الملك غازي بن فيصل الأول ثاني ملوك العراق
الملك غازي بن فيصل الأول قضى نحبه بحادث سير.

من مرويات التاريخ السياسي العراقي الحديث، ثمة حكاية تُسرد حول رسالة غريبة الأطوار، قضى جميع الذين كانوا على علاقة بها حياتهم قتلاً. من كاتبها السياسي العراقي رستم حيدر، مروراً بموقعها ملك العراق غازي الأول، وحاملها الوزير جعفر العسكري، وانتهاء بمستلمها الضابط بكر صدقي.

لم يُقتل جميع هؤلاء في حادثة واحدة متعلقة بالرسالة أو مضمونها، بل خلال سنوات متتالية، وعبر أحداث لا صلة مباشرة فيما بينها، لكنهم جميعاً في محصلة لقوا حتفهم قتلاً ضمن فضاء واحد كانوا يشغلونه، السلطة العُليا في الدولة العراقية وقتئذ.  

طوال تاريخهم الاجتماعي والسياسي الحديث، كان العراقيون يأخذون حكاية تلك الرسالة كمثال على سوء الطالع والنحس الذي قد يكون مصاحباً لبعض الأشياء والأوقات! شيئاً شبيها لمرويات وأقاصيص القرون الوسطى. 

لكن قلما ألتفت أحدٌ ما للمناخات والديناميكيات واشكال الحياة العامة التي كانت في العراق وقتئذ، طوال سنوات النصف الثاني من ثلاثينات القرن المنصرم، حين كان القتل مصيراً شبه محتوم للشخصيات المنخرطة في الفضاء العام، وحيث أن ذلك المصير لم يتأت من مصادفة أو سوء طالع تراجيدي، بل من حتمية ما، كانت من مفرزات ما تعيشه البلاد من أحوال وقتئذ.

فهذه الشخصيات كانت تنتمي إلى منابت ومواقع وطبقات وأدوار مختلفة تماماً، لكنهم جميعاً قُتلوا، لأنهم، ومع مجمل اختلافاتهم تلك، كانوا أعضاء في رأس هرم الدولة العراقية، التي كانت بأدوارها وهوياتها وديناميكيتاها تفرز حتمية القتل تلك. 

فالملك غازي كان شاباً عشرينياً يافعاً، محملاً بالنزعات الشعبوية القومية والدينية المناهضة للنفوذ البريطاني، تلك التي أدت به لأن يكون مؤيداً لألمانيا النازية، ويتنسى بأن بريطانيا هي التي انتزعت واختلقت مملكة العراق من الإمبراطورية العثمانية، وعينت والده ملكاً حاكماً عليها. الملك الشاب الذي كان منساقاً وراء شخصيات مثل رشيد عالي الكيلاني، بكل ما كان يكتنزه ذلك الشخص من عصبوية عسكرية وخطابية وروح انقلابية، ويخطط لتحويل العراق إلى مركزاً لمناهضة النفوذ البريطاني، بما في ذلك دعم النازيين الألمان وضم دولة الكويت ومناهضة اليهود. 

بهذا المعنى، فأن الملك اليافع نفسه كان يؤسس لتحويل بلاده من مملكة دستورية ديمقراطية مؤسسة حديثة، إلى كيان ثوري عسكري، وأولاً في وجه القوة التي أسسته ورعته، فكان مصيره القتل في حادث سيارة، وجهت أصابع الاتهام لمناهضيه السياسيين، بما في ذلك أعضاء أسرته المقربين، بدعم من البريطانيين.

كاتب الرسالة، السياسي والوزير العراقي رستم حيدر، المنحدر من منطقة بعلبك اللبنانية، كان عضواً ونموذجاً لصفوة الوزراء والساسة العراقيين/الأجانب، الذين جاءوا مع العائلة الهاشمية الحاكمة في أوائل العشرينات من القرن المنصرم، الذين ما لبسوا أن صاروا نُخبة الحُكم المركزية في البلاد. مثل ساطع الحصري ونوري السعيد وغيرهم الكثيرين، الذي زاحموا أهل البلاد وشغلوا مناصب كانت موضوعياً من حقهم، وصار الكثير منهم من صفة أثرياء البلاد. حيدر الذي كان يشغل منصب وزير المالية العراقي، قُتل على يد مواطن عراقي بسيط، يُدعى حسين فوزي توفيق، كان يعمل موظفاً في الوزارة وفُصل من وظيفته، ولم يستجب حيدر لكل طلباته ورجاءاته للعودة إلى عمله. 

أما مستلم الرسالة، الضابط العسكري بكر صدقي، ذو الأصول الكردية، فقد كان نموذجاً لصعود طبقة ضباط الجيش، الحالمين بالهيمنة على المجال السياسي عبر الانقلابات العسكرية، والتي قاد صدقي أول واحدة منها في تاريخ المنطقة عام 1936، متطلعاً لأن يكون ملكاً غير مُعلن على البلاد. الانقلابي صدقي فعل ذلك، بعد شهور قليلة من ارتكابه مجزرة سيميل البشعة بحق المدنيين من أبناء القومية الآشورية. تلك الدموية العسكرية التي لاقت ما يقابلها، فقُتل صدقي في مطار مدينة الموصل بعد أقل من عام على انقلابه، وعلى يد عنصر عسكري بسيط.     

 أما حامل الرسالة، الضابط الحالم جعفر العسكري، فقد كان ينتمي إلى طبقة الضباط الاحترافيين، الضابط المحمل بكل أشكال المعارف والثقافة العالمية، والمنحدر من سلالة ضباط الجيش الذين درسوا في الكليات العسكرية الاختصاصية، من الذين كانوا يُحرمون انخراط ضباط الجيش في أي قضية سياسية أو منصب حكومي. قُتل العسكري لأنه اعترض على مشروع بكر صدقي الانقلابي، حينما خرج إليه من بغداد، ليثنيه عما يقوم به، ويحذره من فداحة ما يقوم به، فأمر صدقي بقتل زميله ورفيق دربه ميدانياً!

بمعنى ما، فإن عراق النصف الثاني من ثلاثينات القرن المنصر، كفضاء عام وديناميكية حُكم، هو الذي أطاح بكل هؤلاء، على ما بينهم من تباينات. 

فالعراق وقتئذ كان دولة محكومة من نخبة دخيلة على سُكان البلاد، من الملك وحاشية ورثها عن أبيه، كان يثق بأعضائها أكثر مما كان يثق بسكان البلاد. وفوق ذلك حاكمون يتطلعون لتغيير جوهري في الهوية الاستراتيجية للبلد الذي يحكمونه، ليغدو كياناً شعبوياً مناهضاً للقوة التي اختلقته من العدم، بريطانيا. مع طبقة نامية ومتضخمة من ضباط الجيش الذين قمعوا مختلف انتفاضات البلاد، فصاروا يتطلعون لمزيد من الثروات والسلطات. 

كل ذلك كان ينتج قتلاً عاماً، ما كان لأحد أن ينجو منه. 

في عراق اليوم الكثير من ذلك، تفصيلاً. فروح الدولة العراقية التي كانت في زمن الملك غازي، ما لبثت أن تضخمت واستمرت بما كانت عليه. 

فنخبة حُكم العراق راهناً، تجمع غربتين عن سكان البلاد. غربة الولاء لغير الدولة العراقية، لدول وإيديولوجيات ونزعات غير عراقية. مع غربة أخرى تتعلق بطبقة الحاكمين/القادمين الجدد، الذين جاءوا إلى العراق بعد العام 2003، دون أن يتخلوا مطلقاً عن حيواتهم ومصالحهم ومرتكزات عيشهم في بلدان المنافي التي كانت. فغالبية الحاكمين العراقيين الجدد يحملون أكثر من جنسية واحدة، وتعيش عائلاتهم خارج البلاد. 

كذلك، فإن الهوية السياسية للدولة العراقية راهناً تميل لأن تكون شعبوية قاتلة. تستميت لأن تكون أكثر انفعالية مما هو مفترض أن تفعله، من العلاقة الإسرائيلية الفلسطينية، مروراً بما بين إيران والولايات المتحدة، وليست انتهاء بسوريا واليمن، يظهر العراق انفعالاً وتهوراً أكثر حتى من أصحاب القضايا تلك. لكن الأفظع كامن في هذه الانتقامية التي يُظهرها الحاكمون العراقيون للدولة التي أوصلتهم لسُدة الحُكم، الولايات المتحدة. 

مع الأمرين، ثمة ملايين الشُبان المنخرطين في الجيش والفصائل المسلحة والمليشيات الطائفية وعصابات الجريمة المنظمة، الذين لا يستحوذون على أي تعليم قيمة أو مهنة أو مهارة قد تنتج لهم كفاف حياتهم، خلا فيض وهاج من العنف، المادي والرمزي.

كل ذلك، ومثلما كان قبل قُرابة قرن، وحتى الآن، لن يُنتج إلا قتلاً وضاحاً.   

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.