ترامب في الخمسة أسابيع الأخيرة سيتحرك طبقا لأولوياته الشرق الأوسطية
ترامب في الخمسة أسابيع الأخيرة سيتحرك طبقا لأولوياته الشرق الأوسطية

خمسة أسابيع متبقية للرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض بعدما وقعت الوكالة الحكومية على تفويض ببدء العملية الانتقالية للرئيس الـ46 جو بايدن والذي سيتولى رسميا منصبه في 20 يناير المقبل.

خمسة أسابيع تطوي رئاسة حافلة لترامب شهدت خضات داخلية ومنعطفات إقليمية ودولية، وقرارات من العيار الثقيل في المنطقة كالانسحاب من الاتفاق الدولي مع إيران، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان، والمباشرة ببيع طائرات إف-٣٥ إلى الإمارات العربية المتحدة والانسحاب جزئيا من سوريا.

في الـ 54 يوما المتبقية له في الحكم، لا يمكن استبعاد مفاجآت من ترامب داخليا مثل قرارات عفو عن مدراء حملاته السابقين أو حتى مؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج والمسؤول الأميركي الاستخباراتي السابق إدوارد سنودن الموجود في روسيا.

في المنطقة المعطيات السياسية لا توحي بمواجهة بين أميركا وإيران أو خضة كبيرة،  والقرارات الوداعية المتوقعة من إدارة ترامب إقليميا تدور في فلك:

1-  إتمام الانسحاب الجزئي من العراق وتسريع عودة 500 جندي من الساحة العراقية قبل منتصف يناير، ما يتيح إبقاء 2500 جندي في كل من العراق وأفغانستان. زيارة وزير الدفاع الموقت كريستوفر ميلر إلى المنطقة هذا الأسبوع تصب في هذه الخانة.

2-  عقوبات تطال إيران ولبنان وسوريا وتهدف إلى حشر إدارة بايدن التي تنوي العودة إلى الاتفاق النووي مع طهران في حال التزمت به بالكامل. هذه العقوبات ستكون خارج النطاق النووي وهي بدأت فعليا ضد قطاعات مصرفية ونفطية في إيران، وضمن قانون ماغنيتسكي بإدراج السياسي اللبناني جبران باسيل، وفي سوريا ضمن قانون قيصر. هذه القوانين محمية من أكثرية ساحقة في الكونغرس وسيكون من الصعب جدا رفعها في أي إدارة مقبلة.

3- إنهاء صفقة طائرات إف-35 مع الإمارات العربية المتحدة والتي في حال لم يصوت ضدها مجلس الشيوخ تعتبر ناجزة في 10 ديسمبر. أما في حال اعترضها الكونغرس، فسيكون على ترامب استخدام صلاحية الفيتو لتمريرها قبل مغادرته البيت الأبيض.

4- محاولة الإفراج عن عدد من الرهائن المتبقين في إيران وسوريا وهي أولوية للرئيس الحالي إنما مستعصية مع تضاربها بمسار العقوبات على النظامين في دمشق وطهران وترددهما اليوم في التفاوض مع إدارة ترامب.

5- إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في اليمن بين الحوثيين والرياض بوساطة أميركية تمنح وزير الخارجية مايك بومبيو إنجازا أخيرا قبل نقل المهام لخلفه أنتوني بلينكن. من هنا يتم الحديث عن إمكانية إدراج الحوثيين على لائحة الإرهاب الأميركية كورقة ضغط للوصول لهذا الاتفاق.

هذه هي البنود الأهم لترامب في الشرق الأوسط في الأسابيع الأخيرة له في الحكم وبشكل يرسخ أولويات الانسحاب العسكري وحشر بايدن في ملف العقوبات.

أما الحديث الذي يتم تداوله إعلاميا عن ضرب مواقع إيرانية بعد إرسال طائرات بي-52 إلى قطر، وجهوزية الجانب الإسرائيلي لرد انتقامي فهو إشكالي لشخصية مثل ترامب تفادت خوض حروب في المنطقة. الكلام نفسه صاحب خروج جورج بوش من الحكم في 2008 ولم نر ضربة استباقية قبل تولي باراك أوباما الرئاسة.

ترامب في الخمسة أسابيع الأخيرة سيتحرك طبقا لأولوياته الشرق الأوسطية بسحب الجنود الأميركيين، بيع الأسلحة، محاولة استعادة الرهائن وإبرام اتفاق وقف إطلاق النار في اليمن. 

هذه ثوابت صاحبت رئاسته المتقلبة، وستفيده في حال قرر الترشح مرة أخرى في 2024.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.