معان كثيرة ومشاعر مكسورة لا يدركها ويفهم مقاصدها إلا الفقراء وحدهم
معان كثيرة ومشاعر مكسورة لا يدركها ويفهم مقاصدها إلا الفقراء وحدهم

خلال الحملة الاعلامية التي رافقت العملية الانتخابية الأميركية بين المرشحين الديمقراطي والجمهوري، دأبت بعض الوسائل الاعلامية العربية، من خلال تعريفها بالرئيس بايدن، والتوقف عند أبرز محطات سيرته الشخصية والمهنية، تكرار التركيز بشكل خاص على نشأته كطفل وسط أسرة فقيرة.

وفي تزامن غير مقصود، تبادل مشتركو وسائل التواصل الاجتماعي صورة عائلية قديمة تخص البروفسور أوغور شاهين، مؤسس شركة بيونتيك الألمانية التي طورت مؤخراً لقاحاً لكوفيد-19 بالتعاون مع شركة فايزر الأميركية، يظهر فيها البروفسور وهو طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، وسط أفراد أسرته التي تبدو ذات منشأ تركي ريفي فقير، تفوق فيها الطفل أوغور وشقيقتاه "رغم فقرهم"، بحسب الشرح المرفق بالصورة.

 

كأن لسان حالهم يريد أن يقول في هذا الصدد: "انظروا إلى أولاد الفقراء كيف يتفوقون، وإلى أين وصلوا؟"

في التفسير المزدوج المتعلق بسيرتي هاتين الشخصيتين المتميزين، اللتين تحضرا هنا كأنموذجين لا أكثر، يكمن المعنى الذي أريد إيصاله للعامة، بأن المنشأ الفقير لا يعيق الطموح ولا حلم النجاح والتفوق اللاحق. وهو معنى، إن تمت قراءته بنوايا حسنة من جانبه الظاهر، يستعمل كثيراً في الإضاءة على حالات مماثلة لشخصيات بارزة في الحياة، في سبيل امتداحها والإعجاب بها.

ويستعمل أيضاً للتدليل على عصاميتها واجتهادها الفردي ورحلة الكفاح التي خاضتها، الممتزجة دون شك بمعاناة ما تختلف بحسب ظروف حياة كل شخصية، وهي معاناة تسجل عادة كقيمة مضافة للسيرة الذاتية، حال تحقيق أحدهم لطموحه ونجاحه في الوصول إلى مراكز مرموقة أو مناصب بارزة أو قيادية عليا.

لكنه معنى أيضاً ذو حدين، قد يحمل في جانبه الخفي بعداً تمييزياً، ظاهره بريء وعمقه جارح، يشهره البعض بقصدية غير سليمة، ويراد به التنبيه والإشارة إلى الفارق الطبقي، الذي يلحظه ويركز عليه البعض من أصحاب الذهنيات الفوقية والمتعالية، وكأن لسان حالهم يريد أن يقول في هذا الصدد: "انظروا إلى أولاد الفقراء كيف يتفوقون، وإلى أين وصلوا؟".

وهو تعبير كثيراً ما استعمل ومازال، في مجالات متعددة ولغايات مختلفة، تُرصد ترجمته كثيراً في الجانب التربوي، من خلال ردود أفعال بعض الأهالي الميسورين مع أطفالهم عند تراجعهم الدراسي، وذلك عبر لفت نظر أطفالهم إلى أن أقرانهم من التلاميذ الفقراء في مدرستهم، أو الاستشهاد بأمثلة قريبة مثل أولاد مستخدميهم (الشغّالة أو السائق أو حارس البناء)، قد سبقوهم وتفوقوا عليهم وصاروا أكثر نجاحاً.

دون الانتباه إلى أن إجراء هذه المقارنة قد يتسبب بقهر مضاعف للطفل الفقير وذويه معاً، عبر التذكير المستمر بالفقر رغم التميز، كما يمكن أن يتسبب بشحنة سلبية مضاعفة من الاحساس بالغيظ والتعالي الطبقي لدى الطفل المنعَم اتجاه زميله الفقير، الذي تجرأ ونافسه على مناصب النجاح والتفاخر. 

في الجانب العملي والوظيفي في الحياة، قد يستخدم المعنى من قبل البعض لامتداح أحد الشخصيات البارزة ذات المنشأ الفقير، واعتبار تجربته قدوة في الحياة ودرساً يحتذى لمعنى القوة وتحدي ظروف المعيشة القاسية، لكن في حال التحول إلى خصومة ما مع هذه الشخصية، يظهرون بواطن دواخلهم الحقيقية، ويعاد التذكير بفقر خصمهم المسجل مثل مذمة أو نقطة سلبية في ذهنياتهم، يتهامسون بها إلى الأبد، كوصمة يُغمَز من قناتها بغرض الاهانة المبطنة والتحقير الطبقي في الوقت المناسب، ويحضرني مثال عن فنان تشكيلي عربي من منشأ فقير للغاية اضطر للعمل كعامل تنظيفات لاستكمال دراسته، وبعد أن تفوق وبات اليوم من أهم مشاهير الفن التشكيلي العالميين، بات البعض يغار من نجاحه، ولا يفوت فرصة للتذكير بماضيه والهمس  بخبث كلما التمعت سيرته بأنه كان، عامل تنظيفات.

معان كثيرة ومشاعر مكسورة لا يدركها ويفهم مقاصدها إلا الفقراء وحدهم، ممن استطاعوا النجاة من فقرهم وقفزوا نحو مراكز مميزة، ورغم أن معظمهم يتفاخر ظاهرياً من منشأه الفقير كسبب جوهري حرضه على التحدي والنجاح اللاحق، إلا أن تفاخره هذا لا يمسح ذاكرته المثقلة بالتفاصيل الجارحة، ابتداء من مدير المدرسة وكيف كان ينظر إليه ولذويه بشفقة أو ازدراء بسبب فقرهم، أو كيف كان أحد تلاميذ الصفّ المنعمين يسخر من ملابسه، وكيف كان يقطع الطريق للمدرسة بحذاء مهترئ في ظروف جوية قاسية ومعدة خاوية معظم الأوقات، أو ماذا واجه من انكسار معنوي حين فكر بالارتباط من ابنة أسرة ميسورة، وكيف توقفوا وقيموا أصله ومنشأه الفقير السابق، دون اكتراث كبير بأهمية منصبه ونجاحه الحالي.

 

 

أثبتت جميع التجارب والخبرات أن الفرد الذي ينشأ في بيئة صحية ومعيشية مرتاحة ومقبولة نسبياً يتفوق بدوره، دونما حاجة لإذاقته مرارة جحيم الفقر وهول المعاناة

 

من حسن الحظ أن قلّة من الفقراء يحظون بأسرة طيبة تدفع تضحيات باهظة من أجل تعليم أطفالها وتقويمهم أخلاقياً، وتضعهم في أول الدرب الصحيح الذي يقودهم لاحقاً نحو التميز والنجاح، لكن الأغلبية قد لا يحظون بهذه الفرص العائلية والتربوية والأخلاقية، وإن استطاعوا تحقيق شأن ما في مستقبلهم، سيظل الحقد على المجتمع منتعشاً في ذاكرتهم، ويسعون إلى إجبار مجتمعاتهم لاحقاً لدفع الثمن الباهظ لفاتورة الكراهية المؤجلة، مثل بعض الشخصيات الديكتاتورية أو العسكرية ذات المنشأ الفقير للغاية، التي حكمت لعقود وفقاً لسياسة الحقد المقيمة بذاكرتها، والتي شملت آثار ضغائنها مجتمعاتها الميسورة وغير الميسورة، ولم تحسن من شروط عيش  فقرائها، بل زادتهم عدداً وقهراً.

لا يمكن للعالم أن يحدّ من تغول الفقر، لكن من الممكن التخفيف من تمجيد المعاناة وامتداح الفقر كصانعين للتميز والمتميزين، إذ أثبتت جميع التجارب والخبرات أن الفرد الذي ينشأ في بيئة صحية ومعيشية مرتاحة ومقبولة نسبياً يتفوق بدوره، دونما حاجة لإذاقته مرارة جحيم الفقر وهول المعاناة.

وأنا أختم مقالي هذا، ورد نبأ رحيل العظيم مارادونا، أجمل لاعب عرفته البشرية في عصرها الحديث، ورغم إنجازاته الكروية التي لا تحصى، الواجب الحديث عنها في هذه المناسبة الحزينة، مازال البعض يهوى تذكيرنا بمنشأ مارادونا الفقير.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.