"واقع الحال يشير إلى أن ترامب غيّر خلال سنوات حكمه الأربع وجه أميركا"
"واقع الحال يشير إلى أن ترامب غيّر خلال سنوات حكمه الأربع وجه أميركا"

مثلما أحدث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، جلبة لا حدود لها حين فاز بالانتخابات الرئاسية عام 2016، فإنه بالتأكيد لن يغادر البيت الأبيض بعد خسارته شبه المؤكدة للانتخابات الرئاسية عام 2020 إلا بجلبة أكثر صخباً، ستحفر في ذاكرة الأميركيين، وسيظل يتذكرها ويستشهد بها العالم.

رغم الأخبار التي تشير إلى موافقة ترامب على بدء الانتقال الرسمي للسلطة إلى الرئيس المنتخب، جو بايدن، فإنه حتى الآن لم يعترف رسمياً بخسارته للمعركة الانتخابية، ولم يرفع الرايات البيضاء، ولم يلق خطاب الاستسلام، ولا يزال يردد "بايدن فاز في عيون وسائل الإعلام المزيفة.. أنا لا أعترف بشيء".

ورغم انسحاب بعض محاميه من حملاته لإقامة الدعاوى التي تطعن بنتائج الانتخابات، ورغم رفض العديد من الولايات مزاعمه بتزوير الانتخابات، إلا أنه مصر على خوض معركته حتى الرمق الأخير حتى ولو ظل وحيداً وانفض عنه معظم الزعماء الجمهوريين، وهو كما وصفه جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق "سيظل يتحدث عن نظريات المؤامرة السوداء".

رفض ترامب الاعتراف بالهزيمة والانسحاب من المشهد السياسي دفع إلى سطح الأحداث السيناريو الساخر عن تمسكه بالبقاء بالبيت الأبيض بعد موعد الاستحقاق بتسلم الرئاسة، في العشرين من شهر يناير القادم 2021، واضطرار الحرس السري الأميركي إلى إجلائه بالقوة.

جو بايدن، أصبح على مشارف البيت البيض، والعد التنازلي لتسلمه مقاليد سلطة أقوى دولة في العالم بدأ، وسيناريوهات ما بعد الحقبة "الترامبية" بدأت تطغى على ما سواها، ومع تذكير الساسة أن الولايات المتحدة الأميركية دولة تحكمها المؤسسات، وهي أقوى من الرؤساء.

إلا أن واقع الحال يشير إلى أن ترامب غيّر خلال سنوات حكمه الأربع وجه أميركا، وتغيرت معه صورة العالم، ولهذا فإن النظريات المعلبة التي لا تريد أن تفرق بين ترامب وبايدن مخادعة ومحكوم عليها بالسقوط.

لن تتخلص أميركا من "الجينات الترامبية" في الحكم بين ليلة وضحاها، وسيحتاج بايدن وفريقه إلى مخاض عسير للخروج من الألغام التي زرعها في كل الملفات الداخلية والخارجية، وبمعنى آخر لن يتمكن الرئيس الجديد وسيد البيت الأبيض أن يقلب الصفحة حين يبدأ حكمه فوراً.

في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" للمرشح الفائز بالانتخابات، جو بايدن، يمكن التقاط العنوان العريض "نريد إنقاذ سمعة أميركا وإعادة إحياء الديمقراطية"، وفي التفاصيل يتوقف الرئيس المنتخب عند كل الملفات الداخلية، بدءاً من إصلاح النظام التعليمي والقضائي، ومروراً بتطوير شبكات الجيل الخامس، وانتهاء بمساعدة الطبقة الوسطى في الاندماج.

في العالم العربي، هناك من يحتفلون بهزيمة ترامب ويبشرون بغد أفضل للمنطقة، وآخرون أعلنوا مراسم الحداد حزناً على رحيله وغيابه، والأكيد أن الشرق الأوسط يحتاج أن يلتقط أنفاسه بعد أن رُفعت قبضة ترامب الحديدية عن "صدره"، وأن ترميم ما خلفه من خطايا وسياسات رعناء ومجحفة يحتاج إلى وقت ودبلوماسية حثيثة، ولهذا يقول بايدن "ترامب مزق مصداقيتنا في إدارة السياسة الخارجية".

ملفات وعناوين كثيرة تحتاج إلى استقراء هادئ، ربما في مقدمتها القضية الفلسطينية وتداعياتها:

الفلسطينيون تنفسوا الصعداء وشعروا أن كابوساً عاشوه قد انتهى وولّى، فالرئيس ترامب أثبت بلا منازع أنه "إسرائيلي الهوى" أكثر من القادة الإسرائيليين أنفسهم، صحيح أن القيادة الفلسطينية لا تتوقع انقلاباً يناصرها في عهد بايدن وهو الخبير في منطقة الشرق الأوسط، لكنهم واثقون أنه لن يناصبهم العداء جهاراً.

والمرجح أن تتوقف الإدارة الأميركية الجديدة عن الضغط للتسويق لصفقة القرن التي تبناها ترامب وجعلها هدفه الأول، وهذا يفضي إلى إعادة الأمل والروح لحل الدولتين، ومعارضة شرعية المستوطنات والتوسع في بنائها، وضم الأراضي الفلسطينية وغور الأردن، وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير بواشنطن، واستئناف دعم الأونروا.

يحظى بايدن بدعم واسع من يهود أميركا الذين صوتوا له بكثافة، والذين لم يجدوا في سياسات ترامب حلاً آمناً للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وقد يكون نتانياهو أكبر الخاسرين، فهو لم يعد يتمتع بالحصانة التي كان يحظى بها زمن ترامب، وقد يعجل في رفع الغطاء والدعم السياسي له، وبملاحقته قانونياً على الاتهامات الموجهة له في تل أبيب.

تبدو ملفات المنطقة حلقة متصلة، فالعودة في الملف الفلسطيني إلى التوازن النسبي قد يفرمل حمى التطبيع مع إسرائيل التي ضغط ترامب لتحقيقها قبل رحيله، وهذا ما سيدفع دول الخليج إلى إعادة حساباتها السياسية والتفكير مرة أخرى بتحالفاتها، وقد تكون هذه اللحظة السياسية الأنسب للمباشرة في تحقيق المصالحة الخليجية، وطي صفحة الخلافات التي استثمرت بها الإدارة الأميركية السابقة.

الهاجس الذي يشغل زعماء الخليج، موقف الإدارة الأميركية الجديدة من إيران، والواضح أن بايدن لن يستمر في نشر الرهاب من طهران وشيطنتها، وبالتأكيد لن يعيد في اليوم التالي لتنصيبه الاتفاق النووي الذي وقع إبان عهد أوباما.

بل سيبحث بايدن عن مقاربة لإعادة صياغة اتفاق جديد مع طهران يراعي تجنب النقاط الإشكالية التي شابت الاتفاق القديم، وسيواصل الضغط على زعماء إيران لمنع التسلح النووي، وكذلك ما يسمى ملف الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يتقاطع مع التوجهات الأوروبية، وقد يهدئ من روع أمراء الخليج.

رغم أن إيران أعلنت أنها لا تفاضل بين ترامب وبايدن وتراقب الأفعال، فالمؤكد أن هذه التصريحات ليست سوى بروباغندا كلامية، وطهران تنتظر بلهفة تسلم بايدن لسلطاته لتبدي حرصاً على فتح صفحة جديدة توقف الحصار الاقتصادي الموجع لها.

لا يُعرف إذا كان بايدن سيعيد سياسة أوباما بالقيادة من الخلف، والانسحاب من الواجهة السياسية للمعارك، إلا أن تكراره الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان يقلق مضاجع القادة السياسيين، فهو يجاهر أنه سيدعو لقمة عالمية للديمقراطية، وبأنه سيعمل على مكافحة الفساد وتعزيز دور المجتمع المدني وحرية التعبير.

بايدن في مقاله بموقع "فورين أفيرز" يستهزئ بأن الزعيم الروسي، بوتين، يرى أن الفكرة الليبرالية عفا عليها الزمن، مشيراً إلى أنه يفعل ذلك لأنه يخاف من قوتها، ولا يمكن لأي جيش على وجه الأرض أن يضاهي الطريقة التي تنتقل بها فكرة الحرية.

اهتمام بايدن بالديمقراطية، حتى ولو كلامياً، لا يفضي إلى شراء الوهم، ولا بالحلم أنه سيحاصر الزعماء الطغاة وسيجلبهم للعدالة، فهذه سذاجة سياسية لم تعد تنطلي على الشعوب المقهورة، لأنها متيقنة أن المصالح تنتصر في الغالب على المبادئ. 

لن نبيع الوهم ولن نشتريه، لكن بايدن مهما كان ومهما حدث ليس ترامب، ويكفي أنه لا يريد بناء جدار يعزله عن المكسيك، وسيعود لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ولمنظمة اليونسكو، وسيلغي الحظر الذي فرضه ترامب على سفر بعض الدول الإسلامية لأميركا، وسيسمح للمهاجرين غير الشرعيين بالبقاء في الولايات المتحدة، وسينضم مجدداً لاتفاقية باريس للمناخ.

والأهم من كل ذلك لن نقرأ تغريدات تشجع على الكراهية وتطعن القيم الديمقراطية في الصميم، وتهين وتمتهن الكرامة الإنسانية.

سيظل العالم يتذكر ترامب، وستظل الكاريزما التي رسخها عند وسائل الإعلام حاضرة، وربما برحيله عن البيت الأبيض يفتح الباب بشكل أوسع لملاحقات قانونية ضده، بعضها له علاقة بقضايا تهرب ضريبي، وأخرى اتهامات تلاحقه بقضايا تحرش جنسي، والمخرج الآمن لوقف كل هذه التدابير حصوله على عفو قبل انتهاء ولايته، وهذا قد لا يكون سهلاً ومتاحاً.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.