زوار يشاهدون الروبوتات التي يتم التحكم فيها عن بُعد في قاعة المعرض في مؤتمر الإنترنت العالمي في Wuzhen بمقاطعة Zhejiang شرق الصين
زوار يشاهدون الروبوتات التي يتم التحكم فيها عن بُعد في قاعة المعرض في مؤتمر الإنترنت العالمي في Wuzhen بمقاطعة Zhejiang شرق الصين

من مفاجآت التاريخ التي تحدث عنها مارك فيرو في كتابه "ألاعيب التاريخ"، صحوة الصين. قبل أن تحل جائحة كورونا التي نشأت هناك، والتي قد تغير الكثير، كانت جميع الانظار تتجه نحو الصين. القوة الاقتصادية الحاضرة للسيطرة على العالم. 

فقد نجح الحزب الشيوعي، وعلى رأسه ماوتسي تونغ الجديد Xi Jinping، في تدعيم سلطانه. النموذج السلطوي الجديد، يجمع بين الليبرالية المنافسة في الخارج، والتأطير الصارم للمجتمع المدني في الداخل.

بدأ هذا الصعود الخاطف للصين منذ عهد Deng Xiaoping، الذي حرر الاقتصاد في نفس الوقت الذي عزز فيه السلطة المطلقة للحزب. استكملت الحركة أيام شي جينبنغ. 

الصين لم تكن تساهم في عام 1975 سوى ب 0,7 في المئة من التجارة العالمية، قفزت هذه النسبة عام 2007 إلى 9 في المئة للصادرات و7,4 في المئة من الواردات. هذا النمو نتج عن سياسة دينغ تشياوبينغ تحت شعار "العصفور في القفص، لا تضغط عليه، ولا تفتح له، ليطير". أي ضبط التبادل الحر، مع الاحتفاظ التام بالسلطة السياسية. عكس الذي حصل في الاتحاد السوفياتي في بداية البيريسترويكا. 

الشعار هو "بلد واحد، نظامان". قصد بالنظام الثاني هونغ كونغ. لم يكن يراد القول إن مجمل الجماعات الصينية، التي تعيش في إندونيسيا وسنغافورة ولاووس وفيتنام أو ماليزيا، ستكون ضمنه.

انطلاقا من هذه الشبكات تم بناء اقتصاد قوي، لكنه غير ظاهر لأنه نتج عن البوتيكات، وليس عن المراكز الكبرى. لم يكن الغربيون ليتخيلوا أن بالإمكان إنتاج اقتصاد قوي من شبكة بوتيكات. كانت أعين أميركا تترصد القوة الصينية العسكرية وتراقب طموحاتها في تايوان.

لم يتمكن الغرب من قياس أهمية العلاقات غير العلنية وغير الدولتية بين المكونات المتقاربة جغرافيا للدياسبورا الصينية. في تنظيم تكاملي كان لدى صينيو تايوان إمكانية الوصول إلى التقنيات الغربية، وأولئك الذين في هونغ كونغ لعبوا دور منصة نحو الأسواق الخارجية حاملين تجربتهم المصرفية، بينما حمل الساحل الغربي القوة العاملة للسوق. 

وبدل ان تقوم البلدان الغنية المتطورة بتصدير السلع والتجهيزات نحو الصين مقابل المواد الأولية، كان العكس يحصل. أصبحت الصين قائدة في التجميع والتعاقد من الباطن (تعاقد مع المقاولين) خصوصا في الإلكترونيات. توسع حقل التصدير من القماش نحو الشاشات المسطحة ومؤخرا نحو الكماليات.

وعلى مشارف القرن الحادي والعشرين غزت المنتجات الصينية جميع رفوف محال العالم. 
بلغت الصادرات الأميركية إلى الصين في العقود الأولى للقرن الجديد 79 مليار دولار، بينما استوردت اميركا 280 مليار دولار. 

لا شك أن الصين برهنت عن موهبتها في أخذ مكان الغرب في ميدان البحث العلمي. تشابكت جهود الشركات مع الحكومة في القطاعات الأكثر أهمية. وهكذا تضاعف عدد المجلات العلمية ما بين عامي 2012 و2016 من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف مجلة علمية سنويا. ومديروها متمكنون من كل ما ينتج في السيليكون فالي وفي الولايات المتحدة عموما – حيث لا تنتشر المعرفة باللغة الصينية. أداؤهم يتطور ويتراكم في ميادين عدة في الذكاء الاصطناعي.

يشكل التغلب على الرؤيا الغربية للتاريخ هدفا للصين. ومحاربة فكرة أن نمو الطبقة الوسطى لا يمكن إلا أن يؤدي إلى الليبرالية. هذا "التلوث الفكري" القادم من الغرب لا يهدف إلا إلى إضعاف سلطة الحزب.

"غيّر الحلم معسكره"، أعلن الرئيس الصيني، شي جينبينغ. قاصدا حتمية أن تتخطى قوة الصين قوة الولايات المتحدة خلال عدة سنوات.

الصين الرقمية

يشير كتاب: "هل سيقتل الذكاء الاصطناعي الديموقراطية"، إلى أن استراتيجية الرئيس الجديد شفافة: استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مزدوج، ليضبط المواطنين وليصبح القوة الأولى في العالم في نفس الوقت.

وتسجل حاليا براءات اختراع أكثر من الولايات المتحدة. لا تطمئن الفاينانشال تايمز والنيويورك تايمز والفورين أفيرز للتقدم الصيني في IA المطبق في الميدان المالي والذي يهدد المؤسسات المالية الغربية. 

ويستنفر إريك شميدت عندما يستعيد تصريحات الحزب الشيوعي الصيني:" سيلحقون بنا من هنا حتى العام 2020، وفي العام 2025 سيصبحون أفضل. وفي العام 2030 سيسيطرون على صناعة الـ IA .

السؤال كيف تستخدم الصين قدراتها وقد أصبحت رائدة في البحث والتطوير العلميين وفي الرقابة؟

أطلقت اوروبا مجتمع المعرفة وتصنيع الذكاء الاصطناعي من دون الاهتمام بدمقرطة الذكاء البيولوجي. ففي مجتمع المعرفة، يجر التفاوت بين القدرات المعرفية إلى اختلافات تفجيرية في المداخيل وفي القدرة على الفهم وفي التأثير على المركز الاجتماعي.

اعترف Sergey Brin عام 2017 في دافوس أن IA يتقدم أسرع كثيرا من جميع التوقعات. وسيقلب تصنيع الذكاء الاصطناعي التنظيم الاجتماعي والسياسي، لأنه، للمفارقة، الأداة الأقوى للتمركز السياسي والاقتصادي الذي عرفته البشرية.

إن التفاوت المتصاعد بشكل هائل، بين تصنيع IA وبين دمقرطة الذكاء البيولوجي، الذي لم يبدأ بعد، يهدد من الآن وصاعدا الديموقراطية. لذا يجب التوظيف بكثافة في تجديد التربية، كما يفعل عمالقة الرقمي لأدمغتهم السيليسية silicium، بدل الجمود في وضعية انتظار وتردد بينما الساحة متروكة للبلدان التي تعيش وضعية معاكسة تماما، كالصين.

عكس جميع التوقعات، الصين: ultra- transhumaniste وتعمل على الإنسان الآلة

بوجه أوروبا المحافظة والخجولة فيما يتعلق بالبيولوجيا تنتصب الصين متخلية عن العِقد والثقافة الغربيين. تظهر دراسة Marianne Hurstel de l’agence BTEC الهوة الثقافية بين فرنسا والصين. فوجدت أن الصينيين أكثر تساهلا فيما يتعلق بالتكنولوجيا، ولا عقد لديهم في زيادة QI أطفالهم بواسطة الطرق البيوتكنولوجية، بينما يتقبل الفكرة 13 في المئة فقط من الفرنسيين. إنه منظور مرعب. 

دراسة جديدة تبرهن وجود هوة بين المنظورين فيما يتعلق بالقبول غير المشروط ل IA، ثلثا الصينيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤمن وظائف جديدة مقابل ثلث الفرنسيين. كما يقول قسم كبير باستبدال المحامي بالروبوت. فيما يعارض الفرنسيون ذلك بضراوة. و90 في المئة من الصينيين يقولون بعلاقات طيبة وصداقة مع الروبوت مقابل ثلث الفرنسيين.

أيضا على المستوى الجيني، تبدو الصين قابلة بشدة للتدخل الجيني على مستوى البشر. نجحوا في استنساخ قرد عام 2018. كما أنه سبق للصين أن مارست التعديل الجيني عند الأجنة رغم الموقف الدولي المعارض لهذه التجارب. يسود الصين توافق مشهدي على التعديل في الدماغ وعلى نشر الذكاء الاصطناعي. يكفي أن يسمح الحزب بذلك.

هذا كله يهدد بـ "لا مساواة" غير مسبوقة بين البشر، فيمتلك البعض، دولا وأفرادا، قدرات خارقة لا أحد يضمن كيفية استخدامها.

ليست المرة الأولى التي تنخدع فيها الديمقراطيات بسذاجة فيما يتعلق بالتكنولوجيا، سبق لسفير بريطانيا في أميركا عام 1868 أن أعلن أن التليغراف الذي أصبح عصب الحياة الدولية سينقل المعرفة ويمنع أسباب سوء التفهم وينشر السلام والانسجام.. كما سكة الحديد والطائرة وغيرها. 

حقبة التنكوتاتور

لم يفرمل الذكاء الاصطناعي أنظمة الاستبداد، بل على العكس شكل لها المفاعل النووي الذي أطلق لها العنان. يعتقد Jack Ma، الذي أسس "علي بابا"، أن الذكاء الاصطناعي سيسمح بقيادة الاقتصاد الصيني أفضل مما يفعل السوق الرأسمالي. 

قبل وباء كوفيد 19 وربط جميع الهواتف الذكية بمراكز الأمن الصينية، وصف الاقتصادي والكاتب أوليفييه بابو في l’opinion الواقع المرعب للنظام الصيني. في قطار بكين –شنغهاي، يمكن للركاب أن يسمعوا الإعلان التالي:" الركاب الأعزاء، من لا يحمل بطاقة سفر، يتصرف بشكل غير مناسب، ويدخن في الفضاء العام، سيعاقب حسب النظام وسيتم الإبلاغ عنه انطلاقا من الرصيد الشخصي. تفضلوا وتقيدوا بالنظام." 

ويشير بابو إلى أن الصين أرست خلال عدة سنوات أول نظام رقابة للسلوك من دون هوادة في تاريخ البشرية. طال جميع الأفعال على الشبكة والتبادلات على الوسائط الاجتماعية والتنقلات والمشتريات.

إن مذكرة الائتمان الاجتماعي المخصصة لكل مواطن هي التي تسمح له بالسكن والتنقل وتسجيل أولاده في الجامعة. بكلمة جميع أوجه حياة الصينيين هي موضع رقابة مركزية. ما يجعل ماو وستالين وأمثالهما يتحسرون غيرة. 

لا شك أن مستبدي العالم الثالث سيستمرؤون منذ الآن جدار الحماية الرقمي الصيني، الذي يسمح – بفضل IA- برقابة فائقة الفذلكة من دون تعطيل الاعمال.

هل الديموقراطيات الغربية محصنة تجاه هذا الخطر الديكتاتوري؟

إن تراجع الديموقراطية لا ينحصر بالبلدان الصاعدة: المواطنون الغربيون هم أيضا مراقبون من الدول. فالأنظمة الأمنية قلصت الحريات وسمحت بالرقابة الجماعية بحجة مكافحة الإرهاب. والآن بسبب كورونا. 
لن تعيش الديموقراطيات إلا إذا استطاعت إيجاد بديل فعال للنموذج الاستبدادي السوبر- ممركز الصيني. وإلا ستكون نسخة لطيفة عنه. سننتظر شكل العالم القادم بعد كورونا.

المراجع المستخدمة:
Laurant Alexandre-  Jean François, Copé: L’ I A va-t-elle aussi tuer la Démocratie? J.-C. Lattѐs, 2019, Paris. 
Marc Ferro: Les ruses de l’histoire, Tallandier, Paris, 2018.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.