"مثقف" من حزب الله وصف جبران باسيل بأنه عنترة بن شداد
"مثقف" من حزب الله وصف جبران باسيل بأنه عنترة بن شداد

سيُمضي لبنان أشهراً أخرى من دون حكومة، وسيُمضي أقل من شهرين ليستنفد ما تبقى من احتياط مصرف لبنان في دعم السلع الغذائية والدوائية، وبعدها سيسقط السقف على رؤوس اللبنانيين، ولن ينجو إلا أهل الطبقة السياسية وعائلاتهم ومرتزقتهم.

والمرء إذ استنفد كل النعوت والشتائم في وصف هؤلاء، يشعر بضرورة توظيف خياله لإنتاج وابتكار مزيداً منها، فهذه وسيلتنا الوحيدة لحماية ما تبقى من توازن نفسي نحتاجه لكي نبقى على قيد الحياة في هذا المكان البائس من الكرة الأرضية.

قد يبدو مملاً أن نكرر حقيقة أن حزب الله يفرض على اللبنانيين أسوأ نموذج في الحكم. صحيح أن عقبات تحول دون اكتمال النموذج الأمني في الحكم، لكن نموذجاً لا يقل سوءاً، بل يزيد النظام البوليسي سوءاً، هو ما يحرص الحزب على تكريسه وحمايته في بلدنا.

حين نتجاوز الفساد إلى تفاهة الفساد، والارتهان لنظامي الجريمة في طهران ودمشق إلى تفاهة الارتهان، نبلغ عندها مستويات غير مسبوقة من اليأس.

وهذا هو حالنا اليوم. جبران باسيل الذي انعقدت في وجهه قباحة السياسي الصهر في ثورة ١٧ تشرين، أعاد الحزب رسم ملامح "البطل" على وجهه في أعقاب صدور عقوبات قانون ماغنسكي بحقه. إنه عنترة بن شداد على ما وصفه به "مثقف" الحزب.

المفارقة لا تصدق، والحزب بجعله عنترة يعلن للبنانيين الذين لم يمض زمن طويل على إعلانهم أن جبران هو "شيطان الجمهورية" أن عليهم اليوم أن يقبلوا به بصفته عنترة بن شداد الجمهورية.

هذا المستوى من احتقار الناس يفوق ما تمارسه أنظمة عسكرية في سوريا وفي مصر وإيران والسعودية بحق مواطنيها، ذاك أن القتل المباشر ينطوي على اعتراف بالمخاطر الذي يشكلها القتيل، أما احتقار الناس وعدم الاكتراث بذكائهم ففيه عدم اعتراف بكراماتهم، وفيه أيضاً يقين الجاني بعجز الضحية.

لن تتشكل الحكومة في لبنان. لا يشعر حزب الله بأن هذا ضرورياً اليوم. شراء الوقت يتم عبر الـ١٧ مليار دولار الأخيرة في المصرف المركزي، وهذا المبلغ هو القيمة المتبقية من ودائع اللبنانيين. وبهذا المعنى يصرف اللبنانيون مما تبقى من ودائعهم على جمهورية حزب الله.

في السنوات الثلاث الفائتة أنفقوا نحو مئة مليار دولار على هذه الجمهورية، وها هم اليوم ينفقون ما تبقى في خزنة المصرف. لا بأس فالحزب ينتظر إدارة أميركية جديدة قبل أن يعطي الأمر لرهائنه قادة الأحزاب والطوائف والعُصب لكي يلتئموا في حكومته الجديدة. والحزب لا يشعر بمعنى نضوب مداخيل الناس طالما أن تمويله يتم نقداً من طهران، وهو يعززه بحصته من مداخيل الفساد التي لم يعد خافياً على أحد شراكته فيها.

والحزب محق في انتظاره طالما أنه يحتقر حاجات اللبنانيين. فسبق أن جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان مرتين ومده بمزيد من الوقت، وتكشفت "المبادرة الفرنسية" عن حقيقة واحدة تتمثل في تعويم الطبقة السياسية التي يتصدرها حزب الله.

حكومة تكنوقراط يسمي حزب الله فيها الوزراء الشيعة! ما الجديد في هذه الحكومة؟ لا شيء طبعاً، لكن الأشد فظاعة أن الحزب ذهب في إهانته لـ"المبادرة الفرنسية" إلى حد عدم القبول بهذه الحكومة، وإلا ما الذي يعيق تشكيل الحكومة اليوم؟ المبادرة الفرنسية مثلت رصاصة رحمة في رأس طموحات اللبنانيين بالتغيير.

لا قيمة لفرنسا في حسابات الحزب، فالمفاوضة الفعلية هي مع واشنطن، وليس لبنان مدار هذه المفاوضة، ذاك أن قيمته لم تعد تساوي شيئاً لجميع الأطراف المقرِرة. سننتظر إذا ما ستتقاضاه طهران ثمناً لحكومة تافهة هي تتويج لمسار من حكومات الارتهان. سندفع ثمن الانتظار ما تبقى من ودائعنا في مصرف لبنان. 

من المرجح أن يطول الانتظار، اذ أن أشهراً طويلة تفصلنا عن تشكل المسار الجديد للإدارة الأميركية المنتخبة. لا يبدو أن هذه الكارثة التي سترافق الانتظار تعني شيئاً للحزب الحاكم.

سيراقب سيد الحزب احتضارنا ويرسم ابتسامته المعهودة ويقول إن الاستعمار العالمي وراء الكارثة، ولن نصدقه، لكن هذا لن يثير اهتمامه، وهو لن يُقدم على قتلنا جراء عدم إيماننا بأن جبران باسيل هو عنترة بن شداد، فعدم إيماننا لا يشكل خطراً عليه، وهو لا يطمح أصلاً لنيل ثقتنا بكلامه. كل ما يريده منا هو أن لا نعيد الكرة ونستأنف ما بدأناه في ١٧ تشرين ٢٠١٩. 

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.