.
.

لماذا يجب علينا أن نتجاوز قراءة الأفكار/ المقولات/ العقائد، بل وحتى الأطروحات/ الدعاوى الإعلامية الراهنة؛ لنقرأ تاريخها: تاريخ الأفكار، المقولات، العقائد؛ ولنقرأ ما وراءها أيضا، أي الحراك الواقع العملي: الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي.. إلخ الذي أنتجها أو أسهم في إنتاجها؟ لماذا يجب علينا أن نتجاوز دراسة تأثير الأفكار/ المقولات في الواقع/ في حياة الناس؛ لنقرأ ـ في اتجاه معاكس مادي أو شبه مادي ـ تأثير هذا الواقع في صياغة الأفكار وبلورتها وإخراجها في صورة تبدو عابرة/ متجاوزة للبيئة التي أسهمت في إنتاجها وتشكيلها وصبغها بالطابع اليقيني والشمولي؟ 

يمكنك أن تلاحظ على الذين يأخذون الأفكار مجردة، أي كخلاصات نهائية متعالية على الواقع؛ أنهم متعصّبون جدا لكل دوائرهم الانتمائية بكل أفكارها ورموزها/ شخوصها، وأنهم واثقون جدا بكل الأفكار التي يتم تلقينهم بها؛ معزولة عن تاريخ إنتاجها. بل وحتى في حال دراسة هذا التاريخ، فهو يُدرس من زاوية رسوخ المذهب بأفكاره ورموزه وتجذره في التاريخ، ومن زاوية صموده طوال ذلك التاريخ أمام تحديات "الأشرار"، و"الضالين"، و"الهراطقة"، وليس من زاوية إسهامه ـ بأحداثه ذات الطابع البشري الخالص ـ في وضع لبنات "الحقيقة" المُتوهّمة، أو "العقيدة الصحيحة" المُدّعاة، أو "المثالية السياسية" المزعومة، أو "أصول المذهب" الذي يدعي أنه يحتكر الصواب الديني، ومن ثم يحتكر الامتياز الاجتماعي.
     
ما الذي يمنع من كشف الغطاء عن الحقائق المزعومة، وتعرية مسار التزييف والتلفيق ـ أو التحوير والتكييف على الأقل ـ الذي رافق تشكّل كل المقولات العقائدية وشبه العقائدية، فضلا عن القناعات الاجتماعية والسياسية المتوارثة عبر الأجيال؟ ماذا سيكون حال الشيعي والسني، السلفي والأشعري؛ لو اكتشف أن كل سردياته العقائدية (التي يعتقدها يقينا،  بوصفها "مطلق الصواب الديني"، ومن ثم ذات الأحقية الاحتكارية بـ"الامتياز الاجتماعي")؛ ليست إلا إفرازا لصراع تاريخي: الصراع المذهبي/ الاجتماعي بين أحياء بغداد خلال القرنين: الثالث والرابع الهجري (ما بين 200ـ400)، وأن تجاذبات هذا الصراع على النفوذ الاجتماعي من خلال ترسيم حدود "ماهية العقيدة الدينية"، هي التفاعلات التي صنعت الأسس العقائدية التمايزية التي يظنها "المتدين الساذج" موجودة منذ عهد الرسالة الأولى ؟
      
طبعا، الذي يمنع من مثل البحث الموضوعي (الموضوعي حقا، الذي ترى فيه ما يَدين مذهبَك/ مقولاتِك، وليس فقط ما يَدين الآخرين)، هو كون العقائد والمذاهب والمقولات، بل والفنون، مدموغة بالأيديولوجيا إلى حد غير مقبول وغير معقول، بل وغير متوقع عن كثيرين. العلم، الثقافة، الإعلام، الأدب، في بلاد العرب كانت ـ لا تزال ـ مجرد هموم أيديولوجية بالدرجة الأولى، وبالدرجة الأخيرة أيضا. فمثلا، البحث المجرد في التاريخ العقائدي المشار إليه آنفا، والتصريح بنتائج هذا البحث، لا يصبح "خيانة دينية/ مذهبية" فحسب، بل ـ وبالتبع؛ كضرورة لكون المذاهب في جوهرها تشكّلات اجتماعية ـ خيانة اجتماعية لأهم وأقرب دوائر الانتماء.  
     
فارس القبيلة المذهبية (ومثله فرسان دوائر الانتماء المختلفة) مهمته غير عَدْلية/ غير عِلمية، بل هي وظيفية خالصة. فارس القبيلة المذهبية هو فارس الأيديولوجيا التي ينتمي إليها. ومن ثمَّ؛ فمهمته أن يُغِيرَ على الآخرين، بالحق وبالباطل (وكما قال الشاعر الجاهلي: لا يسألون أخاهم حين يندبهم...البيت)، كما أن مُهِمته أيضا أن يحمي حياض القبلية المذهبية وغير المذهبية، ويَعْتقِدَها الصوابَ المطلق، ويحاول أن يُلْزِمَ الآخرين بأن ينظروا إليها على هذا النحو، وفي المقابل، يعتقد أن الآخرين هم المقابل الضدي لهذا الصواب المطلق، ويحاول فرض اعتقاده عليهم، والظفر منهم بالاعتراف ولو بالإكراه: الإكراه العيني أو بالإكراه الرمزي.   
     
إن دور "فارس القبيلة" طبيعي ومفهوم، بل وربما يكون واجبا في بعض الأحيان. لكن، ما ليس طبيعيا، وما هو معيب ومرفوض؛ هو أن يكون ذلك بالاحتيال والكذب والتزييف، أي بلسان الموضوعية المزيفة التي تدّعي التجرّد من الأيديولوجيا وما تستلزمه من تحيزات صريحة واضحة؛ في الوقت ذاته الذي تشتغل فيه هذه الأيديولوجيا بأقصى طاقتها من التحيز الصريح؛ إلى درجة معاندة الحقائق الموضوعية، وتكذيب المعلومات الثابتة؛ وكأن مهمة العلماء والباحثين والمفكرين هي ذاتها مهمة "الفرسان" !. 
     
أذكر عندما كنت طالبا في السنة الأخيرة من مرحلة البكالوريوس أن أستاذ الأدب العربي كان يطلب منا كتابة بحوث صغيرة، وكان كثيرا ما يطلب منا أن يكون موضوعها "دراسة مقارنة" بين الشاعر الإحيائي المصري/ محمود سامي البارودي، وشاعر آخر محلي ضعيف الموهبة، وشبه مجهول حتى داخل الأدب المحلي. وبما أنني كنت عشاق ديوان البارودي ـ فضلا عن مختاراته من الشعر العربي ـ منذ بداية المرحلة الثانوية، فقد استفزني هذا الطلب؛ خاصة وأن الشاعر الآخر لا يصل ولا حتى إلى 1% من البارودي، لا موهبة ولا ثقافة ولا إبداعا. أذكر أنني أردت مناقشة الأستاذ في هذه المقارنة الهزيلة. واستعدادا لما يمكن أن يردّ به الأستاذ، استحضرت كثيرا من ملامح الإبداع عند البارودي، كنت أستحضر عشرات القصائد التي ليس للشاعر الآخر ما يُقارِبها، فضلا عن أن يوازيها. وذات يوم، تجرأت، وقلت: يا دكتور، كيف يمكن مقارنة هذا الشاعر الضعيف الهزيل جدا بشاعر كبير كالبارودي ؟. كنت أنتظر أن يعاند الأستاذ، وينفي الضعف والهزالة عند شاعره، كنت أنتظر أن يُورِد شيئا من قصائد شاعره، ويقول لي: هذه تُشَابه أو توازي قصائدَ البارودي، وأن يُمَاحِك في هذا السياق. لهذا، كنت متحفزا ومستعدا بمحفوظاتي للرد. لكن، كانت المفاجأة الصادمة لي أن الأستاذ اتّجه اتجاها آخر لم يخطر ببالي، اتجه اتجاها آخر غير علمي. قال لي ـ بكل ثقة وتأكيد ـ: هذا الشاعر منّا، يجب أن نرفعه بهذه المقارنات. قال: "نرفعه" وهو يُشير بيده كأنه يرفع شيئا من الأرض إلى ما فوق هامته بقليل. بدا وكأنه يحثّني على عملية تزييف علمي، أو يحاول أن يقنعني بها. هكذا جاءت الإجابة التي تقع خارج السياق العلمي، إجابة غير متوقعه، خاصة وأنها في "قاعة محاضرة" يُفْترض أنها ميدان من ميادين العلم. أذكر أني سكتُّ؛ ولم أجب، واكتفيت بمحاولة "هضم الصدمة"، صدمة التزييف عن سبق إصرار، بل وعن دعوة معلنة إليه، وافتخار به. استجهلته واستحمقته منذ تأكد لي تعمّده التزييف، وأظنه اعتقد أن صمتي وذهولي يُعبّر عن اقتناع بوجوب أدلجة العلم، وتزييف الحقائق؛ كحالة لازمة لتضامن "فرسان القبيلة" الأوفياء !
     
بعد هذه الواقعة بسنتين تقريبا، كنّا ندرس السنة المنهجية للماجستير في الأدب العربي. وبحكم الأدلجة، كان ثمة مُقَرّر بعنوان: "الأدب الإسلامي" مفروض علينا. كان الأستاذ المنوط به تدريس هذا المنهج مؤدلجا إلى درجة لا يرى في العالم كله إلا من خرم إبرة الأيديولوجيا الإسلاموية التي يتبنّاها. كان يمتلئ غيضا وغضبا على الإنتاج الروائي العربي السائد، الذي يراه مليئا بما يُناقِض "منهج الأدب الإسلامي". يذكر كبارَ الروائيين العرب والمرارة تكاد تخنقه تأثّماً وتقزّزا. كان يُكرّر علينا ـ من أجل الاشتغال الأدبي في مجال السرد ـ روايات الأديب الإسلامي/ نجيب الكيلاني. بعد تكراره لهذا الأمر في عدة محاضرات، وكأنه يتحدث عن أديب عالمي، اعترضت عليه ـ بحذر! ـ وقلت: يا دكتور: أدب نجيب الكيلاني مقارنة ببقية الأدباء العرب يبدو هزيلا. قلت: "هزيلا"، وأنا متردّد، وبصوت يكاد يكون خافتا؛ كي لا تجرح الكلمةُ حساسيةَ العشق الأيديولوجي. هنا، نظر إلي بتعجّب ممزوج بالأسى المشوبِ بشيءٍ من غضب مكتوم؛ وكأن يقول لي: ألم تفهم بعد ؟، أي كأنه يقول لي: ألم تفهم أن الأدب من حيث هو أدب، لا يعنينا في شيء، وأن مهمتنا "أقدس" من تفاهات الأدب، نحن نصارع في ميدان أيديولوجي؛ وأنت تتحدث عن الأدب!.
     
هذا ما فهمته من نظرته لأول وهلة. وقد صدّق فهمي في الحال، إذ تجاوزني إلى بقية زملائي في القاعة قائلا ـ وكأن يُصَحّح أو ينفي "الشبهة" التي ربما يُوحِي بها اعتراضي ـ: نحن لا بد أن نُزَاحِم الأدبَ الروائي الهابط الساقط أخلاقيا بـ"أدب إسلامي". ثم قال باستعطاف أبوي/ أخوي: يا إخوان، اكتبوا في الأدب، يا إخوان، من استطاع أن يكتب فليكتب؛ حتى ولو كان بـ"رُبْعِ مَوْهبة"، الساحة محتاجة إليكم. ثم كرّر قوله: اكتبوا، ولو بـ"ربع موهبة". عندما كرّر "ربع موهبة"، تأكد لي أنه يراني جاهلا حينما لم أفهم أن "ربع موهبة" عند نجيب الكيلاني، لا بد وأن تصبح موهبة كاملة، بل موهبة استثنائية؛ عندما يُضَاف إليها جرعة عالية من الأسلمة/ من الأيديولوجيا التي ينتمي إليها الأستاذ، والتي يُفْتَرض ـ بطبيعةِ حالِ هويّة ميدان الدراسة ـ أننا ننتمي إليها، ومن لا ينتمي إليها فهو المُسْتَحِق لكل صور النفي والإقصاء.  
     
هذان مثالان واضحان، كنت فيهما شاهدَ عَيَان، بل مشاركا بدرجة ما. طبعا، ليسا مقصودين بذاتهما، وإنما بكونهما يكشفان مسار التزييف الأيديولوجي على اختلاف مواقعه الانتمائية. وللأسف، الآن، وعلى هذا المنوال، يكون تناول الشأن الثقافي: المعرفي والأدبي والإعلامي والفني...إلخ في العالم العربي، إذ إن كل دائرة انتماء تُفْرِز مقولاتها وتُقَرّرها (أحيانا على شكل بحوث ودراسات)؛ لا كدعاوى أيديولوجية، وإنما كحقائق موضوعية يجب على الآخرين تصديقها ودعمها؛ دونما إشارة ـ ولو عابرة ـ إلى ضرورة مراجعتها أو فحصها؛ للتأكد من أنها "حقيقة علمية" حقا، وليست مجرد "افتراض أيديولوجي"، لا يُرَاد به وَجْهَ العلم/ وَجْهَ الحقيقة، وإنما فقط، الانتصار في بعض ميادين الصراع على مكاسب الواقع.
     
إن مثل هذا التزييف موجود ـ وإنْ بشكلٍ نسبي ـ في كل مكان، ولكنه في عالم العرب، ينجح بشكل مبهر، حتى يصبح من البديهيات التي لا ترقى الشكوك إلى مشروعيتها. هذا النجاح في التزييف لا يرجع إلى "مهارات استثنائية" لممارسي التزييف، حتى وإن كان مستوى التزييف العالي يُوحِي بمهارة عالية. بمعنى أن المهارة هنا ليست براعةً/ ذكاءً في توظيف الآليات المعرفية وشبه المعرفية في ملاءمتها مع الأيديولوجيا، بل هي مهارة في السلب، أي مهارة تجد نجاحها في تضاؤل وضمور القدرة النقدية لدى المتلقي، الذي هو ـ في الغالب ـ يعجز ويكسل عن مراجعة الادعاءات الأيديولوجية التي تتردّد في فضائه العمومي؛ خاصة إذا ما كانت هذه الادعاءات تميل لتأكيد أحقيّة دائرة من دوائر انتمائه بالحقيقة أو بالخيريّة. وهذا كله يؤدي في النهاية إلى أن تكون مهارة التزييف بذاتها قيمة، فتتراكم طاقاتها، وتنمو؛ لتصبح "حالة سائدة"، مهيمنة ـ بالمجمل ـ على كل تفاصيل الوعي العام.  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.