سكارليت جوهانسون "تعشق" الأعمال الخيرية
سكارليت جوهانسون طالبت بالإفراج عن معتقلي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

لم يشعر الأمن أو القضاء المصري بأي إحراج عندما أخلى سبيل أعضاء المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بعد ساعات من مطالبة نجمة هوليود الأميركية سكارليت جوهانسون بإطلاق سراحهم في تسجيل مصوّر قالت فيه أن هؤلاء النشطاء "يواجهون تهما زائفة تكفي للزج بهم في السجون لسنوات، بينما تهمتهم الوحيدة هي وقوفهم للدفاع عن كرامة المصريين"، وعند نجاح مساعي نجمة هوليود طالبها مدوّنون على مواقع التواصل الاجتماعي، "كلمتين كمان يا ست عندنا 60 ألف معتقل تاني"، واشتكى إليها آخرون بلهجة ساخرة من هموم معيشية مثل صغر حجم رغيف الخبز!. 

وإذا كان التزامن بين إطلاق سراح الناشطين وتسجيل سكارليت جوهانسون مجرد مصادفة، فقد سبقته مصادفة أخرى في 4 نوفمبر الماضي، إذ عندما أظهرت نتائج الانتخابات الأميركية أن بايدن في طريقه للفوز بالرئاسة قامت السلطات المصرية بإطلاق سراح بضعة مئات من معتقلي الرأي والموقوفين احتياطيا في قضايا حرية التعبير والتظاهر، وربط مدونون مصريون بين الأمرين وأطلقوا هاشتاغ "بركاتك يا بايدن"، وقال آخرون "يبدو أن محكمة جنايات القاهرة اكتشفت فجأة بعد فوز بايدن أنهم أبرياء"، لأنه بينما كان ترامب يصف السيسي تحبّبا بديكتاتوره المفضل كان بايدن يعد أعضاء حزبه بأنه سيتابع ملف حقوق الإنسان في مصر.   

خصوصا بعد أن وجّه 56 من أعضاء الكونغرس الأميركي الديموقراطيين خطابا للرئيس السيسي في شهر أكتوبر الماضي طالبوه فيه بالإفراج عن النشطاء والحقوقيين والمعارضين السياسيين في مصر لأنهم: "ما كان يجب سجنهم بالأساس، واعتقالهم عمل غير قانوني وغير مقبول في أي حال من الأحوال"، كما تابعت الرسالة أن هناك عشرات الآلاف يقبعون بلا وجه حق في السجون المصرية منذ سنوات، وانضمّ إلى أعضاء الكونغرس الأميركي 222 نائب أوروبي نشروا أيضا رسالة تطالب الرئيس السيسي بالإفراج عن "النشطاء والصحفيين والمحامين وغيرهم من سجناء الرأي المحتجزين ظلما في ظروف غير آمنة". 

وفي مصادفة جديدة في شهر ديسمبر الحالي وعشية زيارة الرئيس السيسي لباريس أعلن قاض مصري إنهاء التحقيقات في قضايا عديدة اتهمت فيها 20 منظمة غير حكومية بتلقي أموال من الخارج بطريقة غير قانونية والتدخّل في الشؤون السياسية للبلاد، وأكّد القاضي أن هذه المنظمات لم تعد موضوع إجراءات جنائية، بل تابع في اكتشاف متأخّر "أن مؤسسات المجتمع المدني هي جزء من قطار التنمية المستدامة"!، رغم أنه تم سجن بعض أعضاء هذه المؤسسات لفترات طويلة كما فرض حظر سفر على آخرين ومصادرة وتجميد أموال هذه الجمعيات. 

وكان هذا الانقلاب في الموقف المصري مستغربا، لأن وزارة الخارجية المصرية كانت قد ردّت قبل بضعة أيام فقط على بيان من الخارجية الفرنسية أدان اعتقال نشطاء المبادرة المصرية بأسلوب المكابرة المعهود، "إن البيان الفرنسي تدخّل في شأن داخلي مصري ومحاولة للتأثير على تحقيقات تجريها النيابة مع مواطنين مصريين، وإن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تعمل بشكل غير شرعي"، أي أن الحكومة المصرية تغيّر مواقفها سريعا بما يشبه كبسة الزر عندما تأتيها التوجيهات الرئاسية. 

كما أثار تغيّر الموقف السريع تساؤلات حول مدى استقلالية مؤسسة القضاء المصري، والأهم من ذلك أنه أثبت أن الضغوط الخارجية فقط هي التي تستطيع لجم السلطات المصرية عن قمع مواطنيها، فهذه السلطات لا تقيم وزنا أو اعتبارا لحياة الإنسان المصري، الذي يتم اعتقاله وتحطيم مستقبله ومستقبل أطفاله وعائلته بكل سهولة إذا قام بنشاط سياسي أو عبّر عن آراؤه أو همومه بطريقة لا تعجبها، أي لولا رقابة العالم الخارجي لن يكون من المستغرب حتى اصدار أحكام قاسية بحق السجناء، وفعلا أدانت منظمة هيومن رايتس ووتش إعدام 49 شخصا خلال عشرة أيام فقط من شهر أكتوبر الماضي دون وجود قناعة دولية بقانونية هذه الأحكام. 

هذا بالإضافة إلى حالات الوفاة المتكررة بين الموقوفين والسجناء والتي لا يمكن تبريرها، إلّا بسبب ظروف الاعتقال اللاإنسانية، وعادة تقوم أجهزة الأمن بلفلفة هذه القضايا وتلفيق أسباب أخرى للوفاة وتمر هذه الحوادث بكل سهولة لأن ضحاياها مجرّد مواطنين مصريين!، لكنها لم تنجح في التستّر على جريمة قتل الطالب جوليو ريجني لأنه إيطالي، ولأن أهله وحكومة بلاده لم يتوقفوا عن متابعة قصّته التي أصبحت قضية رأي عام في إيطاليا. 

فالحكومة الإيطالية لا تستطيع تجاهل مقتل أحد مواطنيها على يد عناصر أمن دولة أجنبية دون أن تتم محاسبة الفاعلين، ولذلك يعتزم القضاء الإيطالي قريبا النظر في إحالة خمسة من أفراد جهاز الأمن الوطني المصري للقضاء للنظر في إمكانية القيام بمحاكمة جنائية لهم في إيطاليا، كما شكّلت قضية ريجني عقبة أمام تحسين العلاقات المصرية الإيطالية بل دفعت إيطاليا لتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري قبل بضعة أيام مع حكومة الوفاق الليبية لمعرفتها أن هذا يزعج القاهرة، أي أن لهذه التصرفات أثمان سياسية واقتصادية. 

ومصر ليست سوى مثال عن الكثير من الدول العربية التي تجد صعوبة في التأقلم مع التغيرات التي أصابت العالم، ومازالت تصرّ على اتباع الأساليب القمعية القديمة رغم أنه في كثير من الحالات لا توجد ضرورات أمنية أو سياسية لها، فليس بإمكان بضع ناشطين أو ناشطات تشكيل خطر على استقرار الأنظمة بينما اعتقالهم قد يفعل ذلك، لأنه يعقّد علاقات هذه الدول مع حلفائها الطبيعيين ويعطي خصومها مادة للهجوم عليها، خصوصا أن الكثير من عوامل القوة الاقتصادية أو السياسية التي كانت تتمتع بها بعض الدول العربية والتي كانت تسمح لها بتجاوز القانون الدولي دون خشية من التبعات لم تعد موجودة. 

إذا أرادت مصر وغيرها من الدول العربية أن تكون جزءا من المجتمع الدولي فليس أمامها سوى مراعاة ملف حقوق الإنسان، والبديل عن ذلك هو إما أن تكون من الدول المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية والنظام السوري التي تعيش شعوبها في مجاعة وعزلة عن العالم الخارجي وفي هذه الحالة يصبح بإمكان الحكام القيام بما يريدون من جرائم بحق الشعب، أو أن تسير على خطى إردوغان الذي حوّل تركيا من دولة لها صفر مشاكل مع محيطها قبل عقد من الآن، إلى دولة لديها علاقات متوترة مع الكثير من دول العالم وخاصة دول الغرب مما انعكس على اقتصادها بانخفاض قياسي في قيمة عملتها. 

إذ حتى روسيا القوة النووية العظمى تضطر في كثير من الأحيان للرضوخ للمطالب الدولية، مثلما فعلت عندما وافقت على نقل المعارض الروسي أليكسي نافالني لألمانيا لتلقّي العلاج بعد تسميمه بغاز الأعصاب، لأنها لا تستطيع المخاطرة مثلا بإيقاف خطوط الغاز الأوروبية ذات الأهمية الحيوية للاقتصاد الروسي، رغم أن نقل نافالني لألمانيا أعطى الغرب دليلا ماديا على استخدام أشخاص روس لغاز الأعصاب في محاولة لتصفية معارض سياسي لبوتين.  

الإجراءات الأخيرة التي قامت بها الحكومة المصرية هي خطوة في الاتجاه الصحيح بغض النظر عن دوافعها، وهناك آمال بأن تكون الحكومة المصرية قد أدركت أن العالم قد تغيّر وأنه لم يعد من المقبول الاستمرار في السياسات السابقة، وفي هذه الحالة يجب متابعة هذه الخطوات بإطلاق سراح بقية المعتقلين السياسيين والعمل على توسيع هامش استقلال القضاء المصري والسماح بحريّة الإعلام، فلا وجود لدول عصرية حديثة بدون قضاء مستقل وإعلام حر والأيام المقبلة ستكشف إن كانت هذه مجرد خطوات تكتيكية لامتصاص الانتقادات الدولية أم بداية لسياسة جديدة.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.