العربي لا يزال في جوهر وعيه كائنا تراثيا
العربي لا يزال في جوهر وعيه كائنا تراثيا

هل لا زال العرب يعيشون خصوصيتهم الثقافية/ الأخلاقية التي توارثوها عن "الأسلاف العظام" منذ مئات السنين، أم أنهم استطاعوا الانخراط في مسار العولمة الكونية بكل أبعادها، خاصة الأبعاد الثقافية/ الأخلاقية الفارقة، التي تجد جذورها في تراث التنوير الأوروبي؟

وإذا كانوا لم يتعولموا ـ تنويرياً ـ بَعدُ؛ على هذا المستوى الثقافي/ الأخلاقي الفارق، فهل من الممكن أن يفعلوا ذلك (على مستويين: مستوى الإرادة وعلى مستوى الاستطاعة) في المدى المنظور؟ 

ثم، إذا امتلكوا ـ افتراضا ـ "طاقة الإرادة" فأرادوا، وتوافروا ـ حقيقة أو وهما ـ على مُقوّمات "الاستطاعة" فاعتقدوا أنهم استطاعوا؛ فهل يعون الثمن الذي يجب عليهم دفعه كشرط للانخراط في القيم/ الأخلاق الكونية/ العولمة الثقافية؟

ثم إذا افترضنا أنهم كانوا يعون حجم الثمن الباهظ الواجب دفعه في مثل هذه الحال؛ فهل هم مستعدون لذلك، هل هم مستعدون لدفعه ـ مع الوفاء بكل شروط الدفع ـ؛ دونما تأزّمات/ عُقَد من شأنها أن تعيق المسار، بل وأن تدفع به في الاتجاه المعاكس الذي قد يخلق وضعا أكثر مأساوية مما هو عليه واقع الحال؟  

هذه أربعة أسئلة تُشَكّل محاورَ رئيسية لموضوع هذا المقال. والإجابة عليها تحتاج لما يتجاوز مساحة هذا المقال بكثير. لكن، سنحاول تناولها بإلماحات مختصرة، بل ومختزلة؛ من حيث إن ما نخطّه هنا ليس أكثر من مقال جماهيري يخاطب أكبر قدر من شرائح المعنيين بإشكالية التخلف العربي المزمن، وهم هنا عموم القرّاء الواعين الذين يقفون على هرم أربعة أو خمسة أجيال احترقت زهرة أعمارها وهي تعيش حرب الأسئلة الشائكة المُقْلقة في هذا المجال.

طبعا، أعترف أني في كل ما أكتبه لا أناقش أولئك الذين يرون التقدم والاستنارة والدخول إلى فضاءات أزمنة الحداثة (= مسار التحضّر الحقيقي)، إنما يكون بمجرد تحقيق شيء من المنجز المادي: بناء الأعلى من ناطحات السحاب، والأفخم من المطارات والجسور والأنفاق والموانئ...إلخ مظاهر الاشتغال على البنيان؛ دون الإنسان. 

هؤلاء مطمئنون إلى السطح الذي يقفون عليه أو يريدون أن يقفوا عليه، الأمور لديهم محلولة منذ عشرات السنين، والمهمة ـ في نظرهم ـ عابرة وسطحية ومختزلة، بحيث إن الإنجاز فيها يقع على عاتق شركات المقاولات، وليس على المشاريع الثقافية النوعية التي تشتغل على "الإنسان" في الإنسان؛ بالاشتغال على العقل الإنساني (حيث تمتهن مثل هذه المشاريع الثقافية النوعية تفكيك عقل الإنسان، وتعيد ترتيبه في آن)؛ على ضوء آخر مستويات تطوّر الوعي بالإنسان.

في المحور الأول/ الإجابة على السؤال الأول، نجد أن كل المؤشرات ـ أو على الأقل: معظمها ـ تُؤكّد أن نظام الأخلاق العربية (الأخلاقي من حيث هو: التمظهر العملي للثقافي) لا يزال منفصلا عن الأخلاق الكونية/ العالمية، بل متنافرا معها في كثير من الأحيان، في الوقت الذي هو فيه مشدود إلى الأخلاق التراثية الموروثة التي تمتد في العمق التاريخي لأكثر من ألف وخمسمئة عام. 

العربي لا يزال ـ في جوهر وعيه ـ كائنا تراثيا. ولعل هذا هو ما يفسر أزمة العربي اليوم مع العصر، لا في مسارات الصدام والخصام الحاد فحسب، وإنما حتى في المسارات الأقل حِدّة/ الأقل وضوحا: مسارات سوء الفهم، ومن ثَمَّ الغضب - الرفض المكتوم للعالم المعاصر؛ مُمَثَّلا في الأخلاق الكونية التي تحوّلت ـ في معظمها ـ إلى قوانين ومبادئ لمنظمات دولية تمارس ـ بطبيعة تكوينها ـ مُسَاءَلة الثقافات الخاصة التي لا تزال عاجزة عن ارتياد آفاق "التقدم الإنساني".

عندما كان الباحث المغربي الكبير محمد عابد الجابري يحفر في عمق الثقافة العربية باحثا عن أصول (مرتكزات التخلف) التأزم المعاصر، كان كثيرون يعجبون من اشتغاله على تحليل أنظمة الوعي في قرون الإسلام الأولى: الأول والثاني والثالث، وهو المهموم بشؤون المعاصرة. وكان هو بدوره يؤكد أن جذور المشاكل - التأزمات الراهنة هناك، وأن حلها يبدأ من جذورها، من هناك، من مراحل التكوين الأولى.

عندما قرأ - حلّل الجابريُّ العقلَ السياسي العربي (والذي هو التمظهر العملي للنظري- الأخلاقي)؛ وأرجع محدداته إلى ثلاثية: القبيلة والغنيمة والعقيدة، أكد أن تجديد هذا العقل يبدأ من تجديد هذه المُحدّدات، وأن هذه المحددات ليست شيئا من الماضي، بل هي من الحاضر أصالة، فكما حكمت العقل العربي في الماضي؛ فإنها لا تزال تحكمه في الحاضر. ما يعني أن التحولات في الواقع المعاصر ستبقى رهينة بالتحولات في هذه المحددات بالذات (العقل السياسي العربي، محمد عابد الجابري، ص373/374). وهذه العلاقة الوطيدة بين الماضي/ التراث والحاضر أعاد التأكيد عليها ـ من زاوية أخرى ـ في كتابه (العقل الأخلاقي العربي، ص67) الذي صدر بعد سنوات من كتابه السابق، حينما رأى أن أزمة القيم/ أزمة الضمير التي ولّدَتها/ تعكسها "الفتنة الكبرى" (التي وقعت أحداثها في العقد الرابع من القرن الهجري الأول)، بقيت حيّة على عبر العصور.

وإذا كان الجابريُّ يرى أن التحوّل - التطور المنشود في المحددات الثلاثة: القبيلة والغنيمة والعقيدة، يكون بتحولات واقعية نوعية ذات طابع تقدمي، فإن كثيرين قد يعترضون بأن هذه العناصر ليست هي العناصر الفاعلة في واقع العرب اليوم، وحتى إن كان بعضها فاعلا، فإنها ليست كلها فاعلة، بذات المستوى وفي كل الأقطار العربية التي يتبرمج وعيها بتراث القرون العربية/ الإسلامية الأولى.   

مثلا، يتصور كثيرون أن "القبيلة" ليست فاعلة على المستوى الاجتماعي إلا في بعض الأقطار العربية، وأن "الوعي القبلي" ليس له قوة فاعلة في مركز التأثير الثقافي العربي. وهذا بلا شك رأي سطحي، لا يرى الأمور إلا من خلال تمظهرها الصريح المعلن. فالشعوب العربية ـ بلا استثناء ـ هي شعوب عشائرية، حتى في الأقطار النهرية، بل وحتى في أقدم المدن العربية عراقة! وهذا ما أشارت إليه ـ كاكتشاف متأخر بالنسبة لها ـ أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة/ هبة رؤوف عزت، التي أكدت ـ في محاضرة لها قبل أربع سنوات تقريبا ـ أنها لم تكن تدرك حجم الانتماءات العشائرية في مصر إلا بعد تجوال داخلي عام 2012، بل وأكدت أنها بدأت تلاحظ كيف أن مدينة القاهرة تعود ـ في الأعياد مثلا ـ إلى أصولها القبليّة. هذا في العاصمة، وأما مُدُن الأطراف فهي ـ كما تُؤكد ـ عشائرية خالصة، عشائرية تعلن عن عشائريتها بكل وضوح. هذا اكتشاف مفاجئ بالنسبة لها، إذ لم تتوقع أن التركيبة الاجتماعية لبلدها الديني النهري على هذا النحو، خاصة وأن هذه التركيبة لم تُبْحث ـ بمستوى حضورها الفعلي ـ في الدراسات الاجتماعية والسياسية، سواء على المستوى الأكاديمي الخاص، أو على مستوى الاشتغال الثقافي العام.

هذا بالنسبة إلى المحور الأول. أما المحور الثاني، إجابة السؤال الثاني، المتعلق بإمكانية دخول العرب إلى فضاء الأخلاق الكونية ـ إرادة واستطاعة ـ، فإن العرب ـ في العموم ـ لا يملكون إلا إرادة غائمة، إنهم يريدون ولا يريدون، يُعْجَبون ـ إلى حد ما، وفي اتجاهات محددة ومحدودة ـ بآثار هذه الأخلاق الكونية على مستوى تسيير الشأن الخدمي العام، ولكنهم غير واثقين أنهم يُريدون تَمَثّلها كبديل ثقافي/ أخلاقي عن ثقافة/ أخلاق الأسلاف الذين تجري المُمَاهاة بينهم وبين كثير من عناصر المقدس/ المتعالي؛ ليصبح الاستغناء عن ثقافتهم/ أخلاقهم وكأنه تنكّر وجحود وعقوق لهم، وبالتالي، تنكر وجحود للمقدس/ المتعالي ذاته: ضلال أو كفر ديني. 

هذا ما التحوّل/ الاستبدال، المفضي ـ في سياق تلازم مُتخيّل/ مُتوّهم ـ  إلى المساس بأهم عناصر الهوية: الدين، هو ما ترفضه "الإرادة" على نحو واعٍ أو غير واعٍ. وطبعا، يدخل هذا الرفض كعنصر محوري يُسْهِم ـ بشكل مباشر ـ في تخفيض درجة "الاستطاعة" التي ستصبح جراء ذلك استطاعة واهنة، غير قادرة على مواجهة التحديات الكبرى المتعلقة بمثل هذا التحوّل الثقافي/ الأخلاقي.

المحور الثالث/ إجابة السؤال الثالث، ترتبط بالثاني/ السابق، فجزء مهم من عُنْصُري: "الإرادة" و"الاستطاعة"، متعلق بتصوّر "الثمن" الذي يجب دفعه كشرط مُحَايِث/ مُبَاطِن للتحوّل المنشود. هناك عادات وتقاليد وأعراف ذات ارتباط وثيق ـ حقيقي أو مُتَخيّل ـ بالأنـا، وهي ـ في الوقت نفسه ـ غير مُتَوائمة مع الأخلاق الكونية التي تُشَكّل جوهر عملية التقدم، بل هي ـ في الغالب ـ على النقيض منها. ما يعني أن التوفّر على القيم المركزية في تلك الأخلاق الكونية يعني ـ بالضرورة ـ الإقدام على التضحية بمجمل العادات والتقاليد والأعراف السائدة، وبالثقافة التي تُؤطّرها في نهاية المطاف.

هنا نأتي إلى المحور الرابع/ إجابة السؤال الرابع، وهو المحور الذي يبحث عن استعداد الذات/ الأنا لدفع هذا الثمن؛ في حال تَمَّ تصوره على ما هو عليه: بحجمه الحقيقي. أي كونه يعني مواجهة الذات بمواجهة أشد علائقها حميمية ورسوخا وتعبيرا عن الامتياز المتوهم. ليس من السهل أن تعيد قراءة/ تفكيك "وعيك الأخلاقي" بالكامل، لا في حدود تمظهره الراهن/ تجلّيه السطحي فحسب، وإنما أيضا تفكيكه في مدى عمقه التاريخي الذي سيمسّ ـ بالضرورة ـ حُزمةَ من الأعصاب الحساسة التي ستصدر من رود الفعل ما يمكن توقعه، وما لا يمكن توقعه، في مثل هذه الحال.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.