يحتدم الآن الصراع بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وشبكات التواصل الاجتماعي العملاقة مثل فيسبوك وتويتر، ليمتد أيضاً إلى محرك البحث الشهير، غوغل.
وبدأ هذا الصراع من فترة سابقة لرئاسة ترامب حينما اتهم جمهوريون أدوات البحث على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي الكبرى بأنهم منحازون ضد اليمينيين ويضيقون عليهم في النشر عبر الإنترنت مقارنة بالليبراليين واليساريين. ووصل الأمر إلى القضاء وجاري البحث فيه.
وتطورت الأمور بعد ذلك بعد أن تم منع مجموعة من الأطباء المعتمدين في الولايات المتحدة من نشر فيديو يدعم استخدام عقار الهيدروكسي كلوروكين لعلاج مرض كورونا. وقد تم منع هذا الفيديو بعد أن تداوله الملايين فقط في السويعات الأولى لنشره.
وتفاقم حدة النزاع وضراوته، وقد يقول قائل وصل إلى ذروته، بعد أن منع تويتر بعض الصحف الأميركية مثل "نيويورك بوست" من استخدام تويتر بعد أن نشرت معلومات قد تتسبب في إدانة هانتر بايدن - ابن الرئيس المنتخب جو بايدن - إن تم إثباتها.
ثم جاءت الطامة الكبرى أو الشرارة التي أشعلت النزاع بين إدارة الرئيس ترامب وشبكات التواصل الاجتماعي حينما منعت الأخيرة أو حاولت منع انتشار ما يقوله الرئيس الأميركي شخصياً في حسابه الخاص. وتم ذلك من خلال إشعارات تشكك فيما قاله ترامب وتدعوا متابعيه إلى التحقق مما يقول عبر ما يعرضوه هم (أي شبكات التواصل الاجتماعي) عليهم من قنوات ومواقع أخرى.
ووصل الأمر إلى استدعاء قيادات فيسبوك وغوغل وتويتر إلى جلسة مسائلة في مجلس الشيوخ الأميركي حول تدخلهم في حرية النشر وحرية التعبير وهي من الحريات المكفولة في الدستور الأميركي.
وهنا لنا أن نقف وقفة لنعرف أساس هذه المشكلة!
بدأ هذا الأمر حينما تم حماية شركات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من المسائلة القانونية حول ما يتم نشره عبر شبكاتهم التكنولوجية بناء على الفقرة القانونية "مادة 230" من قانون أخلاقيات النشر الصادر عام 1996.
فما هي هذه الفقرة التي يدور حولها حاليا هذا الصراع - بل ويعتبرها البعض - أنها محور هذا الصراع؟
لفهم هذه الفقرة علينا أن نعلم أن المؤسسات الإعلامية الكبرى مثل "سي.إن.إن" و"فوكس نيوز" والصحف العالمية على غرار "وول ستريت جورنال" وغيرها تعامل تبعاً لقانون النشر الطبيعي وهو ما يحملهم مسؤولية قانونية عن المحتوى المنشور عندهم. وذلك يعني أنه من الجائز رفع قضايا عليهم إن نشروا معلومات كاذبة أو خاطئة على قنواتهم الإعلامية.
وتسبب هذا الأمر في مشكلة لشبكات التواصل الاجتماعي ويوتيوب لأنهم لا يتحكمون فيما ينشره الآخرون في مواقعهم. ولذا تم إصدار الفقرة 230 لتحميهم من أي مسائلة قانونية عن المحتوى المنشور في شبكاتهم.
ورحبت شبكات التواصل بتلك الحماية القانونية، فهي تبعا لها تعامل كخدمة تواصل (مثل الهاتف) وليس كمؤسسات نشر مسؤولة عما يتم نشره.
وهنا تكمن المشكلة الحالية لأن شبكات التواصل كما يراها البعض لابد أن تعامل الآن كمؤسسات نشر ويتم محاسبتها عما يتم نشره فيها إن تدخلت في محتواه بالمراجعة أو التعليق أو المنع.
وهي في هذه الحالة، لا يمكن اعتبارها مقدم خدمات تكنولوجية فقط لأنها بدأت تتدخل في المحتوي كيفما شاءت حتى وإن كان غير ممنوع قانونياً.
ومن الواضح أن الصراع حول تمتع شبكات التواصل الاجتماعي بهذه الحصانة سيصل إلى المحاكم وقد يتم حسمه قانونياً سواءً بالاستمرار في منح شبكات التواصل هذه الحماية القانونية تبعاً للمادة 230 المذكورة أعلاه أو حرمانهم منها.

