المناظرة الأولى بين بايدن وترامب اتسمت بالحدة
ترامب لا يزال يرفض الإقرار بنتائج الانتخابات.

خلال الأسبوع المنصرم بدت الولايات المتحدة وكأنها دون رئيس. وخلال سبعة أيام زاد عدد الوفيات بسبب جائحة كورونا عن 13000، وتخطى عدد المصابين بالفيروس في المستشفيات المئة ألف، بينما وصل عدد الإصابات اليومية إلى أكثر من 191 ألف إصابة.  وتخطى عدد الوفيات أكثر من 280 ألفا. وخلال الأسبوع الماضي، وهو الأسوأ منذ اجتياح جائحة كورونا للبلاد مطلع السنة، كان عدد ضحايا الفيروس يساوي عدد ضحايا هجمات سبتمبر 2001 الإرهابية في اليوم. 

الرئيس ترامب تعامل مع هذه التطورات بصمت مطلق وكأنها تجري في كوكب آخر. ومنذ انتهاء الانتخابات تطرق ترامب ربما ثلاثة مرات إلى الجائحة، ولكن بهدف كيل المديح لنفسه. يوم أمس (الأحد) تطرق ترامب إلى الفيروس حين أعلن في تغريدة عن إصابة رودي جولياني الذي يقود فريقه القانوني، بفيروس كورونا، الأمر الذي اقتضى إدخاله إلى المستشفى لاحقا. 

وأصبح جولياني آخر ضحية للفيروس الذي أصاب أكثر من 50 موظفا ومسؤولا في البيت الأبيض في الأسابيع الماضية. على الصعيد الاقتصادي، لا تزال معدلات البطالة عالية، وخلال الأشهر الثلاثة الماضية ازداد عدد العاطلين عن العمل لفترة طويلة عن 2.3 مليون، وأخفق الاقتصاد في استيعاب 224 ألف وظيفة، كان يفترض أن يستوعبها في الشهر الماضي. أيضا صمت مطلق من الرئيس ترامب.

وعلى الرغم من اقتراب موعد بدء عمليات التلقيح ضد الفيروس في مطلع السنة المقبلة، إلا أن المسؤولين عن مكافحة الأوبئة وغيرهم من المعنيين باحتواء الجائحة يحذرون من أن الأسابيع المقبلة سوف تشهد ارتفاعا ضخما في معدلات الإصابات والوفيات، في مختلف الولايات. ويواصل هؤلاء حض المواطنين على العمل بتوجيهات المراجع الصحية باستخدام الأقنعة وتجنب التجمع في الأماكن العامة، وغيرها من الإجراءات الاحترازية، ولكن الرئيس ترامب ومسؤولين آخرين مثل وزير الخارجية مايك بومبيو يتجاهلون هذه التوجيهات، ويشاركون في احتفالات بمناسبة الأعياد في أماكن مغلقة ودون إلزام الحضور ارتداء الأقنعة.

في المقابل، يواصل الرئيس المنتخب جوزف بايدن حض الأميركيين على العمل بتوجيهات الأجهزة المسؤولة عن مكافحة الجائحة، ويواصل التأكيد على أن القضاء على الجائحة سيكون في طليعة أولوياته الداخلية الملحة، إضافة إلى إنعاش الاقتصاد. ويوم الجمعة، حض بايدن أعضاء الكونغرس على إقرار مشروع لتحفيز الاقتصاد، ووعد بالدفع لقرار مماثل آخر بعد وصوله إلى البيت الأبيض:"الأميركيون بحاجة إلى المساعدة الآن، وسوف يحتاجون لمساعدة جديدة في أول السنة المقبلة".

ولكن كل ما يملكه الرئيس المنتخب الآن هو دوره الأخلاقي والمعنوي، لأن ترامب لا يزال الرئيس الذي يتمتع بجميع الصلاحيات الدستورية حتى ظهر العشرين من يناير المقبل. ومع اقتراب  سنة حافلة بالمآسي والتحديات من نهايتها، نرى الرئيس ترامب يتخلى عن مسؤوليته الدستورية الرئيسية: حماية أرواح ومصالح المواطنين الأميركيين، ويوقف جميع نشاطاته الرسمية ليركز بشكل أساسي على حملته العبثية للبقاء في السلطة من خلال التشكيك بنزاهة الانتخابات الرئاسية ونشر نظريات المؤامرة التي تتحدث عن عمليات تزوير شاملة في مختلف الولايات المتأرجحة والتي فاز فيها المرشح بايدن، على الرغم من أن جميع الطعون والدعاوى التي تقدم بها في ولايات ويسكونسن ونيفادا ومينيسوتا وميتشغان وأريزونا وجورجيا وبنسلفانيا والبالغ عددها 40 دعوى، قد رفضها القضاة، بمن فيهم قضاة جمهوريين. 
أحد قضاة المحكمة العليا في ولاية ويسكونسن، برايان هاغدون رفض طلب حملة ترامب إلغاء نتائج الانتخابات، قائلا "هذا طريق خطير تطلبون منا أن نسلكه".  وهكذا بدت الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي دون رئيس. ترامب يقوم بمهمة انتخابية مستحيلة، بعد أن تخلى عن واجباته الرسمية تجاه المواطنين، وبايدن غير قادر إلا على المناشدات الأخلاقية والسياسية لأنه لا يملك الآن أي صلاحيات دستورية تنفيذية خلال الفترة الانتقالية.  

بعد مرور أكثر من شهر على الانتخابات، وبعد النكسات القانونية الكبيرة التي مني بها في المحاكم لتقويض نتائج الانتخابات، يواصل الرئيس ترامب حملته ضد شرعية انتخاب جوزف بايدن، وللمرة الأولى منذ الانتخابات شارك ترامب في مهرجان انتخابي مساء السبت في ولاية جورجيا التي ستجري فيها معركة انتخابية فرعية لاختيار عضويين في مجلس الشيوخ سوف تظهر أي من الحزبين سيسيطر على المجلس الجديد، حيث كرر ادعاءاته العبثية وتضليله، ونكرانه للواقع حين قال "أنتم تعلمون أننا فزنا بجورجيا، عليكم أن تفهموا ذلك" . وواصل تعلقه بالأوهام حين قال إنه فاز بولايات أخرى، أكدت سلطاتها فوز المرشح بايدن فيها، وادعى أن الديموقراطيين "مارسوا الغش وزوروا انتخاباتنا الرئاسية، ولكننا لا نزال قادرين على تحقيق الانتصار". 

ويرى بعض المحللين أن ترامب يدرك أنه خسر الانتخابات، ولكن نشاطاته "المسرحية" بشأن نتائج الانتخابات موجهة لقاعدته بالدرجة الأولى لكي تواصل إرسال التبرعات المالية لحملته بحجة إنفاقها على الطعون والدعاوى، مع أن معظم التبرعات تصل إلى المنظمة السياسية التي سيعتمد عيلها ترامب بعد نهاية ولايته. وخلال شهر واحد، تلقى ترامب تبرعات من أنصاره زادت عن 210 مليون دولار.

ترامب المحاصر لا يجد أمامه إلا أعدائه الديمقراطيين، وخصومه العنيدين المتخيلين في "الدولة العميقة"، والمسؤولين والقياديين الجمهوريين الذين يتهمهم بالتخلي عنه أو بخيانته. وكرر ترامب يوم السبت هجماته ضد حاكم ولاية جورجيا الجمهوري برايان كيمب لأنه يرفض قبول ادعاءات الرئيس بحدوث عمليات تزوير كبيرة في الولاية، وأن عليه إلغاء النتائج من خلال عقد دورة خاصة للمجلس التشريعي للولاية، وهو ما رفضه كيمب لأنه يعني تجاهل إرادة الناخبين. 

وكان ترامب قد اتهم الحاكم كيمب، وحاكم ولاية أريزونا الجمهوري دوغ دوسي بأنهما "يحارباننا بقوة أكثر من القوة التي يحاربنا بها الديمقراطيون الراديكاليون". وحتى وزراء ترامب الذين كانوا مقربين منه جدا مثل وزير العدل وليام بار لم يسلموا من غضبه.  

وبعد أن قال بار، في مقابلة صحفية الأسبوع الماضي، إن الوزارة لم تجد أي عمليات تزوير للانتخابات يمكن أن تغير النتائج، تعرض إلى انتقادات شديدة من محامي الرئيس رودي جولياني، كما أن ترامب نفسه رفض القول إنه لا يزال يثق بوزير عدله، الذي لا يزال معرضا للإقالة في أي لحظة.

الرئيس ترامب الذي فرض على نفسه حصارا في البيت الأبيض، يقضي معظم وقته في اجتماعات مع أولاده، ومساعديه القلائل في مناقشة سبل قلب نتائج الانتخابات، وإجراء الاتصالات الهاتفية بقادة الحزب الجمهوري في الولايات التي يريد تغيير نتائج الانتخابات فيها، وكذلك بحث إمكانية إصدار قرارات عفو عن أولاده وبعض المقربين منه مثل رودي جولياني، وآخرين، ومراقبة بعض البرامج التلفزيونية التي يرتاح اليها. 

ويقول المسؤولون في البيت الأبيض، في تسريبات خلفية للصحفيين، إن مشاعره تتراوح بين الإحباط والغضب والرغبة بالانتقام من خصومه وأعدائه الحقيقيين والمتخيلين. ولا يزال أمام ترامب 45 يوما قبل انتهاء ولايته، ما يعني أن لديه وقتا كافية لمكافأة أصدقائه ومعاقبة أعدائه ووضع العقبات أمام الرئيس الجديد من خلال اتخاذ قرارات تنفيذية، وتعيين أنصاره في مراكز حساسة كما فعل مؤخرا في وزارة الدفاع، وإضعاف القيود المفروضة على حماية البيئة، والسماح لشركات النفط بالتنقيب في المحميات. 

وفي تطور مقزز، تعتزم وزارة العدل التعجيل بتنفيذ عدد من عقوبات الإعدام في الأيام الأخيرة للرئيس ترامب. وكانت إدارة ترامب في الصيف الماضي قد انهت فترة تجميد عقوبات في البلاد التي استمرت لاكثر من 17 سنة، حين أمرت بتنفيذ ثلاثة إعدامات خلال أربعة ايام. وليس من الواضح ما هي المبررات القانونية والأخلاقية لمثل هذا التحول المفاجئ تجاه تنفيذ عقوبات الإعدام.

وقبل انتهاء ولايته من المتوقع أن يصدر ترامب قرارات عفو عن شخصيات مثيرة للجدل إما موجودة في السجون لجرائم ارتكبتها في السابق، أو حتى في البيت الأبيض لشخصيات غير متهمة رسميا، ولكنها يمكن أن تجد نفسها أمام القضاء في المستقبل، بمن فيهم أولاد الرئيس وغيرهم من المقربين منه.

وهكذا سينهي ترامب ولايته بإعدامات بشعة كانت معلقة لسنوات، وقرارات عفو عن شخصيات قد لا تستحق العفو. مرة أخرى يثبت ترامب كم هو غريب وبعيد عن الرؤساء الأميركيين الأربعة والأربعين الذين سبقوه إلى السلطة. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.