السيستاني يعد أعلى مرجع للشيعة في العراق.
السيستاني يعد أعلى مرجع للشيعة في العراق.

هزت المرجعية عصاها، وصوبت مباشرة على من عصى فتواها، ووضعت حدا لتأويلاته واجتهاداته، ففتواها الكفائية لم ولن تكون غطاء لأي مسار سياسي أو عسكري يخالف مضمونها الواضح الذي ربطته في الزمان والمكان المناسبين لتلك اللحظة. 

ولم يعد ممكن للمرجعية التي استخدمت حضورها الروحي والمعنوي حينها من أجل المساعدة في حماية العراق دولة وشعبا، أن تسمح باستغلال فِعلها العام في مفاعيل خاصة، فقد رسمت النجف الخيط الفاصل ما بين الحشد العام والآخر الخاص، بأن الأول الأساس، لذلك أصرت في مؤتمرها على تحديد الهوية وتثبيت مسمى حشد العتبات، فيما الثاني يواجه الآن مأزقا في تعريف هويته وغطائه.

في النجف، كان من الممكن أن يكون العراق بمواجهة حشدين، لكن قرار المرجعية استعادة الحشد الشعبي ووضعه في سياقه الطبيعي الذي أُسس من أجله، والذي يمكن أن يستمر على أساسه وضع حد لكل التكهنات والأحكام المسبقة التي صدرت قبل وأثناء المؤتمر من الأطراف المنزعجة أصلا من انعقاده ومن نتائجه، لأنها خسرت غطائها الروحي  والعقائدي وهي مضطرة الآن إما العودة إلى السياق الذي وضعته المرجعية والتخلي عن مكاسبها السياسية والاقتصادية، أو إعلان تمردها.

سياسيا، مؤتمر حشد العتبات الذي عقد في مدينة النجف بين الأول والثالث من الشهر الجاري وحمل عنوان "حشد العتبات حماة الفتوى وبناة الدولة"، جاء في مرحلة دقيقة يمر بها العراق والمنطقة، لذلك يمكن اعتباره أشبه بقرار استباقي اتخذته المرجعية الدينية العليا، يرتبط بخيرات وطنية وسياسية عراقية تتبناها وتدعمها النجف بشكل مباشر أو غير مباشر، وهي تريد قطع الطريق على استغلال الفتوى في تنفيذ أجنده خاصة أو استخدامها ضمن مشاريع ما فوق وطنية.

منذ 9 أبريل 2003، أثبتت مرجعية السيد السيستاني أنها استثناء في مرحلة استثنائية يمر بها العراق، تملك المبادرة في تصويب البوصلة الشيعية والوطنية، وفي هذه اللحظة الحرجة لم تتردد النجف في القيام بما يمكن وصفه بحركة تصحيحية داخل الحشد، فردته إلى نقطة البداية واستعادته ممن وضعوا يدهم عليه بقوة السلاح والهيمنة، وهذا ما سوف يسبب إحراج للأطراف المستهدفة من تحرك المرجعية، وتضعهم أمام مأزق تعريف هويتهم العقائدية وانتمائهم. 

فبعد المؤتمر لا يمكن الاستمرار بازدواجية الولاء والدور، فبالنسبة للحوزة فإن الحشد الذي دعت إليه لا يمكن أن يتحول إلى كيان سياسي مسلح أو يعمل بأجندات خارجية قد لا تتقاطع مع مصالح العراق وشعبه.

في توقيت مفصلي، أعادت المرجعية الحشد إلى المكان المفصلي وربطته بغطائها الجيوعقائدي، فالحشد الذي ولد من رحم العتبات الدينية الشيعية المقدسة، وهو وحده المكلف حمايتها، وهذه إشارة إلى الذين يرغبون في وضع يدهم على الجغرافيا الشيعية الروحية في أي مرحلة انتقالية تشهدها النجف تحت ذريعة ملء الفراغ وحماية الأماكن المقدسة، ولكن من أجل السيطرة عليها ومصادرة قرارها، لذلك أصرت المرجعية على دور العتبات باعتبارها الجهة المكلفة المسؤولية عن رعاية الحشد. 

في أصعب مراحل الدولة وضعف مؤسساتها، تصر النجف على التكامل ما بين الدولة ومؤسساتها العسكرية والحشد، وترفض أن يكون ضمن أي إطار مستقل، فالحشد الذي تريده المرجعية ليس فوق الدولة أو ما دونها، ولا يسمح له أن يقوم مقامها، هذا الحرص المؤسساتي على الحشد وضبطه من أجل ضمان انضباطه يخفف هواجس العراقيين وتخوفاتهم من فوضى سياسية وأمنية قد تتسبب بعنف أهلي نتيجة صراعات القوى المسلحة على السلطة.

وعليه، فإن قرار المرجعية العليا في تصويب مسار الحشد وتحديد مهامه ستؤدي حتما إلى الفرز بين مكوناته، بين من يلتزم بقرار المرجعية، وبين من قرر الخروج عنها لم يعد يستطيع أن يرفع لواء المرجعية ويخالف رأيها، فيكون أشبه بفساد الذي سرق المال العام ولكنه علق في منزله "هذا من فضل ربي".

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.