اغتيل زاده في وسط طهران في عملية استخباراتية تُعتبر ضربة موجعة ومُهينة للنظام الإيراني- نضال منصور
اغتيل زاده في وسط طهران في عملية استخباراتية تُعتبر ضربة موجعة ومُهينة للنظام الإيراني- نضال منصور

قبل عامين وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو العالم محسن فخري زاده بأنه رئيس المشروع السري النووي الإيراني قبل أن يعرفه أحد، مُطالباً الجميع أن يتذكر هذا الاسم.

وبعد عامين اغتيل زاده في وسط طهران في عملية استخباراتية تُعتبر ضربة موجعة ومُهينة للنظام الإيراني، وتكشف -كما وصفتها جريدة الواشنطن بوست- عن نقاط الضعف في أجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية.

وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي وخلال مراسم جنازه زاده توعد بأن "الرد قادم وحتمي وسيكون قاسيا لمن ارتكب الجريمة"، ورغم إعلان حالة الاستنفار في تل أبيب من عمليات انتقام مُحتملة، إلا أن المؤشرات السياسية والأمنية تُرجح أن تمتص طهران الصفعة، وكل التهديدات والتصريحات التي تصدر عن المسؤولين الإيرانيين ليست أكثر من قنابل دخانية لحفظ ما تبقى من هيبة النظام، فحين اغتيل قائد فيلق القدس قاسم سليماني الأكثر أهمية من زاده كان الرد مجموعة من الصواريخ العشوائية التي أطلقت على أهداف أميركية في العراق لحفظ ماء الوجه.

لم تُعلن إسرائيل مسؤوليتها عن اغتيال زاده، وهي بالعادة لا تفعل ذلك، على الرغم من سجلها الحافل في عمليات التصفية، ويُشير الكاتب جدعون ليفي في مقالة نشرها في جريدة هآرتس إلى اغتيال 12 عالما إيرانيا على يد إسرائيل منذ عام 2000، ويقول "ليس في العالم دولة تغتال وتُصفي خصومها السياسيين كما تفعل إسرائيل"، ولذلك لم تتردد الصندي تايمز من الحسم بأن اتهام إسرائيل بالاغتيال أمر لا شك فيه، فهي طريقة الموساد التي اعتمدها منذ عقود للتخلص من أعدائه وربطت عملية التنفيذ بفريق "كيدون"، وهو من نخبة وحدات العمليات الخاصة، ولا يقوم بأي مهمة دون موافقة رئيس الوزراء شخصياً.

وزارة الدفاع الإيرانية أعلنت أنها توصلت لطرف خيط لمنفذي عملية الاغتيال، وبأنها ستكشف عن المعلومات لاحقاً، وما أكدته وكالة أنباء فارس في رواية طغت على ما عداها أن أسلحة آلية موجهه عن بعد استخدمت لتنفيذ عملية الاغتيال، والعملية لم تستغرق سوى 3 دقائق، وزاده خرج من سيارته المُصفحة والمُضادة للرصاص ليتفقد صوت ارتطامها بعائق خارجي، فأردته على الفور رصاصات مدفع رشاش مصوب نحوه من سيارة كانت تقف على بعد 150 متراً، وتبين أن صاحبها غادر البلاد نهاية الشهر الماضي.

مهما كانت الرواية الحقيقة للاغتيال فإن ما حدث يشي أن طهران مخترقة بعملاء الموساد، وأجهزة الاستخبارات، وأن كلام أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الأدميرال علي شمخاني "العدو استخدم أساليب متطورة في الاغتيال" - لتبرير ما وقع- تبدو مُثيرة للسخرية والضحك.

شمخاني الذي اتهم منظمة مجاهدي خلق بأنها نفذت الهجوم بأمر من إسرائيل أعلن في تصريحات لقناة برس TV الناطقة باللغة الإنجليزية "السلاح الذي جمع من موقع الحادث بمواصفات الصناعة العسكرية الإسرائيلية"، مؤكدا أن أجهزة المخابرات الإيرانية كان لديها معلومات عن مؤامرة لقتل علماء الذرة الإيرانيين في وقت مبكر لكنها فشلت في إيقافها.

باستثناء هذه الرواية، فإن الكاتبة سيميدار بيري في جريدة يديعوت أحرنوت كشف عن منشورات لمنفيين إيرانيين أشارت إلى أن الاستخبارات الإيرانية بدأت بنشر صور لأربعة رجال يُشتبه بمشاركتهم في عملية التصفية، في حين قدمت جريدة ديلي ميل البريطانية معلومات عن 62 عميلا ومتعاونا قدموا الدعم اللوجستي لتنفيذ الاغتيال، وبروس ريدل المسؤول السابق في CIA يؤكد أن إسرائيل جندت على مدى السنوات عملاء داخل إيران من المهاجرين، وطورت علاقاتها بدول مجاورة بطهران لتخلق قاعدة ارتكاز للمتابعة والتجنيد.

قرار إسرائيل باغتيال أبرز قياديي البرنامج النووي الإيراني في هذا الوقت لا يستهدف إضعاف قدرات طهران على مواصلة برنامجها النووي فقط، وإنما الأهم دفع القيادة الإيرانية إلى مستنقع أزمة، ومواجهة تُنهي آفاقا مُحتملة لحلول دبلوماسية في عهد الرئيس الأميركي القادم جو بايدن.

قرار الاغتيال الذي اتخذه نتنياهو وهو على الأرجح بعلم الرئيس الخاسر للانتخابات ترامب اعتبرته واشنطن بوست بفصيح العبارة وسيلة ضغط على القيادة الإيرانية للانتقام بعد فشلها الأمني المحرج، وهذا يمكن أن يقوض تعهد بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران.

اغتيال زاده عملية استخباراتية بامتياز تسعى إلى تحقيق أهداف سياسية، يتقدمها جر طهران لمواجهة عسكرية أو أمنية في آخر أيام عهد الرئيس ترامب تمهد وتعطيه الفرصة لإشعال مواجهه إقليمية قبل مغادرته البيت الأبيض، وتزرع الألغام في طريق بايدن وخياراته في التعامل في الملف الإيراني.

الرئيس ترامب أكثر الشامتين والفرحين باغتيال زاده، وإعادة نسخه لتغريدة الصحفي الإسرائيلي يوسي ميلمان تفيد "العالم الإيراني كان مطلوباً لجهاز الموساد، ووفاته ضربة نفسية مهينة وكبيرة لإيران" رسالة استفزاز للقيادة الإيرانية لدفعها لرد طائش ومتهور.

سيناريوهات الرد الإيراني مهما كانت فإنها ستورطها وتعزلها سياسياً، ولهذا ترتفع أصوات في طهران تدعوها لـ "الصبر الاستراتيجي" لتفويت الفرصة على تحالف نتنياهو- ترامب لخلط الأوراق، واستدراج المنطقة لقرع طبول الحرب مستفيدين ومستثمرين في القلق الخليجي المتنامي من ترسانة الصواريخ التي تملكها طهران.

جريدة "يسرائيل هيوم" طرحت سيناريوهات للرد الإيراني تنوعت بين استخدام حزب الله لتوجيه صواريخ باتجاه إسرائيل، أو حث حركه الجهاد الإسلامي باستخدام غزة كقاعدة للهجوم على أهداف إسرائيلية، أو تكليف الوحدة 804 التابعة لفيلق القدس بالحرس الثوري بتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية بالخارج، وانتهاء باستخدام الصواريخ الإيرانية لتوجيه ضربات في العمق الإسرائيلي.

كل القراءات السياسية تؤشر إلى أن القيادة الإيرانية التي صبرت كل سنوات حكم ترامب أقل تهورا وأكثر حكمة لتكظم غيظها وغضبها، وهذا ما عبر عنه الرئيس حسن روحاني بقوله "الشعب الإيراني حكيم بما يكفي لكي لا يقع بالفخ الصهيوني"، وأصدق ما يُعبر عن المشهد ما قالته الصحفية باربرا سلافين في نيويورك تايمز "نتنياهو وبدعم ترامب عازم على حرق الأرض لجعل أي عودة إلى الدبلوماسية مع إيران في عهد بايدن أكثر صعوبة".

ما حدث يشي أن زاده ليس أكثر من بيدق سقط في معركة تُدار على الأرض الإيرانية يقودها نتنياهو وترامب وحلفاء آخرون لقطع الطريق سلفا على رئيس لم يحكم البيت الأبيض بعد.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.