في الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، وسط واسع يحاكي في توقعاته ومعتقداته الدينية جمهوراً يوازيه في الشرق الأوسط حول اندراج المرحلة الحالية في الفصول الأخيرة من الموعود الديني. هو "الألفية" والقدوم الثاني للرب يسوع المسيح بالنسبة له هنا، كما هو الملاحم والفتن وظهور المهدي، والنزول الثاني لعيسى نبياً مؤكداً لشريعة الإسلام، بالنسبة لنظيره في المحيط الإسلامي.
وإذا كانت الروايات التي تبنى عليها هذه القناعات المتوازية تعود في الواقع إلى أصول مشتركة، سابقة في بعض الأحيان لتشكّل الصيغة الفصيحة لكل من الدينين المسيحي والإسلامي، ومصاحبة بأقدار من الضبابية لهذا التشكل ولاستقرار المرجعية النصية لدى كل منهما، فإن من يعمل اليوم على التوفيق بين القناعات المتواجهة هم بعض المتحولين من الإسلام إلى المسيحية بمذاهبها الإنجيلية، إذ يستدعون من الروايات المعتمدة أو المتداولة إسلامياً مواداً مختلفة، بعد تدويرها من المحمود إلى المذموم، لإثراء تفاصيل الملحمة الكبرى المقبلة.
على أن الهوى الغيبي ليس حكراً على الدين، بل تنغمس فيه، في الولايات المتحدة وسائر الغرب، كما في العالم أجمع، توجهات وقناعات وعقائد تصف نفسها بالعلمية أو السياسية، وإن وَجَد من يؤيدها في هذا التصنيف "الغيبي" إجحافاً أو اعتبره تسفيهاً. طبعاً المقياس هنا ذاتي، تلتبس فيه الموضوعية، حتى مع الالتزام بقواعد قد تضفي قدراً من الصدقية أو المعقولية على هذا التصنيف. ربما أن القاعدة الأهم، لإغداق هذه الصفة، أو التهمة، هي الموازنة القائمة أو الغائبة بين منطلقات المقولة المعنية ومقتضياتها.
فالتوجس من التبدل المناخي، وما قد يجرّه من كوارث على البيئة والإنسان، مبني على معطيات علمية متعددة المصادر والمنهجيات، وقابلة بالتالي للتبيان والتدقيق. والسعي إلى إجراءات استباقية أو تخفيفية للتصدي للأزمة المتصاعدة ليس غيبياً بحدّ ذاته، ولا الاعتراض عليه حين يدعو إلى تغليب الضروريات الآنية.
غير أنه حتى التبدل المناخي، بجسامة الخطر الوجودي الذي قد يجلبه، هو عرضة كذلك للمبالغة الأدائية والتي قد تشتت الفصل المتوقع بين الحضوري والغيبي.
انتقلت العناية بالطبيعة والأرض في حالات متعددة من خانة الإجراءات العملية إلى الكلام، المجازي في أصله، حول أن سلوك الإنسان يتسبب بالأذى لـ "الطبيعة الأم" أو "الأرض الأم"، ثم جرى تصوير "الأم"، هذه أو تلك، باعتماد هيئات من الموروث التقليدي، الأسطوري والقصصي، وصولاً إلى أن أدرج التقدير والاحترام لهذه الصور "الرمزية" في المتداول المشترك وفي المناهج الدراسية، واكتسب لدى الجيل الناشئ تبجيلاً يلامس التقديس.
بل قد أقيم القداس الديني الشعائري المعهود لإحداها، "پاچاماما" ذات الأصول في ديانات أميركا الجنوبية القديمة، في مدينة الڤاتيكان نفسها، وبرعاية كنسية، ضمن إطار الوعي البيئي المقرّ بالأبعاد الروحية للسكان الأصليين.
المعترِض على التنبيه هنا قد يرى فيه مبالغة تكشف عنها علامتي التنصيص المحيطتين بكلمة "رمزية"، بل قد يدعو تحديداً إلى تثمين منحى البابا فرنسيس بالإقرار بالقيمة المعنوية لمعتقدات غير المسيحيين، ولا سيما منها الداعمة للرؤية العلمية التقدمية الداعية إلى احترام البيئة والكوكب.
على أن الغيبية التي تطوف حول هذه الحالة لا تقتصر على مسايرة معتقدات المؤمنين الأميركيين الجنوبيين، بهويتهم الدينية المزدوجة الكاثوليكية والپاچامامية، بل تشمل كذلك القراءة الرافضة لهذه المسايرة. بعض هذا الرفض فكري وعقائدي بطابعه، يعترض على مواقف البابا فرنسيس، بما فيها كذلك مثلاً دعوته إلى اعتماد "الاتحادات المدنية" كتسوية إزاء الدعوة إلى إقرار زواج المثليين، ويعتبر هذه المواقف إفراطاً بالانفتاح الذي دعا إليه المجمع الڤاتيكاني الثاني في ستينيات القرن الماضي، وتفريطاً بالأسس الكنسية الثابتة، والتي كان القصد من هذا المجمع أن يحسّن تجليها، لا أن يبدّلها.
فإلى جانب هذا الرفض الفكري، تنشط ممانعة متصاعدة من أوساط دينية وكنسية تجد في مواقف البابا، بل في المجمع الڤاتيكاني الثاني، ليس مجرد خطأ، بل فعل شر متعمد، وفق إحدى قراءتين.
القراءة الأولى، وهي تبقى ضمن "الغيبية" الدنيوية المؤامراتية، سياسية وفكرية، ترى في سلوك البابا الحالي وبعض من سبقه (دون سلفه المباشر البابا بنديكتس السادس عشر، بل هو الحليف الصادق والذي ترى هذه القراءة أنه تمّ إقصاؤه) جزء من مخطط سواء ضارب في أعماق التاريخ أو حديث العهد، للاستيلاء على الكنيسة وإضعافها وتحوير عقيدتها. الحديث هنا هو عن جمعيات سرّية ومكائد لاختراق المؤسسات اللاهوتية والرهبانية وتوريط الكهنة، ويد خفية، "ماسونية" حيناً باتهام علني، "يهودية" أحياناً بإدانة صامتة أو مموّهة.
أما القراءة الثانية، فهي التي تجنح دون حرج إلى الغيبية الدينية، وترى أن محرّك مشروع الشر هذا هو الشيطان، حقيقة لا مجازاً.
وكان من الجائز، قبل عقود قليلة، إبعاد هذه القراءة إلى الهامش الثقافي، الإنجيلي بما يقارب الحصرية، مع التنبيه إلى أن الزعم فيها تعبوي غير صادق في تجاوزه للمجاز. ليس الحال كذلك اليوم. وإذا كانت الغيبية الحيّة هي التي حقّقت التمييز بين پروتستانتية "الخط الأساسي" والمذاهب الدينية التي انحصرت فيها صفة "الإنجيلية" في الولايات المتحدة (هذا الفصل غير مكتمل في الشرق الأوسط، حيث "الإنجيلية" و "الپروتستانية" مصطلحان مترادفان على الغالب)، فإن الساحة الكاثوليكية تشهد فرزاً مشابهاً اليوم، في الولايات المتحدة، خاصة لا حصراً.
الوجه "الحضوري" لهذا الفرز يتجلى بانتشار الدعوات للقداس اللاتيني، ومع التأكيد على أهمية "الكنيسة المجاهدة" وعدم الاقتصار على "الكنيسة التائبة" وصولاً إلى "الكنيسة المنتصرة"، ومع التماهي مع "الملكوتيين" في الدعوة إلى حضور أساسي، إن لم يكن رئيسياً، للدين في السياسة.
أما الوجه الغيبي لهذا الفرز، فقد خرج من دور الحرج إلى دور الظهور مع الرسائل التي وجّهها الأسقف كارلو ماريا ڤيغانو، المبعوث الباباوي السابق إلى الولايات المتحدة وأبرز خصوم البابا فرنسيس، إلى المؤمنين وعموم الأميركيين، ثم إلى الرئيس ترامب شخصياً، والتي خصّ فيها الكلام عن جهد "إعادة الترتيب الكبير" واتهمه بأنه مشروع شيطاني، بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي من فعل الشيطان نفسه، كجزء من الملحمة مع اقتراب يوم الدينونة.
ليست هذه مواقف عرضية يمكن إهمالها، ولا هي أفكار عابرة لشخصيات خفيفة الوطأة. بل أصداء أقوال ڤيغانو وآرائه قد وصلت إلى كنائس لبنان وسائر المشرق.
مقولة ڤيغانو الغيبية الدينية، إذ تتماهي وتنسجم وتتكامل مع مقولة دونالد ترامب الغيبية السياسية، حول نجاح يد خفية في سرقة الانتخابات، فإن هذه وتلك تدعم وتعزّز طرح "الاستفاقة الكبيرة"، الرائج في أوساط واسعة من جمهور الولايات المتحدة، حول انكشاف المؤامرة العالمية النخبوية لتسخير البشرية واستعبادها وتعليبها.
التآلف بين هذه المقولات يشكّل منظومة غيبية، دينية سياسية مؤامراتية فكرية، قادرة على التأثير الحاسم على قلة، وعلى التأثير الأقل حدة إنما الفاعل، على أعداد أوسع، فيما هي تتمدد وتتوطد.
الاستعراض السريع لمقومات هذه المنظومة يكشف مدى تشابهها مع أخرى سائدة في الشرق الأوسط والمحيطين العربي والإسلامي، تتكامل فيها كذلك الطروحات المؤامراتية السياسية، هي هنا قومية ويسارية، مع الرؤية الغيبية الدينية، الإسلامية في هذه الحالة، وإن دون تتطابق، ليبقى التصويب على أصل الشر، الدنيوي أو الآخروي، في الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب والكفر وما شابه.
في الساحتين، غرباً وشرقاً، معيار الغيبية هو في أن القناعة الأهوائية، لا المعطيات الوقائعية الوافية، هي التي تدفع باتجاه السلوك والمواقف بحق الذات والآخر. على أن تطبيق هذا المعيار على الطرح المقابل قد يجعله عرضة كذلك للاتهام بالغيبية.
"إعادة الترتيب الكبيرة - Great Reset"، والتي أشار إليها ڤيغانو متهماً، وإن كان من أشهرها بهذه التسمية هو الاقتصادي الألماني كلاوس شواب (الترجمة العربية المستعملة على الشبكة، بما يقارب الاعتباطية الناجمة عن استعمال التعريب الآلي هي "بداية جديدة رائعة")، هي مجهود متشعب يسعى في بعض أوجهه، المطروحة باللغة العقلانية المتزنة، إلى ترشيد التنمية والاقتصاد بما يتناسب مع "الثورة الصناعية الرابعة". ويمكن بالتالي إدراجها ضمن توجهات فكرية وعملية تحاول منذ أكثر من قرن التوفيق بين الموارد والإمكانيات، والحاضر والمستقبل.
حديثها اليوم هو عن "الإنسانية العابرة"، أي هذا الزخم المنطلق للتوّ للمزج المنتِج بين الطبيعة الجسدية للإنسان والتقنيات الحياتية المستقاة من المخزون الطبيعي الحيواني والنباتي ثم الحصيلة التقنية المادية المطوّرة صناعياً وصولاً إلى الرصيد البياني والآليات المعلوماتية، بما قد يحقق، خلال العقود لا القرون المقبلة، أخطر تحول نوعي للجنس البشري، باتجاه ما هو في الواقع كائن جديد متفوق، أكثر قدرة وأكثر ديمومة. فإما أن يدرك الأفراد والمجتمعات هول الطاقة الكامنة هنا لما فيه تحقيق مصلحتهم الذاتية والجماعية، أو أن يتخلفوا في المراحل المقبلة وصولاً إلى الاندثار. بل مسعى الأخيار، القائمين على "إعادة الترتيب الكبيرة" هو زرع البذور التي من شأن العالم الاستفادة منها، وإن لم يتحقق له كامل الوعي بضخامة الحدث المقبل.
قد تفهم هذه الرؤية على أنها علمية، والعديد من ملامحها هي كذلك وفق المفاهيم القائمة اليوم. قد تعتبر سياسية، في رغبتها نشر تطبيقها على مدى الكوكب. وقد لا يدرك من يتحمس لها أنها ذات بعد ديني، فيها الثواب والعقاب، وفيها النعيم والجحيم. ولكنها، إذا ما قيست بالمعيار المعتمد أعلاه، هي غيبية، حيث أن مقتضاها يؤطره الرأي المبني على معطيات تبدو قطعية، في حين أن الكثير منها ليس كذلك.
من حق الفكر الغربي أن يعتزّ بالأتوار، أي السعي، انطلاقاً من القرن الثامن عشر، إلى التوطيد بالعقل والقول للقيم التي عرفها الإنسان ارتباكاً بالفطرة والممارسة: الحياة، الحرية، المساواة، الكرامة. هو سعي لم يكتمل إلى اليوم، بل ثمة من يجد أن إمكان اكتماله وهم.
ولكن هذا السعي كان متسلحاً بما اعتبره علماً وموضوعية حين نفى إطلاق المساواة، ورفض التطابق بينها وبين العدالة، فرأى جواز الاستعباد، بل استفاض به (نعم، تأطير الاسترقاق والاستعباد في العالم الجديد كان بمعظمه على أساس الأنوار لا الأديان)، ورأى حقاً للمدنية بالقضاء على الوحشية، بل حبّذ تنقية الأعراق من الأوهان والعيوب والسمات الفاسدة من خلال قسرية منع الحمل والموت الرحيم.
القول بأن في هذه المواقف والتوجهات، وغيرها الكثير، أخطاء فكرية لا يكفي. لاسيما وأن بعض من ارتكب هذه الأخطاء المفترضة قد قدّم لفكر الأنوار مساهمات هامة. الأصحّ الإقرار بأن هذه المواقف كانت منسجمة مع صلب المنظومة الفكرية، وإن برزت الاعتراضات عند الهوامش، ومن هذه الاعتراضات ما كبر وعظم وأصبح الصلب في المراحل التالية، وأن أسس تلك المنظومة، والتي لم تكن خفية على من اعتنقها، يمكن اليوم، على بعد مسافة زمنية وفكرية، وصفها بالغيبية، أي مستمدة من قناعة غير مدعومة بالوقائع.
عند القياس على هذه المتابعة، لا تختلف "إعادة الترتيب الكبيرة" عن "الاستفاقة الكبيرة" بأن هذه وتلك قابلة لأن تصنّف بالغيبية من وجهة نظر من لا يعتنقها، فيما من يرتئيها يجد فيها الحقيقة الجلية في حين أنه في غريمتها الضلال. الخلاف بين "الكبيرتين" هو بالتالي صراع غيبي، بين طرحين كل منهما متهم بالغيبية.
المنطق السائد اليوم في أوساط كل منهما هو أنها حق يقيني جلي من اعتصم به ظفر، فيما الأخرى باطل بواح، من ابتلي به خسر. عسى أن تكون العودة إلى قاعدة أن رأينا صواب يحتمل الخطأ، وإن تضاءل الاحتمال، ورأي من خالفنا خطأ يحتمل الصواب، أقلّه في بعض أوجهه. وإلا، وهو الراجح، فإن الانحدار مرتقب من الخلافات الفكرية إلى المزيد من المواجهات المادية والأثمان الحقيقية بالأرواح والآلام وضياع الفرص.

