وزير الخارجية السوري وليد المعلم
المعلم تولى الخارجية لسنوات عدة.

ورقة النعوة التي نشرتها عائلة وزير الخارجية السوري المتوفى وليد المُعلم كانت مطابقة بالضبط لأوراق النعوة التقليدية التي تنشرها العائلات الدمشقية/الشامية في مثل هذه المناسبة. كانت تفيض بذكر أسماء أقارب المتوفى وعائلاتهم وأدوارهم ومواقعهم، لإبراز المكانة الطبقية والوظيفة الاجتماعية للمتوفى وعائلته، مع كشف تام للروابط العائلية والرمزية والمناطقية والطبقية للمتوفى وعائلته مع باقي العائلات المركزية البارزة في المدينة، بالذات من خلال التركيز على الهوية الدينية المحافظة للشخص المتوفى "الحاج أبو طارق"، كفاعل ملتزم بالهوية التقليدية لمجتمع المدنية التاريخية، وبدرجة أخرى الأدوار التجارية والمالية والاقتصادية لحلقته الاجتماعية الأضيق.

ورقة النعوة تلك، كانت لشخص بقي لأكثر من أربعة عقود كاملة عضواً حيوياً وملتزماً بالنظام السوري، خصوصاً خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث كان المعلم أحد مُبلوري ومنتجي خطاب ودعاية النظام الأسدي حول الحرب السياسية/الأهلية في البلاد. نظام الأسد المُتهم من مروحة واسعة من معارضيه على اعتباره نظاماً طائفياً، يتمركز حول الطائفة العلوية السورية، ويهمش وينبذ أبناء الطائفة السُنية السورية، الذين يُشكلون أغلبية سُكان البلاد. 

مكانة المعلم الثنائية تلك، التي ظهرت بوضوح من خلال ورقة النعوة، كعضو رئيسي في النظام السوري والطبقة العُليا من أبناء الطائفة السُنية، بالذات من أبناء مدينة دمشق، كشفت سذاجة وسطحية منطق الفصل الشاقولي ذاك، بين نظام الأسد وأبناء الطائفة السُنية السورية. ذلك الفصم الذي تتبناه وتركن إليه قطاعات واسعة من قوى وشخصيات المعارضة السورية. فالمعلم، ومثله شخصيات أخرى لا تُحصى، هُم من أعضاء فاعلون وبارزون في عالم طائفتهم، وفي الوقت نفسه مندمجون وفاعلون ومؤمنون بنظام الأسد ومؤسساته وشرعيته وأفعاله. 

أغلب الظن ثمة سمات طائفية واضحة للنظام الأسدي، منذ قرابة نصف والقرن وحتى الآن، من حيث الاعتماد على أبناء طائفة بعينها في بنيان أجهزته العسكرية والأمنية، المواقع الحساسة من تلك الأجهزة بالذات، أو عبر استخدامه الدائم للحساسيات والتوازنات الطائفية، من حيث تسعير التناقضات بين القوى الأهلية.

لكن ذلك ليس الهوية التامة للنظام الأسدي، فإلى جانب كل ذلك، ثمة كم هائل للاعتبارات والديناميكيات والهويات التي شيدتها وقامت عليها الأسدية منذ تأسيسها. لأجل ذلك، فأن أي ركون إلى اعتبار الأسدية مجرد كتلة من الأدوات والهويات الطائفية، هو مجرد قصور واضح في وعي مناهضي الأسد، وتالياً فقرُ واضحٌ في إمكانية إنتاج أدوات وديناميكيات الأسدية، التي هي نظام سياسي مبني على تعقيد من الحساسيات والمصالح والحسابات والتوافقات، الداخلية والإقليمية، وحتى الدولية. 

فإلى جانب طائفيته مثلاً، وفر النظام الأسدي شروط أمان مناسبة لأبناء بعض البيئات المحلية السورية، بالذات للطبقات العليا من أبناء المدن الكبرى. حافظت الأسدية على مكانة تلك الطبقات ومصالحها وأدوارها في الحياة العامة السورية، بالذات من حيث مركزية فعلها في المتن العام. هذا الشرط الذي خلق روابط متينة بين أبناء تلك الطبقات المدينية العليا، الباحثة عن الأمان في دولة شديدة الريفية، وبين النظام الأسدي. 

هذه الفاعلية التي لم يعترف مناهضو الأسد بها، لأنها ببساطة يتعارض مع سذاجة الوعي الطائفي الذي يركن إليه أغلبية واسعة منهم. الوعي الطائفي الذي يرى المجتمع السوري مجرد "علويين/سُنة"، اجتماعياً وسياسياً وثقافياً. والإيمان المسطح بأن ذلك التقسيم الشاقولي الساذج قادر على فهم وتفسير بلد شديد التعقيد والتركيب مثل سوريا، مجتمعاً وسياسة. 

المستوى الآخر لذلك الرابط الداخلي بين الطبقات المتمكنة من المجتمعات المدنية السورية والنظام الأسدي يتعلق بالهيكل الصلب للدولة، الذي يُعتبر حاجة دائمة ومطلقة لتلك المجتمعات، كجهات متوجسة على الدوام من أشكال الفوضى والتفسخ الذي قد تصيب المجال العام.

طوال خمسين عاماً كاملة، أثبتت الأسدية قدرتها على توفير ذلك لتلك الطبقات، وتالياً نيل الاعتراف والشرعية من تلك الطبقات، لقدرة النظام على تلبية ذلك الشرط.

مقابل ذلك، فإن كل تفصيل في سلوكيات مناهضي الأسد، من عفرين إلى إدلب، مروراً برأس العين إلى تشكيلة مؤسسات المعارضة، بالذات من خلال ما تغض النظر عنه من سلوكيات التنظيمات المتطرفة، أنما تتثبت عجزها التام على توفير الحد الأدنى من شروط ومناخات وقيم وأدوات هيكلية الدولة تلك، شروطها شديدة الصعوبة وكثيرة التعقيد. بهذا المعنى، ليس واضحاً لمناهضي الأسد بأن هذه الطبقات المتمكنة من أبناء المدن السورية إنما تفضل أي فضاء ذو خصائص دولتية، وإن كان ممزوجاً بالكثير من الطائفية والشمولية السياسية، على كتلة السلوكيات العصاباتية، وإن كانت متأتية من أبناء طائفتها الدينية هي. 

على أن أكثر ما هو واضح في سذاجة ذلك الوعي لمناهضي الأسد، أنما يكمن في تفسيرهم للحل الذي يمكن يُفكك تلك العُقدة.

ففي أعماق ذواتهم، يعتقد مناهضو الأسد، أو جزء واسع منهم على الأقل، بأن المشكلة هي في قلة الوعي الطائفي لأبناء هذه الطبقات، وأن المعارضة يجب أن تُسعر وتُنمي تلك المشاعر. أي بالضبط تلك الأدوات التي تزيد التصاق تلك الطبقات بالأسدية. فسلوكيات مناهضي الأسد تثبت أنها قادرة على فعل كل شيء، خلا تقديم أشياء شبيهة بما تقدمه الأسدية من ضمانات لأبناء الطبقات المدينية المتمكنة، وغالباً لن تستطيع أن تقديم أي شيء لأية طبقة سورية أخرى، لغير المصدقين أن يسألوا أبناء عفرين وإدلب عن ذلك. 
  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.