الفنان المصري محمد رمضان، مع الفنان الإسرائيلي عومير آدام في مدينة دبي.
وبصرف النظر عن الموقف من التطبيع أو السلام مع إسرائيل، فإن رمضان لم يزر إسرائيل مثلا ولم يدل بتصريحات ضد الدولة المصرية - عمران سلمان،

ليس من قبيل المبالغة القول بأن ردة الفعل على مشاركة الفنان المصري محمد رمضان في أمسية في دبي مع فنان أو فنانين إسرائيليين، كانت أكبر بكثير من الحدث نفسه، كما لو أن الذي انتقدوا أو أدانوا هذا التصرف، وجدوها فرصة سانحة للتعبير عن موقف سياسي لطالما أخفوه أو لم يكن من السهل عليهم أن يظهروه على هذا النحو في مواجهة أحداث أخرى كثيرة مماثلة. لكن هذا من شأنه أن يفجر تناقضات من نوع آخر كما سوف نرى بعد قليل.

هجوم غير مبرر

فإضافة إلى إجراء نقابة المهن التمثيلية ونقابة الصحافيين في مصر، اللتين تصدتا لمعاقبة رمضان، انبرى سيل كبير من الأعضاء على مواقع التواصل الاجتماعي (أو هكذا على الأقل ما تظهره المشاركات وإن كان من العسير معرفة العدد الحقيقي بسبب تعدد الحسابات) لمهاجمة رمضان والمطالبة بإنزال أشد العقوبات عليه. بل هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك، عبر إطلاق أوصاف مثل الخيانة والعمالة وانعدام الوطنية وما شابه. وهناك من دعا إلى إسقاط جنسيته أو نفيه من مصر!  

وبالطبع فإن أول ما يتبادر إلى ذهن الإنسان، هو ما الذي يحدث حقيقة؟ وما الذي فعله الفنان المصري ليستحق كل ذلك؟ 

وبصرف النظر عن الموقف من التطبيع أو السلام مع إسرائيل، فإن رمضان لم يزر إسرائيل مثلا ولم يدل بتصريحات ضد الدولة المصرية أو الشعب المصري، ولم ينتقد السلام البارد بين بلاده وإسرائيل!

الأمر الذي يدل على أن المسألة وإن كانت في ظاهرها متعلقة بإسرائيل، إلا أنها تعكس حجم الاحتقان السياسي والاجتماعي الذي تعيشه مصر وحجم التناقض والازدواجية في الكثير من أوجه التعامل. 

للخلف در

خلاف ذلك فقد جرت في مياه الفترة الماضية أحداث أكبر بكثير من لقاء بين فنانين، ولم يكن هناك شيئا يشبه ما شهدناه في هذه القضية.   

فقد أقامت الإمارات والبحرين والسودان علاقات مع إسرائيل، شملت جميع المجالات تقريبا، بما في ذلك فتح السفارات وإلغاء التأشيرات. وتطالعنا وسائل الإعلام كل يوم بمبادرات فنية واقتصادية واجتماعية وزيارات متبادلة بين مواطنين من هذه البلدان ونظرائهم من الإسرائيليين. 

أكثر من ذلك ثمة مشاريع تعاون على جميع الأصعدة، ورحلات طيران منتظمة بين تل أبيب وأبو ظبي ودبي والمنامة، فضلا عن خطوط مباشرة لسفن الشحن والبواخر وما شابه.

بعبارة أخرى، فإنه في الوقت الذي يتوقف فيه الزمن في مصر لأن فنانا مصريا التقى بفنان إسرائيلي، فإن عجلة الأحداث في أمكنة أخرى من العالم العربي تدور بأقصى سرعتها باتجاه المستقبل.

وما هو هذا المستقبل؟ إنه يتلخص في كلمات معدودة: السلام وبناء الجسور والتعاون، وذلك بديلا عن الحرب والقطيعة والعداء.

معاقبة المصريين

من المفيد أن نعرج هنا أيضا على اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية وهي كما هو معروف أول اتفاقية سلام من نوعها في المنطقة العربية. 

يحلو للكثيرين القول بأن هذه الاتفاقية هي بين الحكومات ولا تسري على المواطنين. وهذا أغرب ما يمكن سماعه. كما لو أن الدولة لا تمثل المواطنين، أو كما لو أن الدولة تعيش في واد والمواطنين في واد آخر. 

وفي حين أننا يمكن أن نفهم، وفق هذا المنطق، أن الدولة لا يجب أن تتدخل فيمن يزور إسرائيل أو من يلتقي بإسرائيلي أو يرفض ذلك، لا تشجيعا ولا تعزيرا، إلا أن الواقع يقول شيئا مخالفا. الواقع هو أن الدولة المصرية تعاقب المواطنين الذين يزورون إسرائيل أو يلتقون بإسرائيليين، لكن هذا العقاب لا يتخذ دائما شكلا مباشرا وإنما يتلون ويتخفى وراء واجهات واتحادات ونقابات وما شابه ذلك. وفي كل مرة تثار هذه القضايا، يكون الرد بأن الشعب المصري يرفض التطبيع. كما لو أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يجمع عليه الشعب المصري!

موقف صعب

لست هنا لأوجه الانتقاد إلى الحكومة المصرية، بقدر ما أحاول أن أبين أن هذه التناقضات لا تفيد مصر أو المصريين فهم أعزاء على قلوبنا. لكن هذا العجز المزمن في قبول السلام مع إسرائيل، سوف يجعل الموقف المصري صعبا، مع تزايد عدد الدول العربية الموقعة على اتفاقيات السلام مع إسرائيل، ومع انتظام هذه العلاقات وتطورها، لا سيما أن هذه الدول هي حليفة لمصر وتقف معها في نفس الخندق بالنسبة للعديد من القضايا.

فماذا يعني وجود الإماراتيين في إسرائيل أو الإسرائيليين في الإمارات، بينما يقال للمواطن المصري أن التطبيع هو خيانة؟

وماذا يعني أن تكون هناك أعمالا مشتركة وتعاونا، فنيا أو ثقافيا أو إعلاميا، بين هذه الدول وإسرائيل، بينما يقال للمواطن المصري بإن الإسرائيلي هو عدو؟

وكيف يمكن أن يؤثر ذلك كله على العلاقات ما بين المصريين وأشقاءهم العرب في هذه الدول؟

هذه القضايا لن تلبث أن تفرض نفسها، وهي سوف تجعل من ردة الفعل الحالية على الفنان محمد رمضان ذات مفعول عكسي، إذ هي لا تفعل سوى أن تكرس الازدواجية والانفصام وتصب في النهاية في طاحونة جماعات الإسلام السياسي ومن لف لفها.   

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.