ألمانيا تسعى لحوار عاقل مع تركيا في مخالفة للسياسة الفرنسية الصدامية
ألمانيا تسعى لحوار عاقل مع تركيا في مخالفة للسياسة الفرنسية الصدامية

وقعت تركيا "دولة أتاتورك وما بعده" ضحية تاريخها العثماني رغم كل مقارباتها نحو الغرب "الأوروبي تحديدا"، وكذلك وبالمحصلة وبسوء التقدير وسوء النوايا أحيانا، كانت تركيا في تلك المقاربات أيضا ضحية تقلب المزاج السياسي "الأوروبي" وغطرسة بعض دوله المؤثرة.
واليوم، يمكن القول أن تركيا هي بين فكي كماشة لا ترحم، أحد طرفيها أوروبا بذات مزاجيتها السياسية، وكماشة الحكم الأردوغاني الذي يؤرجح الدولة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب في لعبة مصالح لا لتركيا "الدولة" بل لتحقيق مصالح رجب طيب أردوغان المتعددة والكثيرة والمتعلقة بالسلطة والسلطة فقط.

ويمكن التثبت من خلاصة الرؤية الأوروبية بتعطل فكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بعضوية كاملة وقد رسخت سياسات "الحكم الأردوغاني" مخاوف أوروبا التي كان يمكن تبديدها منذ عام ٢٠٠٥ لو انتهج الحكم التركي سياسة دولة تسعى فعلا لأن تكون دولة مؤسسات ديمقراطية بلا سلطة عسكرية مقلقة، ولا ديماغوجيا تستند على أسوأ ما عاشته تركيا في تاريخها: الحكم العثماني.
أوروبا ساهمت بصناعة الاستبداد الحديث وقد ارتدى ربطة عنق وبذلة أنيقة في أنقرة، والذي تشكل بفعل عوامل الطرد المركزي الذي مارسه الاتحاد الأوروبي منذ كان "جماعة أوروبية" معنية بالحديد والصلب، حتى اكتملت فكرته كوحدة إقتصادية وسياسية هي الأكبر في التاريخ الحديث.

كان خطأ أوروبا الفادح في مجمل علاقاتها مع تركيا أنها ظلت ترى "الباب العالي" في إسطنبول، منكرة واقع تركيا الجديد كدولة حديثة تسعى لترسيخ "علمانيتها وديمقراطيتها" عبر الانزياح القاري الصعب نحو الغرب.
المعادلة في الطرف التركي كانت بسيطة ومعقدة بنفس الوقت: الاقتراب من أوروبا يعني تفكيك سلطة العسكر بالضرورة ومع الوقت، وهذا يعني أيضا ذوبانا أكثر في دمقرطة المؤسسات والدولة.
الحجج التركية كانت أيضا متوفرة لدعم "أوربة" الأناضول: فمساحة ٣٪ من تركيا هي في طرف أوروبا الشرقي، وقد اعتبر الأتراك ( من خلال عيون أتاتورك ورؤيته) أن باقي المساحة الممتدة شرقا بعد ذلك ليست إلا امتداد طبيعيا لأوروبا.
واقتصاديا فإن تركيا ترى في نفسها جزءا حيويا من نظام السوق الأوروبي، في صادراته ووارداته وكذلك في استيعاب عمالته الوافرة والمؤهلة، والأهم استقطاب رأس المال الأوروبي للاستثمار.
وكانت الحرب الباردة سببا إضافيا جعل أنقرة ترى في أوروبا ملجأها الأمني الطبيعي، فاندمجت في حلف شمال الأطلسي بسهولة وفعالية، وكان الانضمام للاتحاد الأوروبي أمنية تركية أهم من عضوية الناتو بكثير.
تاريخيا، كان أول طلب رسمي تقدمت به تركيا الانضمام إلى "الجماعة الأوروبية" في نيسان عام ١٩٨٧، وبعد كثير من المد والجزر والتردد الأوروبي المستمر، وقعت أنقرة مع المنظومة الأوروبية الناشئة اتفاقية اتحاد جمركي (وفوائدها لا تزال منهمرة بوفرة على تركيا)، ويستمر الشد والجذب في التصريحات بين الطرفين حتى قمة هلسنكي عام ١٩٩٩، حيث قررت أوروبا ان تعطي املا كبيرا جدا لأنقرة فاعترفت بتركيا مرشحا رسميا للعضوية الكاملة فبدأت بذلك مفاوضات، بل ووضعت عام ٢٠٠٥ علامة نهائية للانضمام المتوقع.
ومنذ عام ٢٠٠٥، دخلت تلك المفاوضات مرحلة اليأس، وفي الأعوام الخمس الأخيرة ترسخت القناعة "أوروبيا" أن تركيا حتى بعد غياب سلطة العسكرتاريا التاريخية ليست مؤهلة الانضمام، فما هو أخطر من سلطة العسكرتاريا المناقضة لدولة المؤسسات الديمقراطية هو سلطة أردوغان الاستبدادية التي تلوح بعمامة الخليفة واستحضار العثمانيين مع إشعال النزاعات سواء بقضية اللاجئين، أو الاصطفافات الإقليمية ومؤخرا في المواجهة المباشرة في شرق المتوسط، وهي مواجهة كشفت عبثية الحكم الأردوغاني ومغامراته في علاقاته، وكشفت كذلك تاريخا مطويا من الظلم والتجني الأوروبي على الحقوق التركية منذ معاهدة سيفر، والرؤية الأوروبية القاصرة التي ظلت ترى في تركيا "خطرا عثمانيا" وجاء أردوغان ليرسخ الرؤية على سذاجتها.
كما انه من السذاجة كذلك الاعتقاد والتوهم بأن الإخوان المسلمين هم من يحكم تركيا، فسلطة أردوغان هي مزيج "سمي وقاتل" من قومية طورانية تتوسع بشرعية الباب العالي المقدسة، ويرى أردوغان تحقيقها من خلاله شخصيا عبر تحالفات لا تستقر وخاضعة لمزاجيته ومزاجيته فقط.

لم تكن السياسة الأوروبية "واحدة وموحدة" تجاه أنقرة، كما انها لم تكن ثابتة حد الاطمئنان، ومن أمثلة ذلك الانقلاب الفرنسي نحو أنقرة، فكان جاك شيراك بحكمته ( العميقة كرجل دولة ديغولي التأسيس) يرى في تركيا حليفا مهما لأوروبا وحائط دفاعها الشرقي مما يستدعي ضرورة التقارب للوصول إلى صيغة التحالف الأكثر مثالية. لكن في عهد ساركوزي "وهو المغامر سياسيا بكل الطيش الممكن" تنقلب السياسة إلى رفض كامل لتركيا، ووضعها موضع الشبهة الدائمة وفي خانة الخصوم.
ألمانيا، القطب الآخر في الاتحاد الأوروبي، كانت أكثر اعتدالا وتوازنا في العلاقات مع تركيا، ولأسباب عديدة ليس أقلها وجود الأقلية التركية بكثافة في الجغرافيا الألمانية، وخلو التاريخ المشترك بين الطرفين من مصادمات ومواجهات عسكرية أو احتلال جغرافي.
لكن أوروبا "بمنظومتها السياسية" أو بعقلها الأكثر عمقا تعاملت مع تركيا بمنطق معاهدة "سيفر" (١٩٢٠)، وغيرها من اتفاقيات ومعاهدات كانت أشبه بعقوبات دولية على تركيا العثمانية، وبأثر رجعي على كل تاريخ العثمانيين، انتهت إلى مواجهة أشبه باستحقاق تاريخي متوقع، في شرق المتوسط، لتجد أن الأزمات التي لم يعمل أحد على حلها في قضايا الحدود البحرية، وبقيت معلقة على ذمة معاهدات قديمة وظالمة، هي قنابل موقوتة وقعت في الأيادي "الخطأ" في أنقرة.
أردوغان، الرجل المنتشي بسلطته والمستمتع بلعبة التأرجح العبثي بين تحالفات لا تجد مستقرا لها في عهدته، لديه رؤية "غشيمة" بأن تلك المعاهدات يكفيها  وعود "شعبوية" بتمزيقها، وكان الأجدى بأنقرة ان تشق طريقا سياسيا للحوار حولها، وفتح ملفاتها دوليا وإقليميا بدبلوماسية كان أحمد داود أوغلو مثلا، قد بدأ بشقها على وعورة "العقل السياسي الأوروبي".
إن تتبعا بسيطا لتحركات أردوغان الإقليمية تكشف أنه يمارس عملية تمزيق للمعاهدات السابقة عبر تحركاته، فالاتفاق مع حكومة الوفاق في ليبيا، والذي أثار حنق أوروبا، ليس أكثر من رد فعل بأثر رجعي متأخر جدا على أتفاقية أوشي (١٩١٢)، والتي تم توقيعها بين إيطاليا والدولة العثمانية في قلعة اوسي بلوزان، حيث انسحب العثمانيون من ليبيا، مقابل انسحاب إيطاليا من جزر بحر إيجة التي احتلتها، لكن إيطاليا لم تفعل، بل واحتلت ليبيا نفسها بعد ذلك.
يمكن لنا قياسا ان نتتبع كل المعاهدات التي وقعتها تركيا "العثمانية أو الأتاتوركية" ونطابقها مع سياسات أردوغان لنكتشف "سياسة التمزيق" لا دبلوماسية الحوار التي ينتهجها سيد "الباب العالي" الجديد، ليس بدءا من معاهدة أثينا مرورا بسيفر المهينة والمذلة فعلا، أو لوزان (١٩٢٣) ثم اتفاقية أنقرة والتي يحاول أردوغان بتمزيقها على طريقته أن يحتل الموصل كأرض تركية، أو اتفاقية مونترو (١٩٣٦)  والتي يحاول فيها الرئيس التركي إعادة السيطرة على المضائق والسيطرة على البحر الأسود، ثم معاهدة باريس (١٩٤٧) والتي أخضعت جزرا كثيرة في المجال الحيوي التركي لسيطرة دول المحور وتريد تركيا استعادتها.
كل ذلك، كان يمكن حله سابقا لو قبلت أوروبا بمفاوضات أو بادرت هي بالتفاوض مع تركيا في قضايا ترسيم الحدود البحرية ومعاهدات بحرية منصفة بدلا من التلويح بوثيقة غير رسمية امام أنقرة مثل "خريطة أشبيلية" وهي خريطة غير رسمية وضعها عام  ٢٠٠٠ أستاذ جغرافيا بحرية إسباني في جامعة أشبيلية واعتبرت (هكذا ببساطة) ان كافة الجزر في بحري إيجة والمتوسط ومهما كان قربها من اليابسة التركية جزرا يونانية لأنها تتمتع بجرف قاري يوناني (!!). 
أوروبا لم تتبن الخريطة رسميا، لكنها ظلت على الدوام تدعم اليونان التي اعتمدت تلك الخريطة "الغريبة" رسميا كسند قانوني لمطالبها، مما يعني مثلا وليس حصرا - حسب الخريطة- ان جزيرة "ميس" التي تبعد عن أنطاليا التركية ٢ كم فقط، وتبعد عن أقرب نقطة يونانية يابسة مسافة ٥٨٠ كم، هي أرض يونانية لأن الخريطة منحت اليونان جرفا قاريا بمساحة أربعين ألف كيلومتر مربع. وعليه تصبح تركيا عاجزة عن المطالبة بأي ثروة طبيعية على مرمى شباك صيد من سواحلها.


السياسة الأكثر حصافة في التعامل مع أنقرة كانت في ألمانيا، التي حاولت ولا تزال تحاول أن تلجم مراهق الأليزيه النزق ماكرون، والذي يبحث في تصعيد أزمته مع تركيا عن مخرج آمن لأزماته الداخلية.
ألمانيا وعبر ميركل وإدارتها الأكثر خبرة تاريخيا في التعامل مع الأتراك (هناك طواقم مستشارين من أصول تركية بل وعربية يقدمون الرأي على الدوام)، استطاعت أن تميز بين الخصومة مع أردوغان وطموحاته العبثية، والحفاظ على مصالح الأتراك عبر التواصل مع الأحزاب الأخرى والمعارضة لأردوغان والمستعدة لسياسات أكثر عقلانية.
ألمانيا، أدركت أن أردوغان ليس تركيا، ولو أنها تعاملت معه على أساس أنه "كل تركيا" أو أتاتوركها الجديد، فإنها تقدم له خدمة بترسيخ مفهوم يسعى هو شخصيا إلى ترسيخه.
على أوروبا باتحادها ومنظومتها السياسية أن توحد دبلوماسيتها تجاه أنقرة ضمن سياسة حازمة لكن بلا ظلم، سياسة تحمل القيم الأوروبية التي شكلت منظومتها السياسية أساسا، لا قيم فترة الحرب العالمية الأولى الاستعمارية.
عليها ان تتعامل مع أردوغان بحزم يتناسب فعلا مع مغامراته العبثية التي تضر بتركيا قبل غيرها، ومع تركيا "الدولة" بتعامل الحليف والشريك المميز والمؤهل لأن يكون عضوا..ربما ذات يوم.

واستطرادا..
بعد قراءات كثيرة استغرقتني واستغرقت فيها عن تركيا وتاريخ مع جغرافيا الأناضول، كنت استذكر دوما قصيدة للشاعر الروسي بوشكين، يتحدث فيها عن روسيا، لكن وجدت قصيدته مناسبة تماما لتركيا، فاستبدلت كلمة روسيا بتركيا من قصيدة بوشكين والتي صارت تقول:
نعم..
تركيا هي الشرق الأقرب للغرب
نعم..
تركيا هي الغرب الأقرب للشرق.
وذلك لغزها الغامض..
غموض ليس فيه أي أسرار.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!