هدف هذا المؤتمر هو مساعدة اللبنانيين على وقف النزيف الهائل الذي هم فيه
هدف هذا المؤتمر هو مساعدة اللبنانيين على وقف النزيف الهائل الذي هم فيه

ثمة مشكلة "فهم" تعاني منها إدارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في إدارتها للملف اللبناني.

طبعاً، ليس المقصود بهذه المشكلة أنّ هذه الإدارة التي تُبدي، بمثابرة وصبر كبيرين، حماسة لإنقاذ لبنان، لا تعرف ماذا تفعل، بل أنّ أحداً لا يفهمها.

لا يمكن لأيّ طرف أو شخص أن يزايد على الإدارة الفرنسية في "ذم" الطبقة السياسية اللبنانية، فهي قالت فيها ما لم يسبقها إليه أحد، ولكنّها في الوقت نفسه -وهنا تكمن المشكلة- لا تزال، وفق ظاهر الحال، تُراهن عليها، لإحداث التغيير المنشود.

 

العقوبات في البال

 

وفي اجتماع تمهيدي لـ "مؤتمر دعم الشعب اللبناني" الذي ترأسته فرنسا والأمم المتحدة، مساء الأربعاء الماضي، عقده مسؤول في قصر الإليزيه، كان لافتاً للانتباه أنّ الصحافيين المشاركين في هذا الاجتماع التمهيدي يُجمعون، في أسئلتهم واستفساراتهم، على إشكالية واحدة، خلاصتها أنّ القيادات اللبنانية تُعرقل تنفيذ المبادرة الفرنسية، وتحوّلها إلى مجرّد حبر على ورق، ومع ذلك فإنّ الإدارة الفرنسية لا تتّخذ أيّ إجراء بحق هؤلاء، ولا تلوّح حتى بأيّ عقوبات.

وقبيل اختتام هذا الاجتماع التمهيدي، ظهر أنّ المسؤول الذي طلب من الصحافيين تسميته بـ"مصدر في الرئاسة الفرنسية" قد "استسلم" بعد طول "مقاومة"، فكشف أنّ "العقوبات في البال"، وقال: "صدّقوني إنّنا نفكّر فيها، ولكنّها ليست على جدول أعمال المؤتمر الذي نعقده، لأنّ هدف هذا المؤتمر هو مساعدة اللبنانيين على وقف النزيف الهائل الذي هم فيه".

في ضوء هذا الكلام الرسمي "الجديد"، كان لا بد من بذل جهد لفهم ما يضمره "العقل الفرنسي" لإنقاذ "مبادرة ماكرون" التي تبدأ بتشكيل حكومة تثق بها "الدول المانحة وغالبية الشعب اللبناني" وتنطلق نحو تنفيذ الإصلاحات المطلوبة على المستويات المالية والمصرفية والقضائية والإدارية، وتخوض مفاوضات منتجة مع "صندوق النقد الدولي".

وتُظهر محاولة الفهم هذه أنّ فرنسا تتعاون مع الدول التي تشاركها النظرة نفسها إلى لبنان لممارسة أقصى الضغوط على القيادات اللبنانية من أجل تشكيل "حكومة صالحة"، وهي في هذا السياق، تُراهن على الشعب اللبناني الذي تتكشّف أمامه الحقيقة المرّة عن قياداته السياسية التي تُهمل مصالحه لتهتم بمصالحها وتستخف بالمخاطر التي يتعرّض لها حتى تحفظ مكاسبها.

وليس أدل على ذلك من أنّه، فيما كان جميع المشاركين في "مؤتمر دعم الشعب اللبناني" يبيّنون المخاطر التي تواجه لبنان وشعبه، ويرسمون لوحة سوداء داكنة عن المستقبل القريب، ويحثّون على وجوب تشكيل "حكومة ذات مصداقية"، كان رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، الذي يُفترض أن يكون المعني الأوّل بمصائب الشعب اللبناني وويلاته، يتحدّث عن "وحدة المعايير" التي يعرف القاصي والداني أنّها تعني، أوّلا وأخيراً، توفير نفوذ كبير لصهره جبران باسيل. 

 

رئيس لبنان في واد و"المجتمع المدني" في واد

 

وإذا كانت الكلمات السياسية التي أُلقيت في المؤتمر، جاءت لتتكامل مع كلام المصدر الرئاسي الفرنسي، فإنّ اللافت للاهتمام إعطاء "المجتمع المدني"، من خلال الجمعيات المستقلة وغير الحكومية التي اختيرت لتمثيله، موقعاً مهماً في هذا المؤتمر، حتّى تقدّمت كلمات الجزء الأوّل على كلمة عون فيما تلتها كلمات الجزء الثاني.

وهذا يعني أنّ رئيس الجمهورية لم يُعطَ، كممثل عن لبنان، لا كلمة البداية ولا كلمة الختام، بل انتزع المجتمع المدني هذا "الشرف" البروتوكولي الذي له الكثير من المعاني السياسية الجوهرية، في النظرة الدولية الى القيادات السياسية في بلاد الأرز.

ولم يكن معقّداً أن يكتشف قادة الدول المشاركة في المؤتمر وممثلوهم، كما مسؤولو المنظمات الدولية، أنّ رئيس لبنان في واد و"المجتمع المدني" في واد.

ولم يكن صعباً، أيضاً أن يتوقف الجميع عند أنّ المنظّمين غيّبوا المسؤولين الحكوميين والماليين والإداريين، عن المؤتمر، وأعطوا، في المقابل، موقعاً مميّزاً للمجتمع المدني.

وهذا ما حاول "المصدر الرئاسي" الذي عقد مع الصحافيين المعتمدين لدى قصر الإليزيه الاجتماع التمهيدي لفت النظر إليه، مسبقاً. 

كان يريد من الجميع أن يُسلّطوا الأضواء على موقع المجتمع المدني اللبناني الذي يشارك بفاعلية، للمرة الأولى، في مؤتمر دولي، وما يحمل ذلك من أبعاد.

في كلامه للصحافيين قال المصدر: "لحسن الحظ أنّ المجتمع المدني في لبنان ينتظم، ونحن لا نتكلّم معه ونعمل معه فحسب، بل ندعوه الى الكلام أيضاً"(...)" الشعب اللبناني ينتظر ويتحدّث عن انتظاراته، وسوف نترك له الكلام ليعبّر عن ذلك".

ويأخذ كلام "المصدر الرئاسي الفرنسي" في الاجتماع، كما اختيار تراتبية كلام ممثلي المجتمع المدني في المؤتمر، أهميته القصوى، عندما يذهب البيان الختامي كما الكلمات التي بنى نفسه عليها إلى تأكيد أنّ المائتين مليون وثمانين ألف أورو التي سدّدتها الدول المانحة لن يتم صرفها عبر إدارات الدولة اللبنانية، بل عبر المجتمع المدني والأمم المتحدة بمعاونة المؤسسة العسكرية "التي تبقى فعّالة، على الرغم من الشوائب التي تعتريها"، وفق تعبير المصدر نفسه.

هل هذا يعني أنّ الرئاسة الفرنسية انتقلت الى "الخطة البديلة"، في محاولة إنجاح مبادرتها؟

من الواضح أنّها لم تفعل، ولكنّ، من الواضح أيضاً، أنّها تركت موقعها السابق.

حتى الأمس القريب، أخذ كثيرون على ماكرون أنّه أنقذ الطبقة السياسية اللبنانية، عندما سكّن غضب اللبنانيين، بتعهده أن يكون حاملاً لمطالبهم وأميناً عليها.

ما كان ماكرون قد فعله، على هذا المستوى، أراح الطبقة السياسية اللبنانية من غضب الشارع الذي كان يُمكن أن يكون قوياً للغاية، في ضوء ما جرت معرفته من فصول الفشل والإهمال والفساد والتآمر التي أنتجت انفجار مرفأ بيروت الكارثي.

وهذا "الترييح" سمح للقيادات اللبنانية بأن تعود الى لعبتها التقليدية، الأمر الذي أطاح بالرئيس المكلّف سابقاً مصطفى أديب، وأنتج الواقع الحالي المشكو منه.

إنّ ما فعلته باريس، بمناسبة انعقاد "مؤتمر الأربعاء"، يندرج في إطار إعادة تصويب المسار، من أجل إعادة الاعتبار إلى الورقة الشعبية التي ذاقت القيادات السياسية "طعمها المرّ"، في إطار ما بات يعرف بـ"ثورة 17 أكتوبر".

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إنّ باريس أعادت انفجار مرفأ بيروت الى الضوء، وهي حالياً، بعد مساهمة في "تمييع" سابق للمسؤوليات، تضغط مع شركائها، من أجل إنهاء التحقيقات وإعلان النتائج، مؤكدة أنّها، خلافاً لما يجري ترويجه، سلّمت السلطات اللبنانية كل ما تملكه من صور فضائية.

 

إنّ تجهيز البدائل في لبنان ليس مسألة معقّدة

 

وهذا يعني أنّ "الخدمة "التي قدّمتها الرئاسة الفرنسية سابقاً للقيادات السياسية اللبنانية، لم تتوقف فحسب، بل هي في إطار إسقاط ما أنتجته من مفاعيل.

إنّ إشراك المجتمع المدني في "مؤتمر دعم الشعب اللبناني"، بيّن للجميع، دولاً ومنظمات دولية"، أنّ البدائل في لبنان متوافرة، وقدّم أدلّة للشعب اللبناني على أنّ كلمته، ولو جرى "احتواؤها" لحين، إلّا أنّها تبقى حاضرة وفاعلة ومنتجة.

وإظهار باريس أنّ في لبنان بدائل قيادية حقيقية، رسالة قاسية الى الطبقة السياسية الحالية التي تعرف أنّها تستمد استمراريتها، من غياب البدائل.

إنّ تجهيز البدائل في لبنان ليس مسألة معقّدة، إذ إنّه من الدول التي فيها فائض في الكفاءات التي تعاني من مشكلة التهميش و..."التهشيم".

وهذه الكفاءات الحقيقية، ليس أسهل من إبرازها للبنانيين. 

تخيّلوا ماذا يمكن أن يبقى، غداً من القيادات السياسية المهانة والمنبوذة والمذمومة والعاجزة والكاذبة والفاسدة، إذا ما شُرّعت لهذه الكفاءات، برعاية "الدول المانحة"، أبوابُ الملوك والرؤساء ووزراء الخارجية ووُضعت منابرها بتصرّفها؟
حينها، من يدري، فقد تترحّم القيادات السياسية على العقوبات الأميركية التي جرى إنزالها أو يجري التهويل بها.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.