متظاهرون من الناصرية يرفعون أغلفة رصاص حي جمعت من ساحة الحبوبي
متظاهرون من الناصرية يرفعون أغلفة رصاص حي جمعت من ساحة الحبوبي

طوال عام من "احتجاجات تشرين" كانت الشعارات والمواقف الأبرز التي تعبّر عن تحدّي قوى السّلطة تصدر من ساحة الحبوبي في الناصرية، وظلَّت هي الوحيدة التي لم ترضَ برفع خيام المتظاهرين، كما أن الناصرية تعد الآن المحافظة الوحيدة في العراق التي لا يوجد فيها مقرّ لأيّ حزبٍ سياسي! ولذلك كانت أغلب دعوات زعماء الأحزاب والسياسيين باستعادة (هيبة الدولة) غايتها حماية مقرّاتهم الحزبيّة.

ويبدو أن تطوّرات الأحداث الأخيرة في ساحة الحبوبي أثبتت أن ساحات الاحتجاج وجمرة التظاهر لا تزال تلتهب في صدور شباب العراق، ومحاولة تحالفات قوى السلطة غير المعلنة يبدو أنها فشلت في معركة تحدّي كسر الإرادة، ومحاولة إنهاء مظاهر الاحتجاج الأخيرة في محافظة الناصرية. 

إن زعامات السّلطة لا تفهم، أو لا تريد أن تفهم إصرارَ شباب ساحات التظاهر، وإن العلاقة طرديّة بين إصرارهم وتمسّكهم بمطالبهم المشروعة وبين كلّ محاولات إنهاء التظاهرات بالبطش والعنف. ولا تريد أن تأخذ العبرة من فشل الحكومة السابقة والقوى السياسية بمواجهة المتظاهرين بأسلحة القتل؛ تارة بسلاح الدولة وأخرى بسلاح جماعات قوى اللادولة، أو استخدامها خطاب التخوين أو وعود غايتها التسويف والمماطلة. 

ومع بداية العدّ التنازلي لموعد الانتخابات، التي يفترض أن تكون في يونيو 2021، يمكن تفسير الصِدام الأخير بين المتظاهرين وأتباع التيار الصدري هو بداية الصراع المبكّر على هذه الانتخابات. لكنّ المفارقة أن يكون طرف الصِدام هو التيّار الصدري! فلطالما كان تخوّف القوى السياسية الشيعية مِن مواقف التيار الداعمة والمؤيدة للتظاهرات ومطالبها، ولذلك كانت دائماً تستشعر الخطر عندما يدخل التيار الصدري على خط التظاهرات، ويعتبرون تلك المواقف هو كسر لإجماع القوى السياسية الشيعية. 

إن التيار الصدري هو القوّة السياسية الشيعية الأبرز التي تمثل المجتمعات المهمَّشة والطبقات الاجتماعية التي سحقتها حماقات النظام البائد وزادت بؤسها سياسات الفساد الممنهج على يد الطبقة السياسية التي حكمت بعد 2003. وعلى هذا الأساس كانت مواقفها تتماهى مع مطالب جمهور التظاهرات. بيد أن الصدام وخطاب التخوين لتظاهرات تشرين وللمشاركين فيها، جعل المواقف تتغير حتّى بدا رهان النخبويين على تحالف (الكتلة التاريخية) القادر على تحقيق الإصلاح السياسي في العراق رهاناً خاسراً. 

التوقيت الذي جمع بين أحداث ساحة الحبوبي وإعلان التيار الصدري بتحشيد أنصاره للمشاركة بقوّة في الانتخابات القادمة وسعيه للحصول على رئاسة الوزراء، يوحي بأن التيار الصدري اتخذ قرار عدم تكرار تجربة التحالف مع القوى المدنيّة التي جمعتهم في انتخابات 2018، وقد يكون هذا التكتيك الانتخابي في حسابات الصدريين يتضمن إرسال رسالة تؤكّد قوّة قاعدته الجماهيرية وقدرتها على اكتساح الانتخابات القادمة. إلا أنه يعني خسارته أو تخلّيه عن حليف كان من شأنه أن يبلور استراتيجية هدفها تغيير قواعد المنظومة السياسية لو كان هناك تلويح بالشراكة المستقبلية مع احتجاجات تشرين لإزاحة القوى السياسية التقليدية مِن المنافسين.

في تقييم تطور المواقف السياسية قد يكون السعي نحو الحصول على منصب رئيس الوزراء هو تحول نوعي في الخطاب السياسي للتيار الصدري، فهو يعني توجه نحو تحمل المسؤولية المباشرة بإدارة الحكومة بعد أن كانت المسألة السياسية والمجتمعية غائبة عن المتصدّي لمنصب رئيس الوزراء الذي بات المتصدي له يتنصّل عن الكثير من مهامّه ووظائفه بدعوى الخضوع لإرادة الكتل السياسية. لكن الاستعجال بطرحه من قبل الصدريين وتزامنه مع الصدام مع المتظاهرين في ساحة الحبوبي، وفيما بعد دعوة السيّد مقتدى الصدر إلى ترميم البيت الشيعي جعل التيار الصدري ينتقل من جبهة القوى التي تشكّل تهديداً على منظومة السلطة إلى موقف المتماهي تماماً مع منطق تفكير وسلوك القوى السياسية الشيعية التقليدية المحصور بإدامة بقائها في الحكم.  

إذاً، كل قوى السلطة الآن في مواجهة واضحة وصريحة مع حركة الاحتجاجات، والتهديد الذي كان يلوّح به بعض السياسيين بأن هناك سيناريو حرب شيعية-شيعية يبدو أنها قد تحوّلت واقعاً بين قوى السلطة الشيعية وبين جمهور الشيعة وليس شيئاً آخر! فهذه القوى تجمعها مصالح الهيمنة والنفوذ التي توفّرها لهم السلطة السياسية؛ أما الجمهور الشيعي فهو إذا لم يكن من زبائن أحزابهم فلا يدخل ضمن حساباتهم السياسية.
 
السؤال الآن، هل يوجد بيت سياسي شيعي حتى يتمّ ترميمه؟ إن واقع الحال يؤشر وجودَ تنافس وصراع على النفوذ بين الزعامات السياسية الشيعية، وحتّى اتفاقاتهم وتفاهماتهم لم تنتج إلا حكومات هزيلة وضعيفة باتت مهمّتها الرئيسة إدارة الفوضى وزيادة الخراب وتمرير صفقات الفساد وتوزيع مغانم السلطة بين الأحزاب والقوى السياسية. 

البيت الشيعي الآن هو عنوان فقد مضمونَه وجاذبيته بعد احتجاجات تشرين، فالمواطن الشيعي لا يحتاج إلى ترميم البيت الذي يجمع الزعامات السياسية، وإنما يحتاج تشييد طرقات لا تغرق مع أبسط زخات المطر، ويحتاج إلى شعور بالأمن الاقتصادي بعد أن تخلّى عن حلمه بالعيش بأمن وأمان على حياته وحياة عائلته، ويريد محاسبة الفاسدين والسراق الذين تكاثروا بطريقة مرعبة وأصبحوا يتحكّمون بجميع مؤسسات الدولة ويهيمنون على المرافق العامّة التي يفترض أن يكون وجودها لخدمة المواطن وليس لمافيات الأحزاب السياسية. 

لقد كسبت قوى السلطة الكثير من الجولات والرهانات، ولعلَّ العناوين الطائفية كانت حاضرة في مواجهة احتجاجات تشرين، فمرّة ترفع لافته حقّ المكوّن الشيعي، وأخرى ترفع شعار المؤامرة التي تستهدف الشيعة، لكنها لم تفكّر يوماً بأن تستجيب لمطالب المتظاهرين لإعادة ترميم علاقتها مع جمهورها الشيعي. ولكن بالنهاية خسارة جولات المعركة مع أحزاب السّلطة لا تعني خسارة الحرب، فالمتظاهرون الحالِمون باستعادة الوطن الذين لم تثنيهم محاولات القتل والاختطاف، لن ولم يقبلوا بحتميّة الخسارة، حتّى وإن طالت الحرب.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.