تسيطر المغرب على 80% من الصحراء الغربية
تسيطر المغرب على 80% من الصحراء الغربية

أعادت أزمة معبر "الكركارات" قضية الصحراء الغربية إلى واجهة الأحداث، حين أقدمت عناصر موالية لجبهة البوليساريو، في أكتوبر الماضي، على غلق المنفذ البري الوحيد للمغرب صوب عمقه الإفريقي، انطلاقا من الحدود مع موريتانيا. ما اضطر الجيش المغربي للتدخل لإقامة طوق أمني وفتح المعبر أمام العابرين والشاحنات التجارية التي ظلت عالقة قرابة شهر.

ولأن معبر "الكركارات" يوجد داخل المنطقة العازلة، فهو يخضع عمليا لسلطة بعثة الأمم المتحدة "المينورسو"، لذلك اعتبرت البوليساريو التدخل المغربي خرقا لإنهاء وقف إطلاق النار. وأضافت الجبهة بأنها أصبحت في حل من القرار الأممي الموقع عام 1991. بل إنها زعمت مهاجمتها بعض النقط المتفرقة الموجودة تحت السيطرة المغربية، مما يشي بالرفع من حدة التوتر ويهدد بتطويق المنطقة المغاربية بالحروب، بعد الحرب في ليبيا التي لم يخمد أوارها منذ انهيار نظام العقيد القدافي.

وقد تحولت إلى حرب إقليمية، يغذي وطيسها تدخل أكثر من جهة وقوة عربية ودولية. يضاف إلى ذلك الحرب القائمة ضد الإرهاب في المنطقة، ومطاردة تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" على الحدود مع دول الساحل وجنوب الصحراء.

تنحية الجامعة وعجز الاتحاد

توصف قضية الصحراء الغربية بأنها أقدم النزاعات في المنطقة العربية. لكنها لم تحظ بالتعامل المفترض عربيا، إذ كشف النزاع المستمر في غرب الخريطة العربية عن عجز منظمة الجامعة العربية في احتواء "ملف الصحراء" عربيا، وأوضح بجلاء ضعف "الجامعة" كقوة إقليمية، وعدم توفرها على آلية فعالة لتسوية النزاعات بين الدول العربية، مما دفع البعض إلى رمي الجامعة بالفشل واستنفاد ضرورة بقائها. وحسب مسؤول من الجامعة العربية، فإن أطراف النزاع هم من طلبوا منذ البداية بتنحية الجامعة ما دام الملف مطروحا لدى الأمم المتحدة. 

في مؤتمر القمة العربية بالرباط (1974)، التي تبنت الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. اغتنم الحسن الثاني لقاء القادة العرب في مملكته، وطرح قضية تحرير الصحراء الغربية، وكانت تحت سيطرة إسبانيا برئاسة الدكتاتور الماريشال فرانسيسكو فرانكو. فتلقى الحسن الثاني من الملوك والأمراء والرؤساء كامل التأييد. ومما تسرب عن كواليس ما قبل القمة أن الحسن الثاني طلب من قيادي كبير في منظمة التحرير الفلسطينية، هو أبو إياد (صلاح أبو خلف) الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالرئيس هواري بومدين، المساعدة في وساطة لإيجاد تسوية مع الجزائر. ويذكر أن بومدين صرح في تلك القمة العربية "بأن مشكلة الصحراء لا تهم سوى المغرب وموريتانيا، وأن الجزائر مع الدولتين، وتؤيد تحرير كل شبر من الأرض، لا فقط في الصحراء الغربية بل أيضا في"سبته" ومليليه" وكل الجزر التي لا تزال تحت الاحتلال الإسباني". 

قبل أن تكتمل سنة على هذا التصريح المؤيد للمغرب، سيفاجأ المغاربة بالجزائر تنازعهم حقهم في الصحراء. ولا يزال بعض المغاربة ممن يحنون إلى تاريخ "الإمبراطورية المغربية" في القرون الماضية وخريطتها الممتدة إلى نهر السينغال جنوبا، يذكرون بأن الاستعمار الفرنسي اقتطع من الخريطة التاريخية للمغرب موريتانيا، وأنه تم قضم أراض للمغرب على حدوده الشرقية وضمها للجزائر التي كان ينوي الفرنسيون الاستيطان فيها، وكان يسمونها "فرنسا الثانية"، وأن الدور وصل إلى الصحراء الغربية.

باءت كل المحاولات العربية والإفريقية لرأب الصدع بين الجارين الجزائر والمغرب. واندلعت الحرب بين المغرب من جهة، والجزائر خلف غطاء جبهة البوليساريو، حرب دامت حوالي 16 عاما، وسجلت خسائر فظيعة في الأرواح والعتاد على حساب التنمية والتقدم في كلا البلدين الجارين. ولم يتوقف النزاع المسلح إلا في 1991 بضغط أممي. ثم أخفقت الوساطات المتتالية والمفاوضات المباشرة بين البوليساريو والرباط في الوصول إلى أي اتفاق لحل النزاع، كما فشل إجراء الاستفتاء حول تقرير مصير ساكنة الصحراء.

سورية حافظ الأسد لم تتأخر منذ البداية في دعم البوليساريو، وقد استقبلت سورية أعدادا من الشباب الثائر للتدريب في معسكرات الزبداني في بداية السبعينيات بهدف قلب نظام الحسن الثاني

هو الفشل ذاته الذي ينطبق على موقف الجامعة العربية من القضية، يجري على "الاتحاد المغاربي"، الذي عندما رأى النور في  فبراير 1989 بمدينة مراكش، شكل بارقة أمل لحل نزاع الصحراء الغربية. لكن هذه المنظمة الوليدة وجدت نفسها مشلولة بسبب قضية الصحراء الغربية، ليس ذلك فحسب، بل إن العجز أصاب أوصال هذا الاتحاد وجعله يراوح مكانه، ما أفقده معنى وجوده في نظر البعض.

عزلة عربية لجمهورية الانفصاليين

كان العراق هو الدولة العربية الوحيدة التي عبرت منذ اندلاع النزاع، عن موقف واضح إلى جانب المغرب في قضية الصحراء. وترجمت بغداد موقفها المؤيّـد لمغربيتها بدعم اقتصادي، تمثل في تزويد المغرب بالنفط بأسعار تفضيلية ومساعدات، وهو الأمر الذي دفع الجزائر إلى تبني موقف إيران خلال حربها مع العراق.

أما سورية حافظ الأسد فلم تتأخر منذ البداية في دعم البوليساريو، وقد استقبلت سورية أعدادا من الشباب الثائر للتدريب في معسكرات الزبداني في بداية السبعينيات بهدف قلب نظام الحسن الثاني. وقد تبادل حافظ الأسد الكره الشديد مع الحسن الثاني، "إذ كان يلومه على دس أنفه في شؤون الشرق الأوسط، ومنحه جوازات سفر مغربية لرفعت الأسد (شقيق حافظ الأسد)، حين فر من سورية بعد فشل تمرده العسكري، وهو أمر لم يغفره الأسد للحسن الثاني أبداً". كما ورد في كتاب "الأمير المنبوذ"، أو "سيرة أمير مبعد" للأمير مولاي هشام (ابن عم الملك محمد السادس). (دار الجديد، بيروت، 2016).

عرف عمن سيصبح أول أمين عام للبوليساريو (مصطفى الوالي السيد)، أنه من الشباب المتحمسين لاستقلال الصحراء ضمن السيادة المغربية. وكان بصحبة مجموعة من أقرانه الصحراويين ينشطون في إطار الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تحت رعاية المعارض اليساري الفقيه محمد البصري، الذي كان يأويهم في الدار البيضاء بمنطقة "دار التوزاني". وعندما التحق الفقيه بالخارج عمل على تقديم الشاب الثائر مصطفى الوالي السيد إلى العقيد الليبي، فكانت ليبيا هي من زودت البوليساريو عند نشأتها سنة 1973 بالسلاح والمال، ولم تكن فكرة الانفصال عن المغرب واردة لدى الفقيه البصري، بل كان تصوره هو خلق "بؤرة ثورية" تنطلق من الصحراء لقلب النظام الملكي، تأسيسا على الفكرة التاريخية أن كل الدول التي حكمت المغرب أتت من الصحراء، بمن فيها الدولة العلوية الحاكمة في المغرب اليوم منذ 1666.

ورغم أن ليبيا كانت أول دولة أغدقت على البوليساريو بالدعم العسكري والسياسي، إلا أنها لم تعترف بـ"الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، وقد كشفت وثيقة لـ"السي أي أيه،" رفعت عنها السرية مؤخرا، أن يوم إعلان الجمهورية الصحراوية في 27 فبراير 1976، قال القدافي "أعلن أمام التاريخ أنني لم أكن لأقف ضد المغرب لو لم أكن على يقين أن الشعب الصحراوي الذي تقوده الجبهة (البوليساريو) لا يعارض الانضمام إلى المغرب".

هو الأمر نفسه الذي سلكته جميع الدول العربية، باستثناء موريتانيا، في سنة 1984. ودولة اليمن الديمقراطي التي انتهى اعترافها باندماجها ضمن الوحدة اليمنية سنة 1990. 

لكن الحسن الثاني سينجح في تحييد أكبر داعم للبوليساريو، عندما عزف على الوتر الحساس للقذافي المهووس بالوحدة العربية. لبى القدافي دعوة الحسن الثاني، الذي استقبله عند حدود المغرب مع الجزائر في مدينة وجدة التاريخية، ووقع معه عام 1984 اتفاقية إنشاء "الاتحاد العربي الإفريقي".

أما مصر، فمنذ سنوات حكم حسني مبارك، بقيت دائما متحفظة في تعاملها مع ملف الصحراء الغربية. واتضحت ميول الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى جانب زملائه جنرالات الجزائر

معظم الدول العربية ظلت محرجة وملتزمة بالحياد حيال قضية الصحراء الغربية. إلا أن دول الخليج، ستبدي تدريجيا وقوفها إلى جانب المغرب، انطلاقا من دعمها لموقف مجموعة دول الساحل الخمس المدعومة من فرنسا، في مسعى للتصدّي للاستثمارات الإيرانية المتزايدة ونفوذ طهران المتعاظم في المنطقة، خصوصا بعد إعلان المغرب قطع علاقاته مع إيران، التي تتهمها الرباط بمد جبهة البوليساريو بالدعم اللوجستي والتقني عن طريق السفارة الإيرانية في الجزائر، ومن خلال حزب الله اللبناني.

أما مصر، فمنذ سنوات حكم حسني مبارك، بقيت دائما متحفظة في تعاملها مع ملف الصحراء الغربية. واتضحت ميول الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى جانب زملائه جنرالات الجزائر، ولم تستطع مصر إخفاء مناوءتها لعودة المغرب إلى الاتحاد الافريقي سنة 2017، إذ غاب اسم مصر عن قائمة الدول الموقعة على عودة المغرب للمنظمة الإفريقية. ويكثر الكلام عن "ريبة مصرية" من نفوذ اقتصادي مغربي متزايد بإفريقيا.

إيران، فلسطين.. ومقايضة! 

في الأحداث الأخيرة المتصلة بحدث "قضية الكركرات" استمرت القاهرة في التحفظ إزاء النزاع الصحراوي، ما يفسر بالتأييد الضمني للأطروحة الانفصالية للبوليساريو.
حصل ذلك في سياق الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران، وخطة واشنطن المعادية لدولة الملالي في طهران. لكن جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق، كان ميالا إلى الضغط على المغرب والبوليساريو لدفعهما إلى تطيبق "خطة بيكر" بإجراء الاستفتاء.

وبعد إبعاد الرئيس ترامب لجون بولتون من مهمته، وقع تسريب "خطة ترامب- نتنياهو"، التي تنضوي تحت مسمى "صفقة القرن". وتحدثت تقارير أجنبية، عممتها وسائل إعلام إسرائيلية، عما سمي بـ"مقايضة" أميركية لدعم مغربي محتمل لخطة ترامب مقابل اعتراف أميركي بمغربية الصحراء الغربية. وهو ما لم يحصل حتى الآن.

علما أن المغرب لم يعلن رفضه بوضوح لـ"صفقة القرن". إذ علقت وزارة الخارجية المغربية عند إعلان الصفقة أن الرباط "تقدر جهود السلام البناءة المبذولة من الإدارة الأميركية"، وأن المغرب "سيدرس تفاصيلها بعناية فائقة". لكن المغرب شدد على أن القرار النهائي لا بد أن يكون موضع مفاوضات بين الأطراف المعنية طبقاً للشرعية الدولية. 

مصادر إسرائيلية وأميركية أكدت أن "المقايضة" لا تزال قائمة، وأن الأرجح هو تأجيل وبحث عن الظروف والأجواء المواتية لتمريرها، خصوصا إزاء التعاطف الشعبي التاريخي لشعب المغرب مع القضية الفلسطينية.

وما يحدث حاليا عبر نشر مقالات تستعدي الشعب المغربي ضد القضية الفلسطينية والفلسطينين، كونهم يدعمون البوليساريو، وأن السفير الفلسطيني في الجزائر أدلى بمواقف معادية لاستكمال الوحدة الترابية للمغرب. ويتزعم هذه الحملة بعض دعاة التطبيع وضمنهم غلاة الحركة الأمازيغية المعروفون بتأييدهم لإسرائيل، وقد أصبحوا في الآونة الأخيرة يجاهرون بمواقفهم ومعاداتهم للقضية الفلسطينية ولكل ما هو قومي عربي.

وقد سبق لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أن صرح في البرلمان أن "ما يهم المغرب هو موقف السلطة الفلسطينية من موقفنا، وليس ما تقوله الصحافة". كما عبر رئيس الحكومة سعد الدين العثماني (إسلامي) بوضوح عن موقف المغرب المساند بقوة للقضية الفلسطينية.

وكان نائب من حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة حاليا، قد شكك في تدوينة له بالفيسبوك، في مبادرة دولة إلإمارات العربية بفتح قنصلية لها بمدينة العيون في الصحراء. 

ويحذر البعض من المعارضين للتطبيع من قيام الإمارات بابتزاز المغرب ودفعه للتطبيع مع تل أبيب. وكانت العلاقة بين الملك محمد السادس وولي عهد الإمارات محمد بن زايد حتى وقت قريب تمر بأزمة معلنة. 

للتذكير، فإن العاهل المغربي محمد السادس ورث عن والده الحسن الثاني رئاسة لجنة القدس المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي. وبعد زيارة صهر دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشنير إلى الرباط، في الصيف الماضي، تناسلت الأخبار حول موعد قريب لإعلان التطبيع بين المغرب وإسرائيل. وكانت الصحيفة الإسرائيلية "يديعوت أحرنوت" قبل عام تحدثت عن استعدادات لفتح خط جوي مباشر بين تل أبيب والرباط. لكن محاولات إقناع الرباط لم تتوقف بأن الطريق لإكمال سيطرتها على الصحراء الغربية لن يمر إلا عبر "تل أبيب"، وأن "خط التطبيع" مفتوح باستمرار بين المغرب وإسرائيل منذ تأسيسها، يشهد على ذلك علاقات اقتصادية وثقافية وبشرية نشيطة، إذ لا تتوقف قوافل السياح الإسرائليين صوب المغرب، إذ الجواز الأزرق الداكن بشعار الشمعدان مقبول في الحدود والمطارات المغربية. 

فإلى أي حد يمكن تصور أن قضية الصحراء الغربية تطبخ الآن في مرجل "صفقة القرن"؟  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.