الاجتماع تم في البيت الأبيض الأربعاء.. بحسب رويترز
.

يبدو وكأن العالم قد تنفّس الصعداء إزاء العودة المرتقبة للولايات المتحدة إلى دورها القيادي، على أساس المسؤولية المادية والمعنوية، وليس من موقع القوة القاهرة، في ملفات دولية متعددة كادت خلال المرحلة الماضية أن تتنصل منها. على أن الإفراط بالتفاؤل قد لا يكون في محله.

عالمياً، التوقعات مرتفعة من الإدارة الجديدة في قضايا عديدة، من التبدل المناخي وعواقبه البيئية الخطيرة المتحققة والمرتقبة، وصولاً إلى الملفات الشائكة لحقوق الإنسان والتي تستباح دون رادع في دول عديدة، مروراً، وربما هو الأهم، بتعزيز المنظومة الدولية بمؤسساتها وأجهزتها كإطار للتفاعل الندّي بين الدول، خارج منطق الإكراه والتلويح بالعقاب عند عدم الامتثال.

لا داعي للشك بأن الرئيس المنتخب، ومعه فريق العمل المحيط به، صادق في نوايا الدفع قدماً في هذا الاتجاه. على أن اصطفاف جملة واسعة من العوامل في مواجهة هذه الرغبة تدعو إلى قراءة أكثر حذراً لما يصحّ أن ترتقبه المرحلة القادمة.

ذلك أنه، داخلياً، جو بايدن يواجه كماً كبيراً من الملفات التي تتطلب العناية الفورية الفائقة، من الشأن الصحي العام، وسط جائحة مستمرّة بالتمدد وإن لاحت آفاق اللقاحات، مروراً بأوضاع اقتصادية لم تستوعب عواقب الوباء بالكامل بعد، مع اقتراب نفاد الدعم الذي أقرته الحكومة الاتحادية وبروز العراقيل إزاء تجديده، وصولاً إلى أزمة اجتماعية محتدمة ضمن واقع انفصام ثقافي جاء الفصل الانتخابي الأخير ليزيده خطورة.

الرئيس الجديد، يوم يتولّى مهامه، قادر بالطبع أن يباشر بخطوات رمزية لرسم معالم توجهه في خطوات ذات أثر على السياسة الخارجية، بما في ذلك تلك التي تشير إلى نية إصلاح ما أفسده الرئيس الحالي، وفق رأيه، مثل العودة إلى اتفاقية المناخ ورفع الحظر عن مواطني دول استهدفت استتباعاً لوعد دونالد ترامب الانتخابي بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، وإيقاف العمل بإجراءات الترحيل المتشددة والتي يتعرّض لها مقيمون مفتقدون لكامل شروط الإقامة. توقيع الأوامر التنفيذية بهذه الشؤون قد يجري في اليوم الأول لتولي جو بايدن الرئاسة. على أن الانتقال من إشهار النوايا والرغبات إلى تحقيق التبديل سوف يكون أكثر تعقيداً.

لا تفيد الدلائل والمعطيات المتوفرة بأن الديمقراطيين، محازبي الرئيس المنتخب، هم بموقع الفوز بالانتخابات الاستدراكية والتي تقيمها ولاية جورجيا لمقعديها في مجلس الشيوخ بالكونغرس في الخامس من الشهر المقبل. إذ رغم تفوق بايدن على ترامب في جورجيا، بفارق ضئيل جداً، وتحصيله الأصوات الانتخابية لهذه الولاية الجنوبية والتي لم تقترع لصالح الديمقراطيين منذ انتخابها لبيل كلينتون عام 1992، فإن الغلبة هنا، عددياً وتنظيمياً وتمويلياً، تبقى للجمهوريين. 

ورغم أن الحزب الديمقراطي في جورجيا، وفي طليعته ستايسي أبرامز، وهي التي كادت أن تفوز قبل عامين بحاكمية الولاية، قد نجح بتعبئة لا سابق لها في الأوساط "السوداء"، بل إلى أبرامز يعود الفضل ربما بمنح بايدن الأصوات الانتخابية لجورجيا، فإن إمكانية تكرار هذا الإنجاز بكسب مقعدي الولاية بمجلس الشيوخ تقارب التلاشي. وإذا لم يحصل هذا الأمر المرجوح، فإن مجلس الشيوخ في الكونغرس سوف يبقى بيد الجمهوريين، بما يعنيه ذلك من قدرة على عرقلة التعيينات التي يريدها الرئيس المنتخب، واعتراض إصدار القوانين التي قد يسعى إلى تنفيذها.

أي أن الولايات المتحدة، وسط تحديات داخلية وخارجية عميقة، متشعبة وخطيرة، مقبلة على مرحلة سياسية تتسم على الأغلب بالجمود والعجز والعرقلة.

وفي حين أن جو بايدن ذو سمعة طيبة حول سجله في السعي إلى التوفيق بين الجهات المختلفة وتجاوز المناكفات الحزبية ومدّ اليد إلى الحزب الخصم، فإن سجّله هذا قد لا يجديه نفعاً في الأوضاع الحالية، حيث الاصطفاف الذي تكرّس خلال الأعوام الماضية هو اصطفاف يقترب ممن الإطلاق، وحيث الخصومة تولّد المقاطعة والطعن.

ولكن حتى قبل أن يواجه بايدن قضية تجاوز الخصومة السيئة بين الحزبين، فإنه لا يسعه الاطمئنان إلى السلام الأهلي داخل حزبه، المنقسم للتوّ بين "تقدميين" و"معتدلين". الجمع الأول، أي التقدميين، يحاكون في "تكفيرهم" للسياسيين وللناخبين الجمهوريين عتاة المحافظين والذين يعتبرونهم بالمقابل من "الاشتراكيين" و"الشيوعيين". أما "المعتدلون" فهم اليوم شخصيات منفرد البعض منها ذات حضور، ولكنهم ليسوا تياراً قادراً على التعبئة.

هل يتمكن بايدن من أن يتجاوز الصورة الشائعة عنه، بأنه شخصية سياسية باهتة وأنه، من شبابه إلى شيخوخته، كثير الهفوات قليل الحزم، ليخرج بصفة الرئيس القادر على الموازنة بين التنافس داخل حزبه وعلى التناطح بين الحزبين، في أجواء الأزمة والانفصام؟

ربما، لدى من يحبّذ التفاؤل. على أن الأمر لا يستدعي التشاؤم بأن يكون المتوقع، مهما فعل بايدن، هو أن يثابر دونالد ترامپ على جهوده لإفشال مساعي خلفه.

لا يزال البعض يتوجس من الخطوات غير المعتادة والتي يلجأ إليها الرئيس الحالي، مع رفضه الإقرار بفوز خصمه بالرئاسة بناء على مزاعم غريبة تفترض مؤامرة محكمة تورّطت بها جهات متباينة بل متعارضة ومتخاصمة، ونجحت على ما يبدو بإخفاء كل أثر، على الأقل بالقدر الذي يستوجب تحركاً قضائياً. ورغم أن تجليات الرفض هذه لم تنفد، ولن يتوقف استدعاء كل ما في الجعبة منها، مثل دعوة المجالس التشريعية في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون إلى تجاوز نتائج التصويت العام وإيفاد المندوبين المؤيدين للرئيس الحالي إلى المجمع الانتخابي، بل حتى الحديث المدهش عن فرضية إعلان حالة الطوارئ ونشر القوات المسلحة الاتحادية في الولايات لإبطال النتيجة بحجة فائض التزوير وفرض بقاء الرئيس الحالي لعهدة ثانية، فإن احتمالات أن يتغلّب دونالد ترامب على حقيقة أن جو بايدن هو من سيشغل منصب رئيس الولايات المتحدة بعد شهر ونيّف تقترب من العدم.

شتّان بين ذلك وأن يقال أن صفحة دونالد ترامب قد طويت. بل يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة، غير مسبوقة مرة أخرى، في تاريخها، تضاعف ما شهدته في الأعوام القليلة الماضية.

يوم فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية عام 2016، تعالت أصوات الاعتراض على الواقع الجديد. الولايات المتحدة سقطت معنوياً، بنظر الكثير من المعترضين، لاختيارها شخصاً بالعيوب الأخلاقية للرئيس المنتخب حينها. "ليس رئيسي" شعار شاع يومها، دون أن تصل المسألة إلى التمرد. ثمة من ساءه أن مجموع الأصوات الشعبية كان لصالح المرشحة الخاسرة، نتيجة الطبيعة الخاصة للنظام الانتخابي والذي يوازن بين المواطنين كأفراد والولايات كاتحاد. وثمة من اعتبر أن الفوز مشبوه، وارتاب من دور روسي في دفعه، بناء على معطيات معقولة وسلوك مريب لترامب والمحيطين به. وفي حين أن خصوم الرجل يدرجون ملاحقتهم المستمرة له على مدى أعوام ولايته في إطار واجبهم بالتصدي لتجاوزاته المتفاقمة وأدائه الكوارثي، فإن رباطهم هذا، من وجهة نظر المجذوبين للرئيس، كان عدواناً سافراً ناتجاً وحسب عن غيظهم إزاء فوزه بالرئاسة، بل كان تمرداً ومحاولة انقلابية ومؤامرة فشلت وحسب بفضل فطنة الرئيس وذكائه السياسي.

عند الحدّ الأدنى، الأعوام الأربعة المقبلة سوف تكون صورة طبق الأصل لما جرى، من باب المعاملة بالمثل بنظر العديدين. طعن وملاحقات وتشكيك ببايدن وأسرته وأدائه وذكائه واتزانه، وتعبئة ونعرات وأحقاد بين خصومه وخصومهم. وبما أن أنصار ترامب اعتبروا أن سلوك أعدائه في المرحلة الماضية كان انقلاباً وخروجاً على شرعية الرئيس، فلا يلومنّهم أحد إن هم جاهروا برفض رئاسة بايدن دون تحفظ. على أن الحظ يكون قد حالف الولايات المتحدة إذا اقتصر الأمر على ازدحام كلامي لحال الانفصام هذا.

دونالد ترامب رجل أعمال. ليس ناجحاً بالقدر الذي يزعمه له من يناصره، ولكنه بوسعه استشفاف الفرص حين تطرح أمامه. هو لم يجترح القسمة في هذا المجتمع الذي يعاني منها مزمناً، وإن استفحل الداء في العقود الماضية. بل هو ارتاد خطابها وبلغ قمته إلى أن تماهى معه. خلال شهر ونيّف، أي منذ خسارته الانتخابية، كان أمام ترامب أحد خيارين، أما الإقرار بالخسارة، مع ما يستتبعه ذلك من انهيار لصورته وثروته وربما وضعه القضائي، أو السير قدماً بالتصعيد، بما ينسجم ربما مع رغباته الذاتية وما قد يحقق له المصالح بالتأكيد، وإن تطلب الأمر المثابرة والمبالغة والإفراط في الزعم والأداء.

ترامب اختار التصعيد، وكان التعويض لكل انتكاسة شهدها في المحاكم المزيد من الدعم المالي من مؤيديه. أي أن الولايات المتحدة، والتي عاشت حملة انتخابية شعبوية عام 2016، تلتها رئاسة شعبوية تطمح بأن تكون سلطوية، تشهد اليوم تشكل واقع سياسي شعبوي ينتقل بالانفصام الثقافي إلى حالة حرجة تلامس التقسيم السياسي.

يسأل دونالد ترامب "هل يعقل أن جو بايدن قد تفوّق على باراك أوباما في تحصيله لأصوات الناخبين «السود»؟". هل حقاً لهذا الرجل من الجاذبية والشخصية والقدرة على الإبهار ما يجعله يأتي بنتائج أفضل من كل من دونالد ترامب وهيلاري كلينتون وباراك أوباما، فيما ترامب نفسه قد حشد الجمهور الغفير وحصل منهم على التصفيق وهتافات التأييد، رغم الوباء، في عشرات المهرجانات الانتخابية قبل اليوم الموعود؟ لا تفسير من وجهة نظر ترامب ومؤيديه إلا أن يكون في الأمر تزوير وغش.

فيما يتعدى خيبة الأمل الشخصية، وما يصاحبها من تعويض في إنكار الواقع، فإن الأرقام الناتجة عن الانتخابات ليست مكافأة على الأداء الاستعراضي لنجمين متنافسين، بل هي انعكاس لحالة الانفصام القابلة للتصعيد، والتي يبدو دونالد ترامب عاقداً العزم على استثمارها، بما يرضي غروره ومصلحته، إلى أقصى حد، على مدى المراحل المقبلة.

الولايات المتحدة لن تعود إلى ما كانت عليه. من شأن بايدن أن يقدم على الخطوات الرمزية، على أهميتها لإعادة بناء الثقة مع أفرقاء عدة، داخلياً وخارجياً، ولكن جهوده وقدراته، بل أولوياته، تبقى محكومة باعتبارات خرجت من القمقم ولن تعود إليه. وكما الولايات المتحدة، فإن رئاسة بايدن ليس من شأنها أن تبدل من واقع أن العالم، بدوره، لن يعود إلى ما كان عليه. زمن شيّق، وفق المثل الصيني، عسى ألا يمسي زمن شقاء.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.