إردوغان انزعج من تناول إدراة الرئيس أوباما لعدد من ملفات المنطقة
إردوغان انزعج من تناول إدراة الرئيس أوباما لعدد من ملفات المنطقة

يتولى الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، مهام البيت الأبيض بعد 47 يوما، وبداية الرحلة الشرق الأوسطية، تلّوح بخلاف جذري مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وعقوبات أميركية لا مهرب منها على أنقرة حول صفقة "أس-400". 

ليل الخميس صوت الكونغرس، وبأكثرية من الحزبين قادرة على تخطي أي فيتو رئاسي، على الموازنة الدفاعية الأميركية للعام 2012، والتي تتضمن كأحد أبرز تعديلاتها عقوبات إلزامية على تركيا لاستحواذها المنظومة الدفاعية الروسية "أس-400". هذه العقوبات حاول تأجيلها الرئيس دونالد ترامب لعلاقته القريبة بإردوغان، إلا أنها باتت اليوم تحت سقف قانوني تشريعي من الكونغرس. 

ترامب قد يكون بإمكانه ركل الكرة أسبوعين وتأجيل العقوبات مرة أخيرة، بيد أن الواقع السياسي والتشريعي في 20 يناير، سيفرض على بايدن الأقل قربا من إردوغان، تنفيذ العقوبات. 

في 2016، راهن إردوغان على فوز ترامب كرجل أعمال معروف في أنقره وكشخصية قابلة للتفاوض ومرنة في أمور تحمي تركيا خارجيا وفي المعترك الأميركي. ونجح إلى حد كبير في نيل تفويض البيت الأبيض رغم معارضة البنتاغون، لدخول سوريا، وعبر توظيف التشنج بين ترامب والأوروبيين، أبرم صفقة الـ"أس-400"، ونجح في التوسع في شرق المتوسط، ودخول ليبيا والانخراط بنزاع أذربيجان وأرمينيا. 

اليوم، ومع تحذيرات حلف شمال الأطلسي "ناتو" لأنقرة حول صفقة الـ"أس-400"، ونزاع شرق المتوسط، بات تمادي إردوغان الإقليمي عبئا ثقيلا على الغرب. وفي حين سيحاول بايدن الحفاظ على المصالح المشتركة مع تركيا في مجال مكافحة الإرهاب والتبادل التجاري والخروج من أفغانستان، فالتصعيد لا مهرب منه بعد اختيار أنقرة تحدي واشنطن والمس بثوابت أمنية دفاعية في تركيا والمنطقة.

رهان إردوغان على خلق توازن في تحالفاته بين روسيا شرقا وأميركا والناتو غربا يتضعضع اليوم أمام خسارة تركيا عضويتها في تحالف طائرات الأف-35 وتأزم علاقتها مع الكونغرس. فتركيا التي كانت الدولة الشرق الأوسطية الوحيدة في هذا التحالف منذ 2002 إلى جانب كندا، الولايات المتحدة، أستراليا، الدنمارك، بريطانيا والنروج، كانت تنتظر تسلم مئة طائرة الأف-35 بعد صرف ملياري ونصف الدولار على منظومة روسية تتضارب دفاعيا واستخباراتيا مع النظم الدفاعية الغربية.

عقوبات قانون "كاتسا" الذي يلاحق التبادلات التجارية الضخمة مع روسيا ستضع بايدن في مواجهة مبكرة جدا مع إردوغان، إلا إذا تخلى الزعيم التركي عن منظومة "أس-400" وما هو غير متوقع. هذه العقوبات إطارها واسع جدا من حجب تأشيرات لمسؤولين تركيين إلى وقف الصادرات إلى حجب التعاملات المصرفية. 

إردوغان حاول في الأسابيع الأخيرة إغواء بايدن بالحديث عن إصلاحات اقتصادية وديمقراطية في تركيا، إنما هذا الكلام لا ينفع أمام قوانين الكونغرس. وبايدن ليس ترامب وليس لديه أي مصالح تجارية شخصية مع تركيا. لا بل الرجل له علاقة طويلة مع الأكراد في سوريا والعراق، ووزير خارجيته طوني بلينكن انتقد سياسة ترامب بالانسحاب من الشمال السوري وفتح المعترك أماما تركيا. فضلا عن ذلك، علاقة بايدن الأقرب للأوروبيين من ترامب والأكثر تشددا مع روسيا ستفرض إعادة ترتيب لأسلوب التعامل مع أنقرة.

حتى الساعة ينتظر أردوغان مكالمة هاتفية من بايدن كما كان الحال مع ترامب الذي اتصل به في 9 نوفمبر في 2016 أي بعد يوم على الفوز. مضى أكثر من شهر على فوز بايدن وهو أجرى اتصالات مع قيادات دولية ومع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، إنما "الهاتف لم يرن" في أنقرة.

تركيا وإردوغان أمام واقع جديد في البيت الأبيض في 20 يناير مع بايدن ستكون فيه الأولوية للمصالح الاستراتيجية والدفاعية الأميركية وليس لمناقصات شخصية أو كلام معسول، ردده الزعيم التركي لترامب في السنوات الأربع الأخيرة.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.