البحث عن أمن إقليمي لا يعتمد على الولايات المتحدة
البحث عن أمن إقليمي لا يعتمد على الولايات المتحدة

قال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو قبل أيام "يبدو أن العصر الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحظى بنوع من التفويض لحل قضايا البحر المتوسط والشرق الأوسط قد شارف على الإنتهاء، لأن العالم لا يعرف كيف ستتغير السياسة الخارجية الأميركية في السنوات المقبلة، وهذا لا يعني أن علينا ترك المجال لقوى خارجية أخرى بل يمكن بدل ذلك أن نتعاون فيما بيننا"، ما قاله الوزير الإيطالي يعبّر عن ما تفكر به الكثير من دول الإقليم التي لا ترغب أن تكون تحت رحمة تقلبات مزاج وتوجهات ناخب أميركي لا يعرف الكثير عن هذه المنطقة من العالم.

وكانت السياسات الأميركية خلال السنوات الماضية هي السبب وراء بحث دول الشرق الأوسط عن أمنها واستقرارها دون انتظار الولايات المتحدة، والتي ابتدأت بوصول باراك أوباما إلى الحكم والذي انعكس بعلاقات باردة وحتى متوترة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين في المنطقة، إذ كان نتيجة خلفيته اليسارية ينظر لهم كعملاء، كما كان يرى أن التعاون مع الإسلام السياسي "المعتدل" قد يدفع الإسلاميين لتغيير مواقفهم السلبية من أميركا مما سيقطع الطريق على التطرف، وساعد على تسويق مثل هذه الأفكار، أن نموذج الإسلام السياسي التركي كان في ذلك الوقت معتدلا ضمن دولة علمانية لها علاقات حسنة مع محيطها بمن فيهم إسرائيل، وضمن تعاطفه مع الإسلام السياسي ركّز أوباما جهوده على إبرام اتفاق نووي مع الجمهورية الإسلامية في إيران دون أن يقيم أي اعتبار لمعاناة شعوب المنطقة من النظام الإيراني وخصوصا الشعب الإيراني نفسه. 

وحول مكافحة الإرهاب اقتصرت الاستراتيجية الأميركية في عهد أوباما على "احتواء" هذا الإرهاب عبر العمل الاستخباراتي والطائرات بدون طيار والتعاون الأمني كبديل عن التدخل العسكري المباشر، وسرعان ما أدّت هذه السياسة الضعيفة إلى سيطرة داعش على مناطق واسعة في سوريا والعراق وانتشار موجات إرهابية شملت العالم كله، ولم يتم القضاء على دولة الخلافة المزعومة إلى أن أتت إدارة ترامب التي منحت العسكريين كل ما يريدونه من إمكانيات للقضاء على هذا التنظيم، كما شجّع أوباما على دعوة أطراف أخرى للمشاركة في الحرب على الإرهاب ضمن مفهومه عن تقاسم النفوذ والتسليم بنهوض قوى جديدة إقليميا ودوليا، فنجم عن استعانته بإيران وميليشياتها في محاربة داعش تأجيج الصراعات الطائفية في الشرق الأوسط، كما أدّى صمته أو تشجيعه للتدخل الروسي إلى بروز بوتين كزعيم عالمي. 

وكان يحاول دائما إيجاد أعذار لتبرير تراجع الدور الأميركي، ففي ليبيا استخدم عبارة "القيادة من الخلف"، لتقليل الدور الأميركي إلى الحد الأدنى، والذي أدى في النتيجة إلى استمرار عدم الاستقرار في ليبيا حتى الآن، كما مهّد لانسحابه قبل الأوان من العراق عام 2009 بالقول أن بعض مشاكل المنطقة غير قابلة للحلول الأميركية، كما ادعى أن انسحابه من الشرق الأوسط كان بهدف تركيز الاهتمام على الشرق الأقصى، وحتى العلاقة الأميركية الإسرائيلية لم تسلم من التراجع خلال رئاسة أوباما، وحاول البعض إرجاع ذلك إلى غياب الانسجام الشخصي بين أوباما ونتنياهو، ولكن هذا التحليل غير دقيق لأن مواقف اليسار الأميركي بشكل عام تميل للابتعاد نسبيا عن إسرائيل. 

كما أن سياسات ترامب رغم أنها كانت مختلفة جوهريا عن سياسة أوباما لكنها لم تجلب اطمئنانا لدول الشرق الأوسط، نتيجة الخلفية الانعزالية للرئيس ترامب وتقلبات مزاجه وارتجال مواقفه التي لا يمكن التنبؤ بها، بالإضافة لطريقته الفجّة في تعبيره عن مبدأ "أميركا أولا" من خلال مطالبة حلفاء الولايات المتحدة بما فيهم دول الخليج بدفع أموال للولايات المتحدة مقابل حمايتها لهم والتي كان يستخدم فيها أحيانا مفردات محرجة، واليوم اختار الأميركيون جو بايدن نائب الرئيس أوباما رئيسا للولايات المتحدة والذي لم يعرف عنه أنه عارض أوباما بأي من مواقفه، مما يجعل من الوارد العودة مرة أخرى للسياسات السابقة بما يؤكد على غياب استراتيجية أميركية ثابتة يمكن الاعتماد عليها. 

وأحد الأسباب الرئيسية لهذا التراوح الكبير في السياسة الخارجية الأميركية هو تراجع شعبية التيار الوسطي التقليدي الذي هيمن على الحياة السياسية الأميركية خلال القرن الماضي، وصعود تيار يساري قوي في الحزب الديموقراطي وميل الحزب الجمهوري نحو اليمين مما أدى إلى سياسات خارجية متناقضة جوهريا، ترافق مع نمو واسع لتيار انعزالي عند الجمهوريين والديمقراطيين ساعد عليه تراجع أهمية النفط في الاقتصاد العالمي، وبشكل خاص بالنسبة للولايات المتحدة التي أصبحت أكبر منتج للنفط مما رفع الأصوات التي تطالب بالانسحاب من الشرق الأوسط الذي لا يأتي منه سوى التطرّف والإرهاب والحروب التي لا تنتهي.  

 ونتيجة نقص الثقة في المواقف الأميركية بدأت دول الشرق الأوسط في البحث عن خيارات بديلة لضمان استقرارها وأمنها، وفي هذا السياق يمكن فهم الرسائل الوديّة التي ترسلها تركيا إلى السعودية حاليا، ومضمونها جاهزية تركيا لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين البلدين نتيجة توقّع سياسة غير ودّية من الرئيس المنتخب بايدن تجاه إردوغان والسعودية، مما يجعل للدولتين مصلحة في العمل على بناء تحالف إقليمي لديه قدرة أكبر على مواجهة أي ضغوط أميركية. 

وكذلك من الممكن فهم التقارب الإماراتي الإسرائيلي بأنه أكثر من مجرد تقاطع مصالح لأهداف آنية، بل بداية لتحالف أكثر ثباتا وديمومة، فرغم أن الدولتين غير كبيرتين لكن لديهما عوامل قوة عديدة كما أنهما تطمحان لتوسيع تحالفهما لضم دول أخرى وهذا غير مستبعد، فرغم عدم وجود تأكيدات رسمية لزيارة نتانياهو للسعودية ولكن الموضوع مرجّح لأن خطوات تقارب عديدة سبقته وتركت انطباعا بأن العلاقات السعودية الإسرائيلية تنتظر الظرف المناسب لنقلها للعلن. 

والتقارب التركي السعودي لا يصطدم أو يتناقض مع العلاقة الوطيدة الإماراتية الإسرائيلية، فعلاقة تركيا وقطر مع إسرائيل قديمة ومتينة رغم  أن الدولتين تصرّان على تبنّي خطاب شعبوي معادي لإسرائيل على المستوى الإعلامي، ولذلك يبدو تطبيع العلاقات بين الكثير من دول الإقليم غير مستحيل لأن الظروف التي تحيط بالمنطقة تدفع في هذا الاتجاه، وأهمها عصر ما بعد النفط والبحث عن مصادر بديلة للدخل مما يتطلب تعاون إقليمي واسع تقدم فيه جميع الأطراف تنازلات متبادلة تفتح فيه أبوابها للاستثمارات المشتركة، بالإضافة إلى تقلّبات المواقف الأميركية بحيث قد يشهد الشرق الأوسط خارطة تحالفات جديدة كان ينظر إليها قبل بضعة أشهر كإحدى المستحيلات.

 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.