الإدارة الأميركي المنتخبة حديثاً تعد بممارسة أقصى الضغوط على نظام الحُكم في تركيا
الإدارة الأميركي المنتخبة حديثاً تعد بممارسة أقصى الضغوط على نظام الحُكم في تركيا

فقط 1500 يوم، هي المُدة التي احتاجها كبير مستشاري الرئيس التركي بولنت أرينج، لـ"يفجر قنبلة" ويقول إن التُهم الموجهة لزعيم حزب الشعوب الديمقراطية المعارض، والمؤيد لحقوق الأكراد، صلاح الدين ديمرتاش "لا تستطيع أن تُقنع حتى طفلاً"، المُعتقل منذ وقتئذ، ودون محاكمة، ومثله عشرات الآلاف من معتقلي الرأي والسياسة في تركيا.

ليس في الأمر أية هِداية ربانية أو إشراقة فلسفية إصلاحية، غيرت فجأة من مواقف الرجل ورؤاه، بل حسابات شديدة الدقة أجراها أرينج، تجاه طيف من التحولات السياسية المستجدة، الداخلية والإقليمية والدولية، المحيطة والمؤثرة على أحوال تركيا ونظامها السلطوي. اكتشف أرينج في محصلتها بأن القفز من مركبة الرئيس نحو خطاب "السياسي الاصلاحي" هو فعل أكثر أماناً لمستقبله السياسي، وهذا ما فعله.

أي أن الأمر بمجمله مجرد "انعكاس عصبي سياسي"، استجابة بيولوجية مباشرة لما قد يداهم هذه الشخصية السياسية في المستقبل القريب، ولا علاقة له بأية نزعة حقوقية أو تحديثية ديمقراطية صار يتبناها، فجأة!. 

 أرينج كان شريكاً وعضواً فاعلاُ في مشروع يمين الوسط "الإصلاحي"، الذي تبناه حزب العدالة والتنمية منذ عقدين، حيث كان أرينج من مؤسسي هذا الحزب، وبقي يطرح نفسه من ضمن نخبة الإسلام السياسي/القومي التركية، التي تناوبت على حُكم البلاد منذ عقود، كأكثر المتحمسين لتحديث البلاد اقتصادياً وإدارياً ودمقرطة الحياة العامة سياسياً.

جمعيهم كانوا رفقة وشركاء إردوغان طوال السنوات الماضية، مخططين لسياساته ومنفذين لها

 

لكنه، ومع كل تلك المحفزات، بقي صامتاً طوال تلك الفترة، غاضاً النظر عن "جرائم" سياسية ملفقة، يدبرها رئيسه وأقرب أصدقائه، تجاه قادة وسياسي ومثقفي وأثرياء البلاد، محافظاً على وده وولائه وموقعه ومصالحه بالقرب من الفاعل/الرئيس، ككبير المستشارين، ثم ردد عبارته الاستنكارية تلك فجأة، واستقال من منصبه!، وصار يعرض نفسه كـ"صقر" اصلاحي، متمرد على رئيس شمولي!.

بخطوته هذه، ينضم أرينج إلى طيف من القادة السياسيين الأتراك، الذين مروا بهذه التجربة تماماً، وتسابقوا في مسارها الوحيد. 

فجمعيهم كانوا رفقة وشركاء إردوغان طوال السنوات الماضية، مخططين لسياساته ومنفذين لها، من رئيس الوزراء السابق ومنظر حزب العدالة والتنمية أحمد داوود أوغلو، مروراً بوزير الاقتصاد السابق علي باباجان، وصولاً لأرينج وغيره المئات من الشخصيات السياسية الأخرى، الحاكمة والمعارضة على حدٍ سواء، التي صارت تطالب بإصلاح وتحديث أحوال البلاد فجأة، حينما صار المستقبل السلطوي للحزب الحاكم وقادته في خطر.

إردوغان نفسه، ظل طوال الأسبوعين الأخيرين يطرح أشياء من مثل تلك، واعداً بأن حكومة حزب العدالة والتنمية ستطبق إصلاحات للنظامين القضائي والاقتصادي، بالتعاون مع حلفائها القوميين!. قائلاً في آخر كلمة أمام الكتلة البرلمانية لحزبه: "نسرع في تنفيذ الإصلاحات القضائية، وسنعرض مجموعات من الإصلاحات الأخرى على البرلمان، ونضع اللمسات النهائية على خطة عمل حقوق الإنسان!".

بينما كان أردوغان يقول كلماته تلك، فأن ذهنه كان مشغولاً بما يهدد استقرار حُكمه، وليس تحديث بلاده واصلاح نظامها الحاكم.

فالإدارة الأميركي المنتخبة حديثاً، تعد بممارسة أقصى الضغوط على نظام الحُكم في تركيا، بالذات فيما يتعلق بإثارة ملف الحريات وحقوق الإنسان، التي صارت أحوالها في تركيا كثيرة التدهور، حسب المعايير والمؤشرات العالمية الرصينة.

طوال القرن التاسع عشر، الذي عُرف في التاريخ العثماني بـ"قرن الاصلاحات"، اتخذت الإمبراطورية العثمانية حزمة من الاصلاحات التحديثية

 

كذلك صار واضحاً للساسة الأتراك بأن الأحوال الاقتصادية ذات جذر سياسي، وأن القوى والمؤسسات الدولية، الأوربية على رأسها، مع كبار المستثمرين وشركاتهم، لن يعودوا لتبي ومساعدة تركيا بأي شكل، دون حزمة واضحة من الاصلاحات في قلب الحياة السياسية، أو الوعد بها على الأقل.

 فوق الأمرين، فأن قوى المعارضة تُظهر تناغماً معقولاً فيما بينها، بالذات بين حزب الشعب الجمهوري "الأتاتوركي" وحزب الشعوب الديمقراطية "المؤيد لحقوق الأكراد". الأمر الذي قد يوفر تحالفاً سياسياً توافقياً فيما بينها، يهدد مستقبل التحالف الحاكم.

كل ذلك يدور في ذهن إردوغان والحلقة الأضيق المقربة منه، ومثلهم المتمردون السياسيون على تنظيمه الحزبي، وإلى جانبهم قادة المعارضة والنُخب السياسية في البلاد، والكُل يرى في "الخطابية الإصلاحية" أداة مناسبة للتعامل مع ذلك، ديناميكية حيوية للصعود وتأمين المراكز السلطوية، وفقط كذلك. فما يجري هو "استخدام للإصلاح" لا إصلاح بذاته، مزيج من الخطابات والحسابات، دون أفعال والتزامات أخلاقية.

طوال القرن التاسع عشر، الذي عُرف في التاريخ العثماني بـ"قرن الاصلاحات"، اتخذت الإمبراطورية العثمانية حزمة من الاصلاحات التحديثية، من التنظيمات التي اُتخذت عامي 1839-1856، مروراً بوضع الدستور عام 1876 وتشكيل البرلمان العثماني وإصدار لوائح القوانين والمدراس الحديثة والمؤسسات القضائية وتغير آلية الانتساب إلى الجيش... الخ.

لكن، وفي السياق التاريخي، لم تكن تلك الاصلاحات العثمانية نتيجة تحولات اقتصادية واجتماعية وصناعية وفلسفية داخل المجتمع ونُخبة الحُكم العثمانية، كما كانت في تجربة الإصلاح والتحديث الأوربية، بل كانت مجرد استجابة انعكاسية لهزيمة الجيوش العثمانية وتعضد بينان سلطة الدولة ونظامها الحاكم وضغوط الدول الخارجية وانهيار الاقتصاد المحلي، وحيث أن نُخب الحُكم كانت تترجى من تلك "الإصلاحات" إنقاذ شيء ما من تلك السلطة، أو إطالة عمرها لأبعد مدة ممكنة، وفقط كذلك.

أي أن مسار الإصلاح العثماني كان مبايناً لسياق التحديث الأوربي، حيث أن التحولات والتطورات لم تكن نتيجة هزائم عسكرية أو ضغوط خارجية أو انهيارات اقتصادية، بل كانت انتصاراً حتمياً لنضالات المجتمعات الداخلية وتطور أحوالها ووعيها، فاقتلعت حقوقها عبر الإصلاح، ورغماً عن السُلطة الحاكمة.

ما يحدث راهناً في تركيا هو مسار عثماني تماماً. نُخب الحُكم تستشعر خطراً داهماً، تستخدم "خطاب الإصلاح" لمواجهته، مثلما قد تستخدم الجيش وشبكات الفساد، وربما الحروب والجرائم المنظمة، لنفس الغرض بالضبط، إدامة الحُكم.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.