شهد إقليم تيغراي الواقع شمال أثيوبيا على الحدود مع أرتيريا في الرابع من نوفمبر الجاري اندلاع قتال عنيف بين قوات الحكومة وقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وذلك بعد أن أطلق رئيس الوزراء آبي أحمد عمليات عسكرية، ردا على ما قال إنه هجوم على قوات الحكومة الاتحادية.
يأتي اندلاع القتال تتويجا لخلافات طويلة منذ أن تولى أبي أحمد رئاسة الوزراء وما انتهجه من سياسات تضررت منها قومية التيغراى التي سيطرت على مقاليد الحكم في البلاد منذ سقوط نظام الدرك عام 1991 وتطبيق "الفيدرالية الأثنية" أبان فترة حكم الرئيس الراحل ملس زيناوي الذي ينتمي لقومية التيغراي.
وعلى الرغم من أن القتال الجاري في أثيوبيا يبدو في ظاهره كخلاف داخلي بين الحكومة المركزية وأحد الأقاليم، إلا أنه في حقيقته يستبطن مخاطر جدية تهدد بزعزعة الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
وتنبع خطورة الصراع الأثيوبي الحالي من أنه ليس نزاعا من النوع الذي يمكن حسمه بصورة سريعة وخاطفة، ذلك لأن قوات الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي البالغ عددها حوالى 250 ألف مقاتل، تمتلك من السلاح والخبرة القتالية ما يؤهلها لخوض حرب طويلة يمتد أثرها لبقية الأقاليم الأثيوبية ودول الجوار.
من المعلوم أن الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي، هي التي أشعلت في عام 1975 فتيل التمرد العسكري ضد نظام الدرك الماركسي الذي ترأسه الجنرال منقيستو هايلي مريام، حتى تمت الإطاحة به في عام 1991.
يقف السودان على رأس الدول التي يشملها التهديد الأمني والديمغرافي والاقتصادي لتلك الحرب وقد بدا ذلك جليا في تدفقات اللاجئين الذين فاق عددهم 30 ألفا في الأسبوعين الماضيين، وهو العدد الذي ربما يصل إلى 200 ألفا كما ذكرت مصادر حكومية سودانية ويأتي ذلك في الوقت الذي يشهد فيه السودان تدهورا اقتصاديا متفاقما جراء أزمة جائحة كورونا وكارثة السيول والفيضانات.
ليس هذا فحسب، بل أن استمرار القتال لفترة طويلة قد يتسبب في جر السودان لأتون الحرب عبر لجوء أحد أطراف النزاع الأثيوبي لاستخدام الأراضي السودانية منطلقا لشن الهجمات على الطرف الآخر، وهو أمر غير مستبعد من واقع القراءة التاريخية للحروب في أثيوبيا ومن حقيقة عدم قدرة السودان على السيطرة الكاملة والمحكمة على حدوده الشرقية.
أما الجارة الشمالية لأثيوبيا، أريتريا فقد أصبحت بالفعل طرفا في النزاع حيث أكدت الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي أنها قصفت العاصمة الأريترية أسمرا في الرابع عشر من هذا الشهر ردا على الهجوم الذي شنته القوات الأريترية على المناطق الحدودية كما توعدت باستمرار الهجمات في حال استمرار أسمرا مساندة الحكومة الأثيوبية في حربها على الإقليم.
ويرجع خلاف جبهة التيغراي مع الحكومة الأريترية إلى النزاع حول الأراضي الحدودية بين أديس أبابا وأسمرا وهو النزاع الذي أدى إلى مواجهة حربية بين الدولتين عامي 1998 و2000 قبل أن يتم إعلان انتهاء الحرب رسميا في عام 2018، بمبادرة من آبي أحمد الذي وافق على الانسحاب من بلدة بادمي وغيرها من المناطق الحدودية الخلافية تنفيذا لقرار أصدرته العام 2002 لجنة تدعمها الأمم المتحدة حول ترسيم الحدود بين البلدين، وهو الأمر الذي اعترض عليه قادة التيغراي، باعتبار أن تلك المناطق تقع ضمن حدود إقليمهم.
من ناحية أخرى، فقد أثر النزاع الأثيوبي سلبا على الوضع الأمني الداخلي للصومال حيث كشفت بعض التقارير الإعلامية أن أثيوبيا سحبت عددا من قواتها التي تساعد الحكومة الصومالية ضد حركة الشباب لإعادة نشرها ضد عناصر التيغراي، وتتخوف مقديشو من انسحاب المزيد من القوات الأثيوبية وهو الأمر الذي سيؤثر على قدراتها في التصدي لهجمات حركة الشباب التي قد تستفيد من أي فراغ أمني يحدث في الجبهات الأمامية جنوب ووسط البلاد.
وعلى الرغم من الهمس الدائر حول دور تلعبه مصر لتأزيم الأوضاع داخل أثيوبيا بسبب الخلاف حول سد النهضة، إلا أن الأمر المؤكد هو إدراك القاهرة التي تقود حربا ضارية ضد التطرف لخطورة انزلاق أثيوبيا في شرك الحرب الأهلية الشاملة، وهو ما سيؤدي للمزيد من الفوضى في المنطقة وبالتالي إيجاد بؤرة كبرى لتجميع الحركات المتطرفة كما حدث في ليبيا.
كذلك فتح الصراع النافذة للحديث عن تدخل أطراف خارجية بعيدة عن الإقليم، حيث قالت جبهة التيغراي إن سلطات البلاد المركزية تستخدم طائرات مسيرة إماراتية لقصف تجمعات مدنية في إقليم التيغراي، وكان التلفزيون الإثيوبي الرسمي قد نقل بيانا إماراتيا عبرت فيه أبوظبي عن تضامنها ووقوفها مع الحكومة الإثيوبية في إنفاذ القانون ودعم جهود الحكومة لفرض النظام.
اتهامات جبهة التيغراي لدولة الإمارات توضح بجلاء إمكانية دخول القتال الأثيوبي الداخلي في شرك المحاور الخارجية الذي أدى لاندلاع الحروب الأهلية وزعزعة الاستقرار في دول مثل اليمن وسوريا وليبيا، آخذين في الاعتبار قرب أثيوبيا من الممر المائي المهم للغاية، البحر الأحمر الذي أضحى محطة استراتيجية هامة تتطلع العديد من القوى الإقليمية والدولية للسيطرة عليها.
بعد مرور زهاء ثلاثة أسابيع على اندلاع القتال لا يبدو أن أحد الطرفين يرغب في تدخل جهة ثالثة للوساطة في الوقت الراهن، فالحكومة الأثيوبية تعتقد أنها تستطيع حسم النزاع عسكريا في فترة وجيزة بينما تعمل جبهة التيغراي على توسيع نطاق المواجهة وإطالة أمد القتال من أجل تأجيج روح الولاء القومي لدى التيغراي.
إذا فشل طرفا النزاع في تحقيق أهدافهما عبر استمرار القتال، فإنهما سيضطران للجوء لطاولة المفاوضات من أجل التوصل لاتفاق سياسي، ولكن لا أحد يستطيع التنبؤ بالمآلات التي ستفضي إليها المواجهات العسكرية المباشرة. الأمر الوحيد المؤكد حتى الآن هو أن هذا الصراع مفتوح على مخاطر إقليمية كبيرة يمكن أن تؤدي لزعزعة الأوضاع في المنطقة لفترة طويلة قادمة.

