاء اتفاق وقف إطلاق النار "إذا أدخلت المملكة المغربية عسكريين أو مدنيين إلى منطقة "الكركرات" العازلة الواقعة عند الحدود بين موريتانيا والصحراء، لقمع المتظاهرين عند بوابة المعبر". 

وبالفعل ستصل قوات من البوليساريو بتاريخ 21 أكتوبر 2020، "لدعم وحماية مواطنيها الصحراويين" حسب التبرير الصادر من جبهة البوليساريو. هو نفس المنطق الذي كان من غير المستبعد أن يصدر عن الرباط، فقد رفضت وزارة الداخلية المغربية في مستهل أكتوبر الأخير، الترخيص لقافلة شعبية مضادة كانت تنوي الانطلاق من شمال المغرب إلى الحدود مع موريتانيا.

في العودة إلى ما قبل ثلاثة أعوام، في ‬مطلع‭ ‬العام‭ ‬2017، شهد المعبر ذاته‭ ‬توترات‭ ‬بين‭ ‬البوليساريو‭ ‬والمغرب، إذ عمل موالون للجبهة على عرقلة المرور من معبر "الكركارات". تماما مثل ما حدث مؤخرا، مما دفع المغرب بأن يجدد اعتباره تسلل البوليساريو هو مجرد "أعمال عصابات" و"استفزازات يائسة"، و"تضييق على عمل المراقبين العسكريين لبعثة المينورسو".‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬      ‬‬‬‬‬‬

وقد أدى تدخل الجيش المغربي أخيرا إلى إعادة فتح المنفذ التجاري البري نحو دول الساحل، وتأمينه بشكل كامل، بعد إقامة حزام أمني لضمان تدفق السلع والأفراد.

واعتبر مصدر رسمي مغربي، أن المغرب تحرك "في احترام تام للسلطات المخولة له، لأن التحركات التي تقوم بها البوليساريو الموثقة بالصورة، تشكل بحق أعمالاً متعمدة لزعزعة الاستقرار وتغيير الوضع بالمنطقة، 
وتمثل انتهاكاً للاتفاقيات العسكرية، وتهديداً حقيقياً لاستدامة وقف إطلاق النار، كما أن هذه التحركات تقوض أية فرص لإعادة إطلاق العملية السياسية المنشودة من قبل المجتمع الدولي".

قبل "هبة الكركرات" وقع ما يماثلها أيضا، قبل عشر سنوات خلت، في ما يعرف ب"أحداث مخيم اكديم إيزيك" (أكتوبر 2010)، عندما انتفض شباب للضغط على السلطات المحلية في مدينة العيون للاستجابة لمطالبهم الاجتماعية في توفير مناصب شغل والسكن اللائق ودعم الفئات الأكثر هشاشة. 

غير أن هذه المطالب المشروعة تم الركوب عليها واستغلالها من طرف فئات موالية للبوليساريو، أججت وضعا صعبا استمر حوالي شهر، ولم تترك الساحة إلا بعد حرائق وقتل وذبح. وأظهرت بعض الفيديوهات أحد عناصر البوليساريو يتبول على جثة عنصر من الوقاية المدنية المغربية، قبل تدخل طرف القوات المغربية التي طاردت الانفصاليين وشتتهم عبر الصحراء حتى تخوم "تندوف".

لم تحقق انتفاضة "اكديم ايزيك" أهدافها، لكن صانعها غير المرئي اعتبرها بشكل من الأشكال بروفة أولى لما سيليها من انتفاضات ستعم المنطقة، عرفت لاحقا باسم "ثورات الربيع العربي"، وما خلفته من اضطرابات سياسية في المنطقة، حولت "الربيع" المأمول إلى شتاء قاس، ركبت رياحه العاتية كتائب الدواعش وقوافل التكفيريين.

هل عادت الحرب؟

ما يطرح التساؤل: هل بعثت الحرب من جديد في الصحراء لتعود بالمنطقة إلى مربع النزاع المسلح؟ إذا ما استحضرنا بنود الدستور الجزائري الذي تم التصويت عليه يوم 1 نوفمبر 2020، نجده يشرع للجيش الجزائري التدخل خارج الحدود. وأن الرسائل التي تبعثها البوليساريو والجزائر توحي بتوقيع تحالف دفاع مشترك في إطار الاتحاد الإفريقي. إذ بمجرد بدء العملية، أعلنت البوليساريو في بيان أنها "سترد بحزم". كما حذرت من أن التقدم المغربي يعني "إنهاء وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام اندلاع حرب شاملة جديدة في المنطقة".

حاليا، يستبعد سيناريو الحرب المرفوضة من المجتمع الدولي. وما جرى هو أن قاذفات صواريخ كاتيوشا أطلقت النار على موقع عسكري مغربي في "المحبس" شمال شرق الصحراء. وردت القوات المسلحة الملكية على الهجوم بأسلحة مضادة للدبابات ل"تحييد العدو"، حسب الإعلام المغربي. 

إنها المرة الأولى التي تحدث فيها مواجهة مسلحة في الصحراء منذ توقيع وقف إطلاق النار عام 1991. ومع ذلك، فإن هذه المناوشات الأخيرة ليس لديها مجال كافٍ لتعبئة القوى العظمى للبحث عن حل للصراع المتوقف منذ سنوات. 

ومنذ شهر مايو 2019 لم يتم تعيين مبعوث خاص جديد للأمم المتحدة في الصحراء، ولا مفاوضات تلوح في الأفق. أما تهديد البوليساريو بالعودة إلى الحرب في الصحراء، فالجميع يعلم أنه قرار لا يتم اتخاذه في مخيمات تندوف ويوقع عليه رئيس البوليساريو ابراهيم غالي، بل هو قرار يصنع في الجزائر العاصمة. لكن الجزائر تمر اليوم بأزمة اقتصادية وسياسية كبيرة، والاحتجاجات الضخمة للشعب الجزائري لم تتوقف منذ أكثر من عام. 
والرئيس عبد المجيد تبون يرقد في مستشفى بألمانيا للعلاج من الكوفيد. ما يشرح أن الجزائر ليست في وضع يسمح لها بالسماح للانفصاليين بحفر الأحقاد، كما يرغب جزء من جنرالات الجزائر المتشبثين بعقيدة هواري بومدين.

لغة واحدة للحلم...

لقد أخفقت جبهة البوليساريو في محاولتها إعادة تأجيج الصراع في الصحراء الغربية، وخسرت في محاولتها إعادة تنشيط الصراع في السيطرة على الإقليم، وأتاحت للرباط المناورة بمهارة لتنتهي الأزمة بشكل سيء للحركة الانفصالية.

يقول الكاتب والإعلامي الطيب الدكار، المتخصص في الشؤون المغاربية، ومؤلف كتاب "المغرب - الجزائر: الحذر المتبادل"، إن استمرار نزاع الصحراء "راجع إلى عناد الجزائر الراغبة في إقامة دويلة عميلة لها جنوب المغرب. وإن الجزائر بفعلها تسعى إلى  تدمير المنطقة المغاربية".

ويتساءل الدكار: "إلى متى ستستيقظ الجزائر من غيبوبتها الأيديولوجية لتستدرك التأخير الكبير الاقتصادي والاجتماعي الذي يفصلها عن جيرانها، وتشرع في العمل بجدية لبناء المغرب الكبير الحقيقي؟".  

هل يستجيب النظام الجزائري لمثل هذا النداء؟
يجيبنا الكاتب المشهور الطاهر بنجلون إن "الحكومة الجزائرية استجابت لنداء العقل، وقررت وضع حد لوضعية عبثية، ولكونها أخيرا عمدت إلى تقدير ما خسرته من جراء الإبقاء على النزاع في الصحراء، فإنها اختارت السلام. ويمكن اعتبار ذلك حدثا تاريخيا يرجع فضله إلى ما يتحلى به الشعب الجزائري من شرف وكرامة. 

خبر جيد! بيد أنه محض تخيل - يفاجئنا صاحب "ليلة القدر"- مستطردا: "لكن لا يوجد ما يمنع المرء من أن يحلم"!

لكن للإصرار على الحلم اتجاه واحد ولغة مصيرية واحدة، إذ يعتقد البشير دخيل، وهو أحد مؤسسي جبهة البوليساريو، أن "تأمين القوات المغربية لمنطقة "الكركرات" دق ناقوس الموت للانفصاليين الذين يصرون على الحلم".

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.