حول ارتباط التطرف بالدين
حول ارتباط التطرف بالدين

شاهدت فيديو لمحاضرة وجه فيها وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، انتقاداً لمن يصف تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) بالتنظيم الإسلامي واستنكر نسبة الأفعال الإرهابية التي يقوم بها التنظيم للإسلام، وقال الجبير: "كل ديانة لديها مرضى نفسيون وشاذون يحاولون أن يختطفونها، على سبيل المثال كو كلاكس كلان تعتمد على الصليب، وهي تقوم بما تقوم به وفقا لتعاليم المسيح حسب زعمهم، يعدمون الناس الأفارقة، هل يمكن أن نقول عنها منظمة مسيحية؟".  

أكد الجبير أن الإسلام دين تسامح وحرية مستشهدا بآيات قرآنية، ومتسائلا: إذا ما نظرت إلى داعش وقلت أن ما يمارسونه موجود في القرآن، فالكتاب المقدس يقول العين بالعين والسن بالسن، فهل إذا نفذ أحد المسيحيين حرفيا هذا النص نتهم المسيحية كلها بسببه؟   

وأضاف الوزير السعودي: "نتحدث اليوم عن الإسلام وكأن داعش هو من يمثله.. نقول كلا، لأن الحضارة الإسلامية حافظت على تاريخ كل من الرومان واليونان والإغريق ووفرتها للحضارة الغربية. إذا كان الإسلام غير متسامح فهل كان ليحافظ على أرسطو وسقراط ويقدمهما للغرب من جديد؟ هل كان الإسلام ليربط بين الشرق والغرب؟".

مرافعة الوزير السعودي الرائعة عن الإسلام احتوت على حقائق لا يمكن إنكارها بخصوص الحرية والتسامح في الإسلام والدور الكبير الذي لعبته الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط ولكنها أيضا تضمنت الكثير من الخلط والتبسيط الذي لا يمكن أن يفوت على الحصيف المدقق ذلك لأنها أغفلت الحديث عن مدارس فقهية تتصدر المشهد الإسلامي الآن وتعتبر الحاضنة التي خرجت منها الجماعات المتطرفة.

وتقف على رأس هذه المدارس الفقهية المدرسة السلفية التي تعتبر من أكثر مدارس الفقه الإسلامي تعصبا ورفضاً للآخر وأشدها رفضا لإعمال العقل في قراءة النصوص الدينية الأصلية وفي مقدمتها القرآن.

من أهم الخصائص التي تميز الأيديلوجيا السلفية أنها نصوصية طبقا للرأي القائل بأن النصوص المقدسة ينبغي ألا تُمس وأن تُفهم فهما حرفيا أو لفظيا وهي كذلك تتصف بالإنحياز لأنها ترفض بشدة مناقشة مبادئها وتتعصب تجاه أي وجهة نظر أخرى مخالفة.

بهذا المعنى فإن قول الوزير الجبير أن داعش تقرأ النصوص قراءة حرفية هو حديث ناقص، لأن ذلك هو الأساس الذي ينبني عليه العقل السلفي الذي يرفض ربط تفسير الآيات القرآنية بأسباب النزول ولا يعترف بالتأويل أو القراءة التاريخية.

إن المثال الذي أورده الجبير حول وجود نصوص في الكتاب المقدس تحرض على العنف من شاكلة العين بالعين والسن بالسن يمثل حرجا للفقه السلفي الإسلامي أكثر من كونه مأزقا للاهوت المسيحي، ذلك لأن المسيحية استطاعت أن تتغلب بشكل نهائي وحاسم على مشكلة القراءة الحرفية للنص وهو الأمر الذي عجزت أن تصل إليه العديد من المدارس الإسلامية وفي مقدمتها المدرسة السلفية.

صحيح أن الكتاب المقدس فيه الكثير من النصوص التي تدعو للعنف مثل قول السيد المسيح: "بِعْ ما تملك واشتر سيفا واتبعني"، وكذلك مثل دعوة الإله التوراتي للملك شاؤول: "الآن أذهب وأضرب عماليق وحرموا كل ما له ولا تعف عنهم بل أقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، حملا وحمارا"، ولكن لا أحد يقوم بتفسير هذه الأقوال اليوم تفسيرا حرفيا مثلما تفعل العديد من التيارات الإسلامية مع نصوص القرآن.

إن المدرسة السلفية بمختلف تياراتها تنظر لكل من يُقدِم على رفض القراءة الحرفية بأنه يبتدع أمورا في الدين لم يعرفها السلف أصحاب النموذج المكتمل الذين يجب إتباع تفسيرهم للنصوص حذوك النعل بالنعل.

ومن هنا فإن تصنيف الوزير السعودي للمنتمين لداعش بأنهم مجرد أشخاص "منحرفين ومرضى نفسيين" هو تصنيف فيه الكثير من التبسيط والتعسف ذلك لأن جميع المنتمين للأيديولوجيا السلفية يعتقدون نفس إعتقاد داعش في كيفية قراءة النصوص، وقد يختلفون معها في توقيت وكيفية تطبيق النص ولكن ليس في فهمه من ناحية جوهرية.

وأمثلة ذلك كثيرة، منها النصوص المتعلقة بفقه الرقيق حيث تعتقد جميع ألوان الطيف السلفي بأن أحكام ملك اليمين لم تنسخ وبالتالي فإن شيوخ تلك المدرسة لا يتورعون عن إصدار الفتاوى التي تتحدث عن كيفية معاملة العبيد كما أن مناهج التعليم الدينية ما زالت تقوم بتدريس ذلك الفقه العتيق حتى اليوم.

لا يستطيع جميع فقهاء المدرسة السلفية الوقوف في وجه داعش وإعلان رفضهم لتطبيقها للمنشور الذي أصدرته حول سبي ومواقعة النساء المسترقات، ذلك لأنهم يتفقون مع داعش في مبدأ صلاحية النصوص المتعلقة بفقه العبيد لكل زمان ومكان وإذا هم حاولوا القول بأن التاريخ تجاوز تلك الأحكام فإنهم ينسفون المبدأ الذي يقوم عليه تفسيرهم للنصوص من الأساس.

ليس هذا فحسب بل أن كل فروع المدرسة السلفية يعتقدون في مرويات السنة النبوية التي تستخدمها داعش في تبرير ممارساتها العنيفة وفي بناء وتشييد نظرية الدولة حول نبوءات آخر الزمان في كتب الحديث.

قد استشهد الوزير السعودي بالآية الكريمة (لكم دينكم ولي دين) لتوضيح مدى التسامح في الإسلام، ولكنه نسى أن التفسير الحرفي للنصوص جعل بعض التيارات السلفية تقول بأن "آية السيف" قد نسخت جميع الآيات التي تتحدث عن حرية الاعتقاد، وكذلك فإن جميع التيارات السلفية تتفق مع داعش في قتل المرتد إستناداً على أحاديث نبوية مما يُضعف حُجة الجبير في إثبات التسامح الكبير الذي ينطوي عليه الإسلام.

أما أكثر النقاط التي بدا فيها التخليط واضحا في حديث الوزير السعودي فقد تمثلت في إشارته للدور الذي لعبته الحضارة الإسلامية في حفظ وتطوير التراث الفلسفي اليوناني، وفي إعادة تصدير "أرسطو وسقراط" للغرب والتي لولاها لما تمكنت أوروبا من الخروج من عهود الظلام إلى عصور التنوير والنهضة.

من المعلوم أن الإنفتاح العقلي الكبير والتواصل مع الآخر نهض في التاريخ الإسلامي على أكتاف مدارس الكلام وفي مقدمتها المعتزلة حيث عُرف القرن الرابع الهجري بأنه قرن التوهج الحضاري لدولة المسلمين فقد شهدت حركة الترجمة تطوراً كبيراً في عهد الخليفة "هارون الرشيد" الذي توسع في ترجمة كتب الطب والفلسفة اليونانية والفارسية والهندية.

ثم جاء من بعده الخليفة (المعتزلي) المأمون الذي دعم الحركة العلمية، وأمر بترجمة الكتب في مختلف الفنون والعلوم، وكان يُعطي وزن ما يُترجم ذهباً مما أدى الي توافد العلماء والمترجمين ورواج صناعة العلم والأدب والفنون والنقل والترجمة.

إن المدرسة السلفية تعتبر من أكثر المدارس الفكرية الإسلامية جمودا وانغلاقا ومحاربة للعقل وعداءً للفلسفة وللعلماء المتكلمين، حيث حكمت بتكفيرهم واتهمتهم بالزندقة، وهي كذلك تضع كتب الفلسفة في خانة السحر والشعوذة والدجل والفلسفة لا تُدرَّس بالمدارس في العديد من البلدان العربية والاسلامية بإعتبارها ضلال مبين.

من المؤكد أنه لا يجوز القول بأن داعش تمثل الإسلام كما يدعي البعض ولكن في نفس الوقت يصعُب جدا تصنيف المتعاطفين معها بأنهم مجرد منحرفين ومرضى نفسيين فهؤلاء الأخيرين لم يهبطوا من السماء بل خرجوا من رحم المدارس الفكرية الإسلامية التي تلغي العقل وتساند التفسير الحرفي للنصوص وتستند إلي التراث الفقهي العتيق في تأسيس علاقتها مع الآخر المختلف.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.