كوشنر استهل جولته الخليجية بزيارة قطر ولقاء أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني
كوشنر استهل جولته الخليجية بزيارة قطر ولقاء أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره وزوج ابنته جاريد كوشنير هما تحديداً من أشعلا نار الخلافات الخليجية منذ أكثر من ثلاث سنوات، واستثمرا في الأزمة سياسياً واقتصادياً، واليوم وقبل أن يغادرا البيت الأبيض قررا إن يُطفئا الحريق الذي دمر إلى حد كبير منظومة البيت الخليجي.

يريد ترامب ومن خلفه كوشنير أن تُسجل المصالحة الخليجية كانتصار لهما، ولا يرغبان للرئيس الأميركي القادم جو بايدن أن يعبث بهذا الملف، أو ينسب الفضل له بطي صفحة التناحر والاشتباك، وبذات الوقت فهما يعتقدان أن جبهة خليجية موحدة ربما تُضعف القوة الايرانية؛ وتوقف اندفاع الإدارة الأميركية الجديدة نحو البحث عن حلول دبلوماسية وتسويات مع طهران.

من العبث قذف الكرة في المرمى الأميركي وتحميل ترامب وحده مسؤولية الأزمة التي وصلت إلى حد القطيعة مع قطر ومحاصرتها وعزلها سياسياً، بل وتداول قصص - لم تؤكد- عن النية بمهاجمتها عسكرياً.

بذور الأزمة بدأت بالتنامي بعد سنوات من الهدنة والتوافق خلال "الربيع العربي"، وكانت قناة الجزيرة التي ترفض في غالب الأحيان الدخول إلى بيت الطاعة السعودي سببا في إثارة زوابع الحرد والخلاف السياسي، وكلما طوقت أزمة اندلعت أخرى.

لم تكن الرياض مُرحبة أو مُعجبة بمحاولة الخروج من تحت عباءتها سياسياً، ربما تسامحت مع تغريد سلطنة عُمان خارج السرب، ولم تُحكم قبضتها على "الديمقراطية الكويتية" التي ظلت طوال العقود الماضية حالة مختلفة لا يمكن تطويقها، وواقع الحال أن لعب الأدوار لدول الخليج في بعض الأوقات كان يتم برضاها أو بغض النظر عنها.

لم تتقبل السعودية ومعها الإمارات سعي قطر للتحليق في سياساتها وتحالفاتها الخارجية بعيدا، ونظرت بانزعاج كبير احتضانها لتيارات الإسلام السياسي وحماس مثالاً، واقترابها من طهران وإسطنبول على الرغم من "الطلاق البائن" مع الرياض وأبوظبي في ذلك الوقت.

الكويت الذي ثابر أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد لطي صفحة الخلاف هي من أعلنت على لسان وزير خارجيتها أحمد ناصر الصباح عن محادثات مثمرة لحل الأزمة الخليجية، مبيناً أن جميع الأطراف أكدوا حرصهم على التضامن والاستقرار الخليجي والعربي للوصول لاتفاق نهائي.

ويُكمل خالد الجار الله نائب وزير خارجية الكويت الكلام بالتأكيد "أن الأزمة الخليجية طويت وتم التوصل لاتفاق نهائي، وسيتم الترتيب للدخول بالتفاصيل قريبا".

وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لم يتغيب عن مشهد المصالحة، فقال خلال حوار المنامة "إن الوقت قد حان لحل الخلاف الخليجي"، هذه التصريحات تقاطعت مع الثناء الكويتي على جهود مستشار الرئيس الأميركي كوشنير بعد أن زار الرياض والدوحة لتذليل ما تبقى من خلافات وقضايا عالقة، ومباركة الاتفاق.

الموقفان السعودي والقطري أضفيا أجواء من التفاؤل بقرب انفراج الأزمة؛ فوزير الخارجي السعودي فيصل بن فرحان شكر الكويت لجهودها في تقريب وجهات النظر، وفي منتدى المتوسط كشف عن تقدم ملحوظ بحل الأزمة أملا أن يُفضي التطور لاتفاق، ووزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وصف إعلان الكويت عن المصالحة بأنه خطوة مهمه نحو حل الأزمة الخليجية.

التزمت الإمارات الصمت ولم تبدِ حماسا ولم تشارك في الاحتفالات الإعلامية للمصالحة؛ بل غرد الدكتور عبد الخالق عبدالله مستشار ولي عهد أبوظبي باتجاه معاكس بقوله "لن يتحرك قطار المصالحة الخليجية ميلمتر واحدا بدون علم وبدون موافقة وبدون مباركة الإمارات المسبقة"، وهو ما أغضب الدكتور تركي الحمد المحسوب على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فرد عليه "كل الاحترام لدولة الإمارات، ولكنك بالغت كثيرا.. ولو قلت لا مصالحة إلا باتفاق الدول الأربعة لكان الأمر مقبولاً ومنطقيا، أما أن تجعل الإمارات هي سيدة القرار بلا منازع فهذا ينفيه واقع الحال"، هذا الجدل على السوشيل ميديا زاد من منسوب الشكوك عن اختلاف في الموقف بين الرياض وأبوظبي حول المصالحة وآلياتها، ولهذا فإن وكالة "بلومبرغ" نبهت إلى أن الاتفاق الأولي سيكون بين السعودية وقطر، ولن يشمل الإمارات والبحرين ومصر، وأن أول الخطوات لتطبيع العلاقات فتح المجال الجوي والبري.

في كل الأحوال فإن تفاصيل المصالحة لا تزال تطبخ حتى الآن، والرائج أن قمة مجلس التعاون الخليجي التي ستُعقد هذا الشهر في المنامة محطة مُحتملة لإعلان المصالحة وتطبيع العلاقات.

إدارة ترامب ترغب بحلحلة الأزمة الخليجية لتضييق الخناق على إيران، والمطلوب وفق نيويورك تايمز موافقة السعودية على فتح أجوائها للرحلات الجوية للخطوط القطرية التي كانت تدفع 100 مليون دولار سنوياً مقابل استخدام الأجواء الإيرانية.

بعد أكثر من ثلاث سنوات على القطيعة، هل تنتهي الأزمة بقبلات وعناق بين الزعماء الخليجيين، ويضعون خلف ظهورهم كل اللاءات التي حالت دون تطبيع العلاقات؟

مصالحة دون اعتذارات وشروط هذا ما سيحدث فوق الطاولة، ولا يمنع ذلك من تبلور تفاهمات وتسويات في الغرف المغلقة، وبعيدا عن وسائل الإعلام حتى لا يظهر غالب أو مغلوب؛ فالأزمة الخليجية محصلتها خسارة الجميع.

كثيرة هي التحليلات التي خرجت عن المصالحة وتساءلت عن الرابح والخاسر بعد معركة عض أصابع طويلة، وإذا ما استبعدنا الضغوط والتدخلات الخارجية وعلى رأسها رحيل ترامب وحلول بايدن بأجندة مختلفة تؤرق دول الخليج، فإن قطر لها مصلحة أكيدة، فالحصار أرهقها اقتصادياً، وتحالفاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع الرئيس أردوغان قد تحتاج إلى مراجعة الآن، وإنجاح بطولة كأس العالم عام 2022 في الدوحة أول متطلب له الانفتاح والخروج من دائرة العزلة.

وللسعودية والإمارات والبحرين مصلحة بإنهاء الأزمة أيضا، فالانفتاح المحتمل للرئيس المنتخب بايدن على إيران يحتاج إلى جبهة خليجية موحدة لمقاومته إذا ما تعارض مع مصالحها، وكذا الأمر إذا ما قرر سيد البيت الأبيض الجديد قرع الأجراس للتذكير بالديموقراطية وحقوق الإنسان، ونبش الملفات المزعجة، فإن الاتفاق يضمن على الأقل غض النظر أو صمت قناة الجزيرة.

"أي خلاف عربي- عربي هو في الحقيقة شرخ في جدار الأمن والاستقرار لكل العرب، خصوصا في هذه المرحلة المضطربة والمشحونة بالمفاجآت والمكائد والدسائس"، هذا ما قاله الكاتب السعودي حمود أبو طالب، ولذلك يُتابع "أن أي محاولة لنزع ألغام المشاكل والخلافات تكون بشرى سارة لكل عربي".

عاث الرئيس ترامب عبثا وخرابا وإفسادا في العلاقات الخارجية بين الدول، واستخدم الابتزاز والمقايضات كوسيلة للتعامل والتفاهم مع دول الخليجية، ولكن غيابه عن المسرح السياسي لا يعني أن تعود الأمور "سمن على عسل" في ليلة وضحاها؛ فرأب الصدع يحتاج وقت لمداواته؛ وبناء وترميم شبكة مصالح مشتركة قد يُعجل في عودة الروح لمجلس التعاون الخليجي، وبعيداً عن التغني بشعارات الوحدة والعروبة، فإن مفتاح نجاح المصالحة قد لا يكون حباً في قطر، وإنما كرها لإيران كما رأته العديد من وسائل الإعلام.

حين حدثت الأزمة الخليجية لم نُشارك في "حملات الزار"، ولم نُلقِ حطبا على نارها لتشتعل أكثر، كنا وما زلنا نراها أزمة عابرة؛ فلا شيء يوجع أكثر من القطيعة والاحتراب بين الأشقاء الذين يحملون قلبا واحدا.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.