سيد قطب
سيد قطب خلال محاكمته في القاهرة عام 1966.

عندما صدرت الترجمة العربية لكتاب د. وائل حلاق: "الدولة المستحيلة" قبل ست سنوات تقريبا، أحدث جدلا واسعا في الساحة الفكرية العربية عامة، والإسلاموية خاصة. لفت انتباهي هذا الاهتمام، فوضعت الكتاب على قائمة الاهتمامات القرائية الطويلة. والظاهر أن خفوت الاهتمام به ـ نسبيا ـ بعد ذلك؛ جعلني أضع الأولوية لمؤلفات أخرى، كنت أراها لا تحتمل التأجيل.

لم يكن الكتاب متوفرا لدي، وبحثت عنه في بعض المكتبات التي زرتها في مصر والمغرب فلم أجده. وهذا أسهم في تأجيل قراءتي له. لكن، لحسن الحظ، تمكنت من الحصول عليه قبل سنتين في نسخة إلكترونية. وبمجرد قراءتي للصفحات الأولى منه، وللفهرس، أدركت أهمية الكتاب (بصرف النظر عن الموافقة أو عدم الموافقة على أفكار الكتاب). أكملت قراءته، وكعادتي مع الكتب المهمة؛ كتبت أثناء القراءة ما يشبه النقد والتلخيص لأهم ما يُشْكِل فيه، أو ما يُمثّل جديدا يستحق التسجيل كسبق للمؤلف الجاد، أو كسبق للموضوع محل البحث.

كتبت في آخر هذا النقد/التلخيص عبارة من سطرين، مفادها أن جوهر الرؤية العامة للكتاب أصولية إسلامية انغلاقية (وهنا المفارقة، كون المؤلف مسيحيا!)، ضِدّية عِنَادِيّة، في رؤيتها لمسار العلاقة بين الأنا والآخر، وأنها ـ في مُؤَداها النهائي ـ لا تختلف عن المنطق العام للرؤية الأصولية القُطْبية (نسبة إلى المفكر الإخواني: سيد قطب). وكنت أريد أن أشير لهذه النتيجة في أي مقال يقع في دائرة الاهتمام بجدليات الحراك المتأسلم.  

لكن، وبما أن الموضوع لم يكن محل إلحاح، لا على اهتمامي الخاص، ولا على اهتمام الساحة الفكرية العامة آنذاك، فقد انشغلت بغيره. ولم يُعِدني إليه ـ بداية هذا العام ـ إلا انشغالي بفَرْز وتصنيف بعض الأوراق التي غالبا ما أخرج بها من قراءاتي. عندما رأيت الأوراق الخاصة بالكتاب، تذكّرت عزمي السابق على ذكر هذه النتيجة في مقال. وحيث لا مقال في هذا الموضوع على قائمة الكتابة آنذاك، فقد خشيت أن أنسى، وأن يطول الأمد؛ خاصة وأني كنت أعتقد أن لا أحد سبقني إلى هذا الملاحظة؛ رغم وضوحها! لهذا، بادرت بكتابة "تغريدة" تذكر هذه النتيجة التي ختمت بها مختصري/ نقدي؛ لتكون محل نظر/ فائدة لكل من قرأ الكتاب أو ينوي قراءته، بل ولكل من له اهتمام بموضوع الكتاب.

لم يكن ثمة شيء أشد غرابة من ردة الفعل الغاضبة التي لم تكتفِ بمجرد رفض هذه النتيجة، بل مزجت الرفض بالغضب الحانق (بل الاتهام بأنك لم تقرأ الكتاب، أو لم تفهم الكتاب، أو أن لك موقفا من مؤلف الكتاب...إلخ التهم المجانية)، هذا الغضب الذي يفترض أن لا مبرر له في سياق رؤية نقدية لأفكار مطروحة؛ ليست محل حسم نهائي. كان هذا غريبا، وكان أغرب ما فيه أنه أتى من عُشّاق الأصولية (الأصولية الإسلاموية والأصولية القوموية)، دون سواهم من الباحثين الموضوعيين، أو من أولئك الذين يحاولون أن يكونوا كذلك. 

هنا، تذكرّت أني قبل ثلاث أو أربع سنوات، قلت للكاتب التونسي/ د. أبو يعرب المرزوقي: إنك لا تختلف ـ في المنطق العام لطرحك ـ عن المفكر الإخواني/ سيد قطب. كان هذا على صفحات تويتر، ورد عليَّ بأن سيد قطب لا يملك العمق المعرفي الذي يمتلكه هو! أوضحت له أن اصطناع الطرائق المعرفية/ البحثية لا يعني ـ بالدوافع وبالنتائج، ومن ثم الاستراتيجيا ـ أنك لست قطبي الرؤية، وأنك لم تُقدّم شيئا يتجاوز جوهر الرؤية القطبية بحال. هنا غضب مني؛ واكتفى بالتعبير عن غضبه؛ دون يثبت أن ثمة اختلافا جوهريا/ نوعيا بين أطروحته وأطروحة الأخوين قطب: سيد قطب ومحمد قطب.

أذكر أن بعض المعجبين بالمرزوقي غضبوا عليَّ؛ غضبا له، وتبرّعوا بالتهم نفسها التي قالوها لي عند نقدي لوائل حلاّق؛ مع زيادة تهمة، وهي أني أتخذ موقفا سلبيا منهما: المرزوقي وحلاّق؛ لمجرد أنهما معاديان/ كارهان للغرب (وحتى هذه الزيادة تبرّع بها بعضهم لاحقا)؛ من حيث يرونني تغريبيا خالصا لا يقبل في الغرب لومة لائم! 

عندما كتبت تغريدتي التي أشير فيها إلى قطبية/ أصولية حلاق أوائل هذا العام 2020، لم أكن أعرف أن هناك من سبقني إلى ملاحظة ذلك، ولو كنت أعرف لرددت بها على أولئك الغاضبين، مؤكدا لهم أنها ليست رؤيتي/ نقدي لوحدي، وبالتالي، فالغضب/ الاتهام يجب أن يطال الجميع. 

ما دعاني إلى كتابة تلك التغريدة أني إبان القراءة الأولى للكتاب، وإبان قراءتي لملخصه/ لنقدي له، امتلكني الشعور نفسه الذي امتلكني بداية دارستي الجامعية؛ عندما قرأت التراث القطبي للأخوين: سيد قطب ومحمد قطب. لقد شعرت بأنني أعيش الأجواء نفسها، وأن ما يُريد وائل حلاق إقناعي به في بحوثه الجادّة، حاول ذلك التراث القطبي قبل ثلاثين عاما تقريبا إقناعي به في لغة تطفح بالوجدانيات، بل وبالشعارات الاستغوائية باذخة الإغراء.  

بعد شهرين تقريبا من كتابة التغريدة في نقد حلاّق، وجدت إشارة للباحث المغربي/ منتصر حمادة، تشير إلى "التلقي العربي لتراث حلاّق"، ومن ضمنها إشارته لبعض الباحثين (أذكر منهم: خالد الحروب) الذين أكدّوا هذا المسار القطبي الذي يتخلل جوهر المشروع الذي ينهض به وائل حلاق. بعد ذلك، اكتشفت باحثين آخرين لاحظوا هذا المنحى الأصولي القطبي، في مقالات بحثية منشورة في أكثر من منصة فكرية/ إعلامية على امتداد هذا الفضاء الإلكتروني. ما يعني أنه ملمح واضح، يستطيع اكتشافه أي قارئ متجرد من الانتماءات الأصولية ذات النفس الضدي (بل حتى هؤلاء اكتشفوه، بل وربما سبقونا إلى ذلك؛ وهذا سبب حماسهم الشديد للدفاع عنه؛ كما يدافعون عن أي رمز أصولي صريح!).

ما أعادني إلى هذا الموضوع الآن، هو أن ذات الغضب، وذات الدفاع، ومن ذات الانتماءات الفكروـ سياسية، صدرت قبل أيام؛ عند تأكيدي على خطورة الرؤية "القطبية الأصولية" التي تستبطن كتابات المروزقي وطه عبد الرحمن (ذكرت أننا أمام سيد قطب التونسي، وسيد قطب المغربي؛ من حيث هما نسخة مطوّرة ـ بكثير من الطلاء التنظيري المُموّه ـ من سيّد قطب المصري/ الأصل). وهنا، وجدت المفكر العراقي الكبير/ د. عبدالجبار الرفاعي يضيف وائل حلاق، كقُطبي منسي. ثم أردف د. عبدالجبار ذلك بتسجيل لمحاضرته التي أشار فيها لخطورة أطروحة وائل حلاّق الأصولية التي تعزّز ـ في النهاية ـ خطاب الأصوليين.

إذن، كثيرون لاحظوا هذا المنحى الخطير في خطاب هذا الثلاثي: طه عبد الرحمن، المرزوقي، وائل حلاق، الذي يحاول الالتفاف على خطاب التنوير بخطاب بديل، جوهره "استعادة أسوأ ما في التراث؛ بوصفه أفضل ما في التراث"؛ مقابل التأكيد ـ الضمني والصريح ـ على نَفَسٍ ضِدِّي عِنَادِي يشتعل رفضا للآخر. 

طبعا، ثمة فروقات كبيرة بين هؤلاء الثلاثة، ولكن، ما يجمعهما هو هذا النسق الأصولي الناظم لمجمل الرؤية؛ لتجد أنك إن اقتنعت بما يقدمونه فستكون أصوليا كامل الأصولية. نعم، ستختلف على مسارات تكتيكية من هنا وهناك، ولكنك لن تختلف على الاستراتيجية العامة التي تشكل ـ بالنسبة لهم جميعا ـ جوهر الخطاب، الذي هو خطاب أصولي انغلاقي في نهاية المطاف.

أحيانا، يسألني بعضهم أسئلة استنكارية مراوغة: هل وائل حلاق ـ وهو المسيحي ـ إسلاموي تكفيري؟ هل طه عبدالرحمن تكفيري يُؤيّد القتل والتفجير، أو حتى يؤيد حركات الإسلام السياسي؟...إلخ هذه الأسئلة التي تقرأ ـ بواسطة الجُمَل والفقرات ـ ولا تقرأ المنطق العام للمشروع في محاوره النسقية. بل إن أحدهم يسألني: هل التكفير واضح وصريح وكثيف عند سيد قطب؛ كما هو عند السلفية التقليدية ؟. 

إن هذه الأسئلة وأمثالها تعني أن "القراءة الحشوية" التي ترصد الجمل والفقرات والمقولات الصريحة، وهي القراءة السائدة في المجتمعات التقليدية، لا تدرك خطورة الأصولية إلا من خلال التكفير الصريح، التكفير الديني، بل هي لا تدرك خطورة التكفير الديني إلا من خلال خطورة لازمة القتل والتفجير. بينما مسارات الخطورة ليست على هذا النحو الآلي الاجتزائي، فإذا كان ملمح التكفير عند قطب لا يصل 1% مما هو عند التقليدية، فإن خطاب قطب يطرح ما هو أخطر، أي ما يتمثّل في خيار انغلاقي انعزالي في سياق مشروع خيار حضاري عام، منفصل، بل ومعاد، لكل الخيارات الأخرى، من خلال منحها كل صفات التبخيس والتأثيم.  

إن الأخطر ـ ثقافيا ـ من خطاب قطب، هو خطاب هؤلاء الثلاثة: طه عبد الرحمن، والمرزوقي وحلاّق، فهم حتى وإن انتقدوا قطب وأمثاله من منظري الإسلاموية، أو حتى رفضوهم صراحة، بل وحتى لو انتقدوا "مشروع الأصولية الإسلاموية" بمجمله، فإنهم لا ينتقدونه أو يرفضونه من حيث هم يتقدّمون بمشروع مغاير/ مختلف نوعيا، وإنما من حيث كون المشروع الأصولي (مشروع القطبية خاصة، أو مشروع الأصولية الإسلامية عامة)، عاجز ـ في نظرهم، وخاصة بعد مسار الخيبات المتلاحقة ـ عن الوصول إلى الغايات المتفق عليها ضمنا، الغايات التي تُشكّل جوهر/ مِحْور الرؤية، وخطها الاستراتيجي العام. 

ما يقوله هؤلاء الثلاثة ضمنا (وهم رموز أبويّة لنماذج آخذة في الظهور) أنهم يريدون تقديم مشروع يمتلك خاصيتين: 1ـ أنه أشدّ ـ في عمقه ـ أصولية من أصولية الإسلام السياسي الساذج، المعني بالتمظهرات الشكلية غالبا. وسذاجته تعني أنه كثيرا ما يقع ضحية خداع الحداثة التي تلقي بشباكها الاستدامجية بقوة منطق الأمر الواقع. 2ـ أنه أكثر فاعلية، وأقدر على تحقيق النجاح، وأكثر توفيرا لرأسمال التضحيات التي كثيرا ما استنزفت طاقات الخطاب الأصولي الصريح.

إن هؤلاء الثلاثة يُشكّلون ما أسميه: "فرسان القبيلة"(القبيلة الأصولية)، فرسان القبيلة المهزومة الذين آمنوا بالقبيلة ابتداء، ومن ثَمَّ آمنوا بفروسيتهم، وبقدرتهم على انقاذ القبيلة من عار الهزيمة. لهذا، فهم قد يغضبون على أفراد القبيلة الأصولية لتقصيرهم، قد يعيبون على الفرسان السابقين سذاجتهم، بل قد يشتمونهم غضبا من المآلات التي وجدوا أنفسهم فيها بسبب طيش أولئك السابقين، بل وقد يُعنّفون القبيلة ككل، ولكنهم في النهاية أبناؤها وفرسانها، ولا يتصوّرون أنفسهم إلا فرسانا لها، إنهم ـ وهذا هو المهم، وهو الفارق ـ يسيرون بها في ذات الاتجاه، يحاربون ذات الأعداء، يُحامُون عن ذات دوائر الانتماء/ الحِمَى، يقع الحافرُ السابقُ على الحافرِ اللاحقِ في ذات الاتجاه، الاتجاه هو ذاته، لا فرق إلا في توهّمهم أنهم الفرسان الجدد أنهم يحملون من العُدّة والسلاح ومقومات النصر؛ ما لم يكن يمتلكه فرسان القبيلة السابقين!    

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.