لغة القرآن

قيل عن القرآن إنه حمّال أوجه، وقد أمرنا الله عز وجل بالتفكر والتدبر فى آياته، فقال تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} ( سورة محمد  (24)).

وفهم القرآن بطريقة صحيحة يؤدي إلى الهداية، أما فهمه بصورة خاطئة فقد يؤدي بالإنسان إلى الضلال {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} ( سورة البقرة 26).

 وسأعرض فى  هذه المقالة بعض المبادئ الهامة التى أدعو الله أن تساعدنا على فهم القرآن بصورة سليمة.

المبدأ الأول: أهمية أدوات التعريف فى القرآن 

يستخدم القرآن الكريم كثيرا من أدوات التعريف مثل " ال" أو الأسماء الموصولة مثل " الذين" وضمير الغائب مثل "هم"  فى آخر الكلمات، وكل هذه الأدوات تخصص المعنى في مجموعة بعينها من الناس. فعلى سبيل المثال، حين يستخدم القرآن تعبير "الكافرين" أو"المشركين" فهو يتحدث عن مجموعة بعينها وهم كفار مكة ومشركوها الذين بدأوا العدوان على المسلمين الأوائل، وليس عن كل من كفر أو من أشرك.  

 المبدأ الثاني: "درجات الفهم القرآني" 

حين يقرأ الإنسان آية من آيات الكتاب العزيز، فإنه قد يفهمها بصورة سطحية ربما تتسبب في إضلاله عن المعنى الحقيقي المقصود منها، في حين أنه لوتعمق في فهمها، كما سنرى فى المثل التالي، فإنه قد يصل إلى غايتها والهدف منها ومفهومها الحقيقي الذي يتفق مع روح القرآن. فعلى سبيل المثال حين تقرأ الآية التالية:

{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ( سورة التوبة 5).

 فإن فهمها بصورة سطحية ودون تعمق قد يتسبب في إرتكاب جريمة لا تغتفر، إن نتج عن ذلك الفهم قتل إنسان بريء لمجرد أن له عقيدة أخرى قد تراها شركاً. وعلى العكس من ذلك تماماً فإن فهم الآية وتحليلها من خلال درجات الفهم القرآني التي سنذكرها، قد ينتج عنه مفهوم يختلف بصورة مطلقة عن فهمك السطحي لها.

ولنرَ هذا المثل التوضيحي لكيفية فهم هذه الآية الكريمة على خمسة مستويات أو درجات:

الدرجة الأولي: من المقصود بكلمة " المشركين" ؟
المقصود بها هم فقط مشركو مكة الذين أعلنوا القتال على المسلمين الأوائل في بدء الدعوة.

الدرجة الثانية: لماذا غضب الله على مشركي مكة؟ 
لأنهم اضطهدوا المسلمين الأوائل لأجل دينهم وطردوهم من ديارهم وعذبوهم لأنهم آمنوا بعقيدة تخالف عقيدتهم. 

الدرجة الثالثة: ماذا نتعلم من هذا؟ 

ألا نضطهد أي أقلية دينية موجودة بيننا أو تعيش معنا وإلا أصبحنا مثل كفار مكة واستوجبنا غضب الله.

المبدأ الثالث: عدم استقطاع أجزاء من القرآن لخدمة غرض بعينه

 يقع البعض أحياناً في خطأ استقطاع جزء من الآيات لكي يخدم غرضا خاصا في نفسه، وذلك الفعل جريمة كبيرة فى حق الله، لأنه يضلل الناس عن المفهوم الحقيقي للقرآن. فعلى سبيل المثال، فإن من يستقطع من القرآن قوله {قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} ( سورة التوبة 36،) فعليه أن يكون أميناً ويكملها كما جاء فى القرآن بعدها مباشرةً وهو { كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} . 

فإستخدام الجزء الأول من الآية دون ذكر الجزء الثاني - كما يفعل البعض - يُظهِر صورة عدوانية للقرآن ويشوه صورة الدين، في حين أن استكمال الآية بجزئيها توضح أن القتال كان دفاعاً عن النفس وليس عدواناً، مما يغير من الأمر تماماً.

المبدأ الرابع: فهم المقاصد والأهداف من الآيات 

 يمكننا تطبيق هذا المبدأ في فهم الكثير من الآيات، فمثلاً قد يفهم البعض أن الآيات التي تعطي للزوجة حق الميراث على أنها مجرد آية لتحديد نسبة الزوجة في ميراث زوجها، وقد يرى آخرون أن هذه الآيات دلالة على أن هدف القرآن وقت نزوله هو أن يعطي المرأة المزيد من الحقوق، وبالتبعية فإن علينا إن أردنا اتباع هذا الهدف القرآني أن نعطي المرأة المزيد من الحقوق فى عصرنا الحالي كي نتأسى بروح القرآن.

المبدأ الخامس: اتباع الضمير فى الحكم على الأشياء

حين نقرأ قوله تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (سورة الشمس 8-7) ندرك أهمية استخدام الضمير الذى خلقه الله فينا قبل أن نحكم على شيء أنه حلال أو حرام. ويتفق هذا المعنى مع ما تم روايته عن الرسول الكريم "الإثم ما حاك في الصدر وتردد في النفس وإن أفتاك الناس وأفتوك". 

المبدأ السادس : العبرة من القصص القرآني

حين نقرأ قصص القرآن علينا أن نقرأ ما وراء الكلمات لنفهم العبرة من القصة. فالقصة فى القرآن ليست بهدف سرد أحداث تاريخية، ولكن لأخذ العبرة منها {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} ( سورة يوسف 111). فعلى سبيل المثال، حين نقرأ قصة فرعون نتعلم منها أن أبشع جريمة تغضب الله عز وجل هي استضعاف الأقليات الدينية والعرقية، فكما رأينا في القصة كان السبب الرئيسى لغضب الله على فرعون أنه استضعف بنى إسرائيل كما ذكر القرآن {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ} (سورة القصص 4). 

المبدأ السابع : إستيعاب المجاز اللغوي

يستخدم القرآن الكريم كثيرا من التعبيرات المجازية مثل {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (سورة الفتح 10،) و{وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} ( سورة الرحمن 27،) و{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (سورة الحاقة 17). وعلينا فهم هذه الآيات بصورة مجازية وليس بصورة حرفية، ذلك لأن الله مُنَزه أن يكون له يد أو عين أو وجه مثلنا، أو أن يجلس على عرش مثل البشر. وجدير بالذكر هنا أن ندرك أنه كما أن عندنا تعبيرات مجازية لا نأخذها بصورة حرفية، فإن اتباع العقائد والديانات الآخرى قد يكون لديهم هم أيضاً تعبيرات مجازية فى كتبهم لا يفهمونها بصورة حرفية مثل تعبير "إبن الله" عند الإخوة المسيحيين.

المبدأ الثامن: إدراك المدلول اللغوى للكلمات

التأمل في مدلول الكلمات المستخدمه فى القرآن هو أمر فى غاية الأهمية. فعلى سبيل المثال، حين نقرأ كلمة مسلم أوإسلام أومسلمين يأتي على أذهاننا فوراً فقط الشخص الذي ينفذ الأركان الخمسة للديانة الإسلامية.

والتأمل أكثر في عمق الكلمات ومدلولاتها اللغوية يوضح أيضاً، كما جاء في المعجم العربي "القاموس المحيط"، أن المشتقات اللغوية من كلمة "سلم" تشمل الكلمات التالية: "مسالم وسلام وإسلام". وتبعاً لهذا المدلول اللغوي، فإن المسلم الحقيقي هو من يصنع السلام فى الأرض. وذلك يتفق مع قول الرسول عليه السلام "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده".  ويتفق أيضاً مع معنى رائع في الإنجيل يقول "طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون".

 المبدأ التاسع: العمل فى ضوء المبادئ العامة فى القرآن 

للقرآن مبادئ عامة واضحة وجلية، وهناك بعض المواقف الخاصة، لكن علينا فهم القرآن من خلال مبادئه العامة لأن المواقف الخاصة لها ظروفها التاريخية التي تحكمها.

ومن مبادئ القرآن العامة التي علينا فهم آيات الله من خلالها ما يلي: 

التعارف مع الشعوب والحضارات الآخرى {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.  
العيش فى سلام مع الآخرين { ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً }. عدم السخرية من غيرنا من الشعوب أو الأفراد {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ}. الالتزام بقيم العدل والإحسان في معاملة الناس {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}. الإنفاق ومساعدة المحتاج {فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } ( سورة الروم 38). عدم إكراه أحد على أداء شعائر الدين {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. حرية العقيدة {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. إطعام المسكين والمحتاجين {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}. أن يختار الإنسان أجمل التعبيرات حين يخاطب الآخرين {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}. الصفح عن الناس { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ }.

المبدأ العاشر: الله وحده هو صاحب الحق في حساب البشر

حين يذكر الله عز وجل أنه مالك يوم الدين وأنه هو وحده صاحب الحق فى حساب البشر {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} ( سورة الغاشية 25-26)، وحينما يقول لنبيه الكريم {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} (سورة المؤمنون 117)، فعلينا أن نتعلم من ذلك أن حق حساب البشر هو حق مطلق لله وحده لا ينازعه فيه أحد وأن أي محاولات من البعض لإصدار الأحكام على البشر ونعتهم بصفات مثل الكفر والشرك والفجور والزندقة وغيرها من التعبيرات هو منازعة لله فى حقه فى حساب خلقه. 

وهذه المبادئ العشر قد تساعدنا على فهم القرآن بطريقة أفضل من الفهم الحر في لآياته.

وللحديث بقية!  

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.