الأمومة
إن اخترتما مسبقا ألا تكونا أبوين سيئين، أو بكل بساطة ألا تعيشا بتاتا هذه التجربة فستكون أعداد المنتقدين والرافضين أكبر- سناء العاجي

هي ليست أما صالحة، لكنك لا تستطيعين اختيار عدم الأمومة. إنه اختيار "غير طبيعي" بالنسبة لك كأنثى.

هي بالتأكيد أم سيئة لا تستحق أن تكون أما بالأساس... لكنكِ يجب أن تكوني أما بالضرورة، وبدن نقاش.

الحكاية بدأت منذ بضاعة أيام. حكاية تتكرر بين الفينة والأخرى مذ ابتلينا بمساوئ التكنولوجيات (فوائد التطور التكنولوجي كثيرة لا تحصى... لكن استخدام التكنولوجيا بغباء، ينتج غباء آخر). 

هي حكاية أم مغربية انتشر فيديو يصورها وهي تعذب طفلتها الصغيرة بحضور الأب، وبحضور الأخ الذي كان يسجل الفيديو بهدوء.

انطلقت التعليقات والمواقف النبيلة على الأنترنيت منددة بالأم المجنونة وبكونها تستحق السجن أو على الأقل العلاج النفسي. كتب البعض بأن إنجاب الأطفال يجب أن يكون مشروطا بالسلامة النفسية للوالدين وأن الكثير من الآباء والأمهات ما كان يفترض أن ينجبوا، بسبب ما يمارسونه في حق أبنائهم.

إلى هنا، قد نتفق جميعنا.

لكن، بالمقابل، يكفي أحدهم أن يُصرح بأنه اختار عدم الإنجاب عن وعي كامل، كي تهاجمه الأغلبية رافضةً اختياره، على أساس أن الأمومة والأبوة أمر رائع وأنه لابد أن يكون شخصا غير سوي إن اختار عدم الإنجاب... وخصوصا إن كانت امرأة، واختارت عدم الإنجاب! 

بمعنى أنك، إن كنت أبا سيئا أو كنت أما سيئة، سينتقدكما الجميع (عن حق ربما)... لكن، إن اخترتما مسبقا أن لا تكونا أبوين سيئين، أو بكل بساطة أن لا تعيشا بتاتا هذه التجربة بما لها وما عليها، فستكون أعداد المنتقدين والرافضين أكبر وأكبر. 

لكن، أولئك الذين يهاجمون هذا الاختيار، هل يدركون مثلا أن أن الشخص الذي يختار عدم الإنجاب أو الزوجين الذين يقومان بنفس الاختيار، لا يفرضان الأمر على الآخرين؟ الذين يهاجمون هذا الاختيار، إن كانوا يعتبرون الأمومة والأبوة أمرا رائعا، فسيبقى دائما بإمكانهم أن يعيشوا هذه التجربة وهذا الإحساس! لا أحد سيمنعهم من ذلك (اللهم في بعض الدول التي تقنن أعداد الولادات)! بالمقابل، عليهم احترام اختيار الآخر بعدم الإنجاب. 

اليوم، تعد نسبة النساء والرجال الذين يقومون بهذا الاختيار أقلية. ربما أيضا لأن عددا كبيرا من النساء والرجال ينجبون دون تفكير عميق. ينجبون فقط لأن التنشئة الاجتماعية تجعلنا نعتبر الزواج والإنجاب جزء من المسار الحتمي لـ "جميع الأفراد". 

ماذا لو فكر كل شخص مليا في اختياراته الفعلية؟ هنا ربما، سيكتشف الكثيرون أن لهم رغبة حقيقية قوية وصادقة للإنجاب. سينجبون، سيكونون أمهات وآباء رائعين، لأن ذلك اختيارهم الحقيقي والأصيل. كما سيكتشف آخرون بأنهم ليسوا مستعدين لهذه التجربة وأنه ليس في صالحهم ولا في صالح الأطفال القادمين أن ينجبوا، مادامت الرغبة ليست حقيقية وإنما نتيجة التنشئة الاجتماعية لا غير. 

ليس هناك شيء اسمه "غريزة الأمومة الفطرية لدى جميع النساء". الرغبة الفطرية في الإنجاب توجد لدى عدد من الرجال والنساء. لكن تلك المسمى غريزة عامة لدى الجميع، فهي نتيجة للتنشئة الاجتماعية لا غير، وقد تكون أيضا نتيجة الخوف من العقرب البيولوجي، بالتحديد لدى النساء. 

إذا فتحنا، مجتمعيا، باب الحق في الاختيار الفعلي دون ضغوطات من الأب والأم والمحيط والزملاء، فسيتأكد الكثيرون أن ذلك اختيارهم الفعلي، وهذا سيعطي لأمومتهن ولأبوتهم معنى رائعا. في نفس الوقت، سيقلص الاختيار الفعلي للإنجاب من مخاطر الآباء والأمهات المعطوبين نفسيا، والذين لا يصلحون ربما للعب هذا الدور. 

نسبتهم قد تمثل اليوم أقلية. لكن الأكيد أن الأشخاص والأزواج الذين يختارون عدم الإنجاب، لا يفعلون ذلك اعتباطا. إنه، في أغلب الحالات، قرار جريء يتطلب مواجهة الأفكار السائدة للتنشئة الكلاسيكية، ومساءلة البديهيات المرتبطة بأهدافنا وأدوارنا في الحياة. 

في جميع الحالات، هم لا يفرضون اختيارهم على الآخرين. لن تنتهي البشرية لأن نسبة من أفرادها اختاروا عدم الإنجاب. لهذا، فعلى الأقل، لنحترم اختيارهم ولنحترم صدقهم مع ذواتهم... ومع الأطفال الذين قرروا أن لا ينجبوهم!   

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.