بابكر: يستحيل القضاء على التنظيمات العنيفة بواسطة العمليات الأمنية أو العسكرية فقط
بابكر: يستحيل القضاء على التنظيمات العنيفة بواسطة العمليات الأمنية أو العسكرية فقط

قلت في الجزء الأول من هذا المقال، إنه لا يجوز توصيف الأشخاص المنتمين لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بأنهم مجرد أناس "منحرفين ومرضى نفسيين" كما قال وزير الدولة للشؤون الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، بل يجب النظر بصورة أكثر عمقا وحصافة للمدارس الفقهية التي تمثل الحواضن الحقيقية لتفريخ أصحاب الفكر العنيف ومن بينها المدرسة السلفية.

أتناول في هذا الجزء مدرسة أخرى من تلك المدارس، وهي الجماعة التي عرفت في التاريخ الإسلامي بإسم الخوارج، وذلك لخروجها على الخليفة الرابع، علي بن أبي، طالب لقبوله التحكيم في صراعه مع معاوية بن أبي سفيان، وعلى الرغم من إنزواء هذه الجماعة وغياب فرقها المتشددة عن المشهد الإسلامي العريض، إلا أنها كانت أولى الجماعات التي اتبعت نهج التفسير الحرفي للنصوص القرآنية.

إن المقولة المنسوبة للخليفة، علي بن أبي طالب، حول طبيعة النص القرآني: "القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق، وإنما يتحدث به الرجال"، تحيل إلى حقيقة التفاوت بين الناس في معرفتهم وفهمهم وتفسيرهم لآيات القرآن، وهو الأمر الذي يؤدي لحتمية الإختلاف في تحديد دلالات النصوص وصياغة معانيها.

قد أدى رفض الخوارج لربط تفسير الآيات القرآنية بأسباب النزول، والاكتفاء بالتفسير الحرفي الظاهري للآيات، إلى إرتكابهم أفعالا عنيفة ومتوحشة، فضلا عن مخالفتهم لأبسط قواعد النظر العقلي، فعندما نظروا في الآية (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)، أصدروا فتوى بقتل جميع أطفال غير المسلمين حتى لا يلدوا كفارا!

 وعندما قرأوا الآية :( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) طفقوا يعذبون خصومهم ويتشفون بقتلهم دون تردد وبضمير مرتاح ومطمئن باعتبار أنهم ينفذون الأوامر الإلهية.

ومن مفارقات تمسك الخوارج بظاهر النصوص ما أورده إبن الجوزي في "تلبيس إبليس" أنهم قالوا: لو أن رجلا أكل من مال يتيم فِلْسَيْن وجبت له النار، لقوله تعالى: (إن الذين يأْكلون أَموال اليتامى ظلما إِنما يأْكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا)، ولو قتل اليتيم أو بقر بطنه لم تجب له النار لأن الله لم ينص على ذلك! 

وأيضا نجد أن الخوارج خرجوا على السيدة عائشة زوجة الرسول الكريم وأم المؤمنين وبرروا موقفهم ذلك بالقول: لِمَ خرجت من بيتها، والله تعالى يقول: (وقرن في بيوتكن)؟

أما مخالفة قراءتهم الحرفية لأبسط قواعد المعقول، فتنعكس في القصة التي رواها إبن حزم في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل"، وجاء فيها أن الصحابي، عبد الله بن خباب، كان يمضي هو وزوجته في طريق به جماعة من الخوارج، فعلق المصحف في عنقه ومضى مطمئنا، فقبضوا عليه قائلين: الذي في عنقك يأمرنا بقتلك، وسألوه ماذ تقول في خلافة أبوبكر؟ فقال خيرا، وماذا تقول في خلافة عمر؟ فقال خيرا، وماذا تقول في خلافة عثمان، فقال خيرا، ثم سألوه: ماذا تقول في علي وفي قبوله التحكيم؟ فقال إن عليا أعلم بكتاب الله منا، فقربوه من النهر بمرأى من زوجته وذبحوه!

إن خطر القراءة الحرفية يتبدى في المفارقة بين القصة أعلاه والحادثة التي رواها المبرد في كتابه "الكامل في اللغة والنحو والتصريف"، وجاء فيها أن كبير المعتزلة، واصل بن عطاء، أقبل في مجموعة معه فلم يشعروا إلا والخوارج من حولهم، فقال واصل لأهل رفقته: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم، وكانت جماعته قد أوشكت على العطب فقالوا له: شأنك، فخرج إليهم وحيدا، فقالوا له: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون، ليسمعوا كلام الله، ويعرفوا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم ! قال: فعلمونا، فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معي. قالوا: فامضوا مصاحبين، فإنكم اخواننا. قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) فأبلِغونا مأمننا، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا : ذلك لكم، فساروا بأجمعهم حتى بلّغوهم المأمن!

نحن هنا بإزاء مفارقة عقلية بائنة ناتجة عن القراءة الحرفية للنصوص حيث قام الخوارج بذبح رجل مسلم (صحابي) كان يعلق المصحف على رقبته، بينما اعتبروا المشركين إخوانهم وأجاروهم ثم أ بلغوهم مأمنهم! 

قد لعبت التوجهات الدينية المرتبطة ببعض المدارس الفقهية دورا كبيرا ومهما للغاية في تشكيل منظومة المبادئ والأفكار التي أدت لبروز وتنامي ظاهرة العنف الأصولي الإسلامي التي توجت بقيام تنظيم داعش.

بالتالي فإنه يستحيل القضاء على التنظيمات العنيفة بواسطة العمليات الأمنية أو العسكرية، لأن أفكارها موجودة وتنتشر بقوة عبر مؤسسات التعليم الحكومي النظامي أو التعليم الديني، أو عبر قنوات التعليم غير النظامي المتمثلة في دور العبادة (المساجد)، وأروقة جماعات التدين السياسي وعبر وسائل الإعلام والقنوات الفضائية وبرامج الفتوى وغيرها.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.