غشاء البكارة ليس ضمانة للأخلاق والشرف، ولا هو ضمانة للسعادة الزوجية المستقبلية
غشاء البكارة ليس ضمانة للأخلاق والشرف، ولا هو ضمانة للسعادة الزوجية المستقبلية | Source: Shutterstock

تقول الحكاية إن زوجة كانت كل سنة، بمناسبة عيد زواجهما، تقدم لزوجها هدية مختلفة. وفي عيد زواجهما العاشر، أجرت الزوجة عملية جراحية لترقيع غشاء البكارة، لـ "تهديه" إحساس الافتضاض مرة جديدة. بعد أن "اكتشف" الزوج الهدية، قام بتطليق زوجته؛ لأنه اعتبر أن هديتها تضعها موضع شك: ما الذي يؤكد له أنها كانت فعلا عذراء حين زواجها؟

بغض النظر عن غباء "الهدية" وكونها تترجم تصورات بعض النساء أنفسهن عن أجسادهن وجنسانيتهن، لنتأمل قليلا سلوك الزوج في هذه الحكاية: عشر سنوات من الحياة الزوجية المشتركة، بأفراحها، بأحزانها، بالخصام الممكن مرات متكررة والصلح الذي يليه، بأطفال مشتركين، بذكريات وأسفار وضحكات ودموع وغضب وأحضان... اختزلها جميعها في غشاء بكارة وفي حياة جنسية محتملة قبل الزواج!

مناسبة الحديث عن هذا الموضوع هو نشر مقال على موقع مغربي يتحدث عن عمليات ترقيع البكارة في بلد أوروبي ويقدم الأمر كظاهرة. الواقع أن معظم عمليات ترقيع البكارة في البلدان الأوروبية تقوم بها مهاجرات من بلدان مغاربية أو مشرقية أو من بلدان شرق آسيا (الباكستان،...).

هؤلاء النسوة، حتى بعيشهن في مجتمعات توفر للمرأة عددا من الحقوق، من ضمنها الحقوق الجنسية والإنجابية، إلا أنهن ينتمين لأسر محافظة مازالت تعتبر غشاء البكارة دليل شرف الفتاة، كما تعتبره أحد شروط الزواج (الحديث هنا عن أسر الفتيات... لكن أيضا عن الأزواج المستقبليين وأسرهم).

أطباء النساء في معظم الدول الغربية ينقسمون مجملا لفريقين: فريق يعتبر هذه العمليات تشييئا للمرأة وإهانة لها واختزالا لها في بكارتها، ويرفضون بالتالي القيام بها؛ وفريق يتفهم إكراهات الأسر المحافظة (وخاصة أسر الهجرة) ويعتبر عمليات ترقيع البكارة بمثابة طوق النجاة بالنسبة لمئات الفتيات.

هذا التطور الطبي الذي جعل عمليات استعادة البكارة ممكنا، يجعلنا اليوم نعيش فعليا نهاية وهم الفقدان النهائي للبكارة. هذا الأمر بدوره يفقد لغشاء البكارة قيمته الرمزية (وهو الأمر الذي تطرقت له بتفصيل في كتابي "الجنسانية والعزوبة" الصادر باللغة الفرنسية سنة 2017، والذي كان نتيجة أطروحة الدكتوراه التي أنجزتها عن موضوع الجنسانية قبل الزواج في المغرب).

ومع ذلك، فمازالت العديد من الأسر في مجتمعاتنا المغاربية والمشرقية، لكن أيضا من الأسر المهاجرة في مجتمعات أوروبية وأميركية، تحيط غشاء البكارة بنفس هالة التقديس السابقة (حتى وقد فقد قيمته الرمزية، بما أنه يمكن أن يتجدد باستمرار، سواء طبيا أو عبر حلول مصنعة أخرى، متاحة في عدد من الأسواق).

الأمر ليس دعوة للنساء لكي يمارسن الجنس بحرية قبل الزواج، مادام ترقيع غشاء البكارة ممكنا (لأن هذا يبقى اختيارهن في النهاية، وليس لي أن أقدم دعوة ولا لغيري أن يمارس المنع). لكنها بالدرجة الأولى دعوة لعقلنة علاقتنا بجسد المرأة وجنسانيتها.. ودعوة للعلاج من هوس مراقبة أجساد النساء. مراقبتها بالختان حتى لا يستشعرن الرغبة ولا المتعة، مراقبتها بغشاء البكارة ودم أول ليلة زفاف (حتى لو كان مزيفا). مراقبتها بالحجاب والنقاب..

إلى متى سنربط صلاح المرأة بعذريتها؟ ألا يمكن أن تكون المرأة بكرا لكنها سليطة اللسان قاسية القلب فظة المعاملة؟ ألا يمكن أن تكون بكرا وتخون بعد الزواج (إذا كنتَ لا تضمن ما حدث فعلا قبل الزواج، فأنت بالتأكيد لا تضمن ما سيحدث خلاله)؟ ألا يمكنها أن تكون بكرا وتكون قد مارست (أو ستمارس) الجنس بمقابل مادي مع الحفاظ على غشاء بكارتها أو استرجاعه بعملية جراحية أو ببكارة صينية متاحة ماديا للأغلبية (في حدود 20 إلى 50 دولار حسب البلد)؟

غشاء البكارة ليس ضمانة للأخلاق والشرف، ولا هو ضمانة للسعادة الزوجية المستقبلية.

المفروض أن نبحث عن شركاء يقتسمون معنا الحياة بتفاصيلها الجميلة والمعقدة، بدموعها وأفراحها، بقساوتها وحلاوتها. أن نبحث في الآخر عن القيم والأخلاق (بمعناها الإنساني الكوني النبيل)، عن التفاهم والود والصدق والصداقة.

ما عدا ذلك، فسنبقى مهووسين بغشاء يُسيل الدم في أول ليلة زواج، لكنه لا يضمن الأخلاق ولا يضمن حتى غياب العلاقات الجنسية قبل الزواج.. وستبقى عناويينا في العالم مرتبطة بالبكارة، وجرائم الشرف، وختان البنات، والنقاب!

فمتى سنحرر أجساد النساء ومتى سنتحرر منها؟

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.