في العراق تتصارع على شرعية الدولة قوى موازية تهيمن أذرعها على النظام السياسي
في العراق تتصارع على شرعية الدولة قوى موازية تهيمن أذرعها على النظام السياسي

الشرعية، هي ذَلك المَسلك الطبيعي المتوافُق مع وُجود الدَولة، وتُشير إلى الإذن الأخلاقي لها بمُمارسة الإجبار، ولذلك تَقترن بواجب الخضُوع والطَاعة، والذي يكون قابلا للتبرير في ذهن المُواطِن. ويبدو أن الشرعية، بهذا المفهوم غائِبة عن النظام السياسي في العِراق، ولا يلتمس المُواطِن وجودها أو تأثيرها على تفاصيل علاقته مع المؤسسات السياسية. 

الصراع على الدَولة في العِراق، يتخذ مَنحى خَطِيرا يتجاوز مسألة صِراعات الهويات الطائفية والقومية، فهو الآن يُعبر في جوهرهِ عن صِراع الشرعيات. إذ غالباً ما بات تُغلف سجالات الفُرقاء السياسيين بعناوين تُريد الإيهام بشرعيتها. 

وفي الوقت الذي يُفترض بأن نِظامنا السياسي يستمد شرعيته من انتخابات دورية، إلا أن الواقع السياسي الآن محكوم بإرادات سياسية تستمد شرعيتها من عناوين رمزية، وعائلية، وقوة السلاح. وحاصل اجتماع هذه الإرادات هو من يتحكم بالحياة السياسية ومؤسسات الدولة في العراق. 

ولو أمعنا النظر إلى إدراك الشرعية وجميع ما تُمثل في وعي الطبقة السياسية والمجتمع، نجد أنها تُعبر عن الوعي المأزوم بالدَولة. مرة تجدهم يتحدثون عن شرعية "نِضَالهم" في مُعارضة النظام الدكتاتوري السابق، وبعضهم يَعتبر شرعيته مستمده من رمزيات وانتماءات عائلية دينية وسياسية كان لها حضور في تاريخ العِراق السياسي، وأيضاً يعتبر آخرون مصدر شرعيتهم من المناصب السياسية التي استولوا عليها بعد تغيير النظام في 2003. 

الشرعيات الموهومة للقِوى، الموزاية للدَولة، عملت على تقزيم شرعية النظام السياسي القائمة على أساس الانتخابات، ومن ثُم تحولت الديمقراطية في العِراق إلى نظام مشوه غُيبت عنه الشرعية، وبات نظاما بلا حُراسة بسبب تَغيب شرعية المؤسسات السياسية لصالح عناوين شرعية موهومة تُروج لها عناوين زعامات ومكونات طائفية وقومية، وبالنتيجة أصبح نظام تحكمه أوليغارشيات، عائلية، وسياسية، وليس الإرادة الشعبية.  

ضاعت شرعية الحكومة في بغداد وأصبحت الحلقة الأضعف في صراع الشرعيات

وتعود هَشاشة الشرعية البنيوية، للدَولة العراقية لثلاثة أسباب رئيسة: الأولى، أن شرعية النظام السياسي لا تزال مِحور السِجالات، لأن سُقوط النظام السابق تم عبر التدخل العسكري المُباشِر لقوة أجنبية كان لها كلمة حاسمة في التغيير، وثانيهما أن الشرعيات التقليدية التي في مجتمعات ما قبل الدولة كان لها حضور فاعل ومؤثر في تشكيل النظام السياسي الجديد وتمثلت بعناوين زعامات المعارضة ورجالات الدين وزعماء قوميين وحاولت تَرسيخ نفوذها في بنية المنظومة السياسية التي كانت ولا تزال تعلو على الشرعية الدستورية، وثالثهما؛ غياب مشروع سياسي وطني لبناء "الدولة-الأمة" ويعطي الأولية لكيان سياسي يكون قادراً على احتواء جغرافية العِراق من دون النظر إلى تقسيمات الخريطة على أساس طائفي وقومي، ويواجه مشاريع دول الإقليم التي تنظر إلى العِراق باعتباره مكونات وليس دولة تحتوي مكونات. 

والآن في العراق، تتصارع على شرعية الدولة قوى موازية تُهيمن أذرعها الأُخطبوطية على النظام السياسي، بعضها يستمد شرعيته من عنوان المُقاومة التي بدأت نشاطِها ضد التواجد العسكري الأميركي واستمرت بهذا العنوان لمواجهة تنظيم داعش. ومُشكِلة العناوين السياسية التي ترفع شعار المُقاومة، تُريد أن تبقى تعمل وتفكر بالشعارات التي ترفعها في المواجهة والصدام حتى مع الحكومة التي هي مشاركة فيها أو شاركت في منحِها الثقة! ولذلك هي لم تتجاوز اللحظة التي منحتها الشرعية، وإنما تُريد الإبقاء عليها حتى وإن تحولت إلى مجرد شعار سياسي يَفتقد لأي جَدوى عندما لا يكون المواطن وكرامته وحياته ورفاهيته غايتها.

وضاعت شرعية الحكومة في بغداد، وأصبحت الحلقة الأضعف في صراع الشرعيات، لأنها باتت تخضع لتجاذبات ضغوطات الجمهور الذي يَعتبرها مسؤولة أمامه في توفير احتياجاته المعيشية وتأمينها باعتباره "مصدر الشرعية" وفق الدستور، وفي الطرف الآخر زعمات الطبقة السياسية تُريدها أن تلتزم بالصفقات والتوافقات التي على أساسها تم منحِها الثقة. 

ولذلك هم يعتبرون الحكومة مسؤولة أمامهم وليس أمام الشعب، وأنهم أعلى من المساءلة والمحاسبة على الأخطاء التي ارتكبوها بحق العملية السياسية والشعب على مدار الأعوام السبعة عشرة الماضية. 

النظام في العراق تحكمه أوليغارشيات عائلية وسياسية وليس الإرادة الشعبية 

بالمقابل، وبعد أن استعصمت أزمة شرعية النظام السياسي على العلاج وعقمت فيها الحلول دخلت احتجاجات أكتوبر من العام الماضي على خط التقاطعات في الشرعية، وتريد أن تثبت للطبقة السياسية والحكومة أن التضحيات التي قدمتها في معركتها مع عجز النظام سياسي والأوليغارشيات السياسية عن الاستجابة لمتطلباتها، باتت تفرض نفسها في معادلة سياسية عملت على تغيب المواطن بعناوين طائفية وقومية. ومن ثم آن الأوان أن يكون لها حضور في حسابات قوى السلطة لا سيما أن شرعية الاحتجاجات لم تعد رهينة المطالب الإصلاحية، بل ثبتت نفسها بدماء الشباب في ساحات التظاهر.  

صراع الشرعيات، هو السبب الرئيس بغياب شرعية المنجز التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية، فالحكومة لم تعد مهمتها الاستجابة إلى تطلعات جمهورها والعمل على تحقيق رفاهيته، وإنما أصبحت مهمتها الرئيسة تنظيم صراع الشرعيات والتعبير عن التوازن بين الأقطاب السياسية الفاعلة في النظام السياسي، لأنها- أي الحكومة- لا تَعتبر شرعيتها مستمدة من الجمهور مباشرة وإنما من الزعامات السياسية التي مَنحت رئيس الحكومة والوزراء الشرعية! 

ولا يمكن أن تتبجح الحكومة والطبقة السياسية بشرعية الانتخابات، لأنها بهتت وضاعت بين ضجيج القتل وأنين الضحايا وانكسار الأمن وتشقق المجتمع في خضم صراعات توجهها مصالح زعماء الكلبتوقراطية. فلم يعد كافياً الاتكاء على شرعية الانتخابات من دون أن تصحبها شرعية المنجزات، إذ أن الانتخابات وَسيلة وليست غاية بذاتها، وَسيلة الوصول إلى حكم عادل ورشيد عبر تحقيق سياسات القوى الفائزة والبرنامج الحكومي المُنبثق عنها.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.