مكرم رباح تم توقيفه في مطار بيروت قبل إطلاق سراحه.
مكرم رباح تم توقيفه في مطار بيروت قبل إطلاق سراحه - facebook/makramrabah13 | Source: facebook/makramrabah13

بعد عام وخمسة أسابيع بالتمام والكمال من المؤتمر الصحافي الذي أقيم في المركز اللبناني للبحوث والدراسات LCRS Politica  دفاعاً عن الحريات بمناسبة الادعاء على صحيفة نداء الوطن لأنها عنونت صفحتها الاولى بتاريخ 12 سبتمبر: "سفراء جدد في بعبدا.. أهلا بكم في جمهورية خامنئي"، على خلفية خطاب زعيم حزب الله، حسن نصرالله، الذي أعلن فيه " نحن نكرر موقفنا كجزءٍ من محور المقاومة، نحن لسنا على الحياد ولن نكون على الحياد". وأعلن:" نحن هنا من لبنان نقول للعالم كله إن إمامنا وقائدنا وسيدنا وعزيزنا وحسيننا في هذا الزمان هو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي دام ظله ..."؛ تستعيد الأجهزة الأمنية نشاطها بهمة فتوقف مطلع الأسبوع الماضي الأستاذ الجامعي، الناشط مكرم رباح، في المطار، دون إذن قضائي، بقصد الترهيب.

وللتذكير اندلعت الثورة في 17 أكتوبر 2019، أي بعد أسبوع واحد على المؤتمر. ومنذ ذلك الحين فُرضت حرية تعبير كسرت تابوهات كثيرة وخصوصاً بعد انفجار 4 أغسطس. لكن الأجهزة الأمنية لم تتوقف يوماً عن سياسة ترهيب المتظاهرين وقمعهم وتوقيفهم. ومكرم رباح من ناشطي الثورة ومن المناهضين لهيمنة حزب الله على لبنان. 

نقلت النهار في عدد 16\11\20 خبر توقيفه:
"أفاد الناشط السياسي والكاتب #مكرم رباح أن عناصر من "الأمن العام" في "مطار رفيق الحريري الدولي" اقتادوه مع أغراضه للتدقيق بينما كان في طريقه إلى دبي. وطلبوا تفتيش أجهزته الإلكترونية من هاتف وحاسوب لكنه رفض واتصل بمحاميه. 

وروى رباح لـ"النهار" أن مرجعاً قضائياً تواصل مع مسؤول رفيع في الأمن العام، قائلاً إنه لا يحق ايقاف رباح واحتجازه من دون إشارة قضائية. وبعد اتصالات أطلق رباح الذي بقي في بيروت. وتخوف الأخير من ممارسات بوليسية و"تركيب أفلام" في نهج أمني مرفوض ومدان". 

إذن، بعد هذا العام المليء بأحداث مكثفة تكاد تقضي على الأخضر واليابس، وبعد أن نشطت مجموعات حقوقية عدة، وبفاعلية، دفاعاً عن الحريات التي تظل مهددة في البلاد التي حررتها "المقاومة"!! نجد تمرين إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وهي على كل حال لم تتوقف؛ فلقد رصد مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية التابع لمؤسسة سمير قصير، عددا من انتهاك الحريات على الساحة الإعلامية والثقافية، فقط خلال الشهر الماضي، وكان أبرزها إطلاق عنصر أمني النار على الصحفي مصطفى عبدالرحمن أثناء تأديته لعمله. وطرْد مراسلة تلفزيون لبنان نايلة شهوان، ومصادرة هاتفها، وكسْر أجهزة التصوير الخاصة بالتلفزيون من قبل عناصر تابعة لـ"حزب الله" في الناقورة. ومنْع كل من فريقَي عمل صحيفة "النهار" وقناة "LBCI" من التصوير، أثناء تغطيتهم جلسة التفاوض الثانية لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل.

وسبق أن هوجم رباح في ندوة لمنتدى التأثير المدني في اللعازارية إبان الثورة، من قبل يسار الممانعة، وأحرقت خيمتهم لأن موضوع الندوة الحياد وإسرائيل. كان هذا قبل أزمنة ترسيم الحدود.

سبق أن أشرت إلى الأساليب المتبعة من قبل أجهزة الأمن، والتي تدخل في باب الترهيب والتنكيل المعنوي والتنمر، كما يسردها إبراهيم عيسى في روايته "مولانا" بأساليب خفية يصعب تعيينها على أنها كذلك.

تبدأ هذه الأساليب من الاحتجاز في المطار والإخضاع للتحقيق دون سبب سوى الإذلال، إلى سلسلة من المضايقات التي تصل إلى ما يشبه الاعتداء الجسدي والتي ستتوج بالاعتقال. في الرواية كانت الخاتمة قتل الضحية. 

ولقد أعادت حادثة مكرم رباح إلى الأذهان ما كان قد تعرض له في المطار سمير قصير، لمناهضته سلطة الاحتلال السوري، قبل اغتياله.

أثارت الحادثة ردود فعل فورية وتناقلتها وسائل الإعلام وصدرت بيانات استنكار من بينها بيان "حركة المبادرة الوطنية" الذي أدانت فيه أسلوب الترهيب الأمني الذي يستمر فصولا في استدعاء الناشطين وقادة الرأي لمطالبتهم بحق اللبنانيين باستعادة سيادتهم وقرارهم الحر بمواجهة الاحتلال الإيراني، وأوضح تعبيراته "حزب الله" وسلاحه غير الشرعي.

بالإضافة إلى بيان "إعلاميون من أجل الحرية" الذي استنكر التجاوز الخطير على الحريات العامة في لبنان. 

لكن فيما عدا الاهتمام والشجب الإعلاميين، لم يحصل أي تحرك على الأرض للاعتراض استنكارا وللتحذير من استعادة الأساليب الأمنية المستلة من سجل زمن الهيمنة السورية وقاموسها. 

الملفت في مثل هذه الحالات تجهيل الفاعل. لا أحد يطالب بالحق بالتعرف عليه لمعاقبته أو لمجرد مساءلته ومحاسبته. فإلى متى سنقبل بتجهيل الفاعلين والتغاضي عن محاسبتهم على هذه التجاوزات ومعرفة الأسباب التي تدفع بأحدهم القيام بالتنمر دون أمر قضائي؟ ودون أن تثير القضية أي تساؤل حول القاعدة القانونية التي تسمح بمثل هذه التصرفات الانتقامية! فهل تخضع تلك الأجهزة الأمنية للرقابة والضبط؟ رقابة تشريعية على الأقل وشفافية قانونية أم لا، أصبحنا في دولة بوليسية؟ 

يترسخ يومياً تحول الدولة اللبنانية إلى دولة فاشلة تفتقر إلى الشرعيات التأسيسية الراسخة التي تفصل بين السلطات. ويكتسي الأمن الوطني بالاستنسابية والتداخل ليصبح المدافع عن السلطة الحاكمة وممارساتها. ما يضع الحريات العامة في خطر داهم. 

غريب أمر هذا الوطن الذي يعيش في زمن دائري كأنه يدور في حلقة مفرغة، فيتكرر ويستعاد دون توقف. ليس فقط بمعنى أن ميولاً أو طاقة تستعاد وتتكرر، بل هناك محاولة لنسخ نفس التجارب التي مرت بنا. لطالما تعرّض الكتاب والصحافيين في لبنان للترهيب والتنكيل وصولاً إلى القتل اغتيالا؛ بحيث أن عمليات الاغتيال التي سجلت في لبنان بعد الاستقلال بلغت أرقاماً صادمة في بلد صغير لا يتعدى عدد سكانه الأربعة ملايين نسمة (مع النزف المستمر للهجرة بين خيرة شبابه وشاباته). 

فلقد بلغت الاغتيالات، بحسب الإحصاءات، عددا يناهز 250 حادثة اغتيال مسجلة، عدا حوالي المئة التي فشلت، وعدا تلك التي يمكن أن تسجل "كحادثة". وليس آخرها الموت المفاجئ لجوزف سكاف عام 2017 بعد كشفه ورفضه لإدخال مادة نيترات الأمونيوم الممنوعة والتي فجرت مرفأ بيروت وهدمت الجزء الأجمل من المدينة وشردت أكثر من ثلث مليون نسمة.

أصبحت الحريات العامة والشخصية، والتي كانت ميزة لبنان الأساسية، في خطر وليس أمام المدافعين عن الحرية سوى المقاومة. نعم المقاومة غير المسلحة والتي سبق أن كانت السلاح الذي رفعه راغب حرب، عندما أطلق برنامجه للمقاومة عبر شعاره البسيط:"الموقف سلاح". 

وكان سبقه إلى ذلك الإمام موسى الصدر عندما أعلن في تأبينه للصحافي كامل مروة، الذي اغتيل بسبب كتاباته: "الصحافة من أهم ميادين الجهاد وأدقها، لأنها هي التي تكوّن الرأي العام".

والمقاومة في لسان العرب ترد في سياق كلمة قوم وقيام، عكس جلوس، وبمعنى العَزْم خاصة. ويأتي في المعنى أيضاً الإصلاح والقيام بمعنى الوقوف او الثبات.  المقاومة السلمية تخيفهم أكثر من تلك المسلحة، وإلا فما الذي يبرر خوفهم وقمعهم لأصحاب الرأي والكلمة؟.. علينا مقاومة استعادة الدولة البوليسية لأمجادها.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.