.
.

قبيل وفاته بأيام قليل، وبينما اشتد عليه المرض، طلب الرسول محمد ورقة وقلمًا ليملي وصيته، فاعتبر أغلب المحيطين به (وعلى رأسهم عمر بن الخطاب) أن المرض اشتد به وأن الأمر اختلط عليه، ورفضوا أن يمدوه بما طلب. هكذا، منع الرسول بطريقة ما، من وصيته الأخيرة. 

بغض النظر عن المحتوى المحتمل لهذه الوصية، والذي لن نعرفه أبدا، فإن هذه الواقعة بالتحديد، في كتب السيرة وفي صحيح البخاري، ترِد بأكثر من رواية، وكل رواية منها تقدم الأحداث بشكل مختلف.
فهل هذا بالأمر الجديد؟ 

في الواقع لا.. لأن معظم ما وصلنا من أحداث وتفاصيل وأحاديث من تلك الفترة الزمنية وفي تلك الرقعة الجغرافية، نجده في روايات متعددة، بل ومتناقضة أحيانا، تختلف فيها الصياغات ويختلط المعنى في مواضع كثيرة.

نتحدث هنا عن واقعة وصية النبي، لكن الأمر هو نفسه بالنسبة لمختلف القضايا. لنأخذ على سبيل المثال قضية الإمامة بعد وفاة النبي، حيث نجد أنفسنا أمام حديث الغدير وأمام حديث "الأئمة في قريش". 

فهل يكون حديث "الأئمة في قريش" صحيحا ومعروفا في حينها من طرف الصحابة؟ في هذه الحالة، لماذا طالب الأنصار بالخلافة في اجتماع السقيفة؟ ولماذا لم يستشهد به أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة الجراح خلال نفس الاجتماع؟. 

في المقابل، هل حادثة الغدير صحيحة؟ إن كانت كذلك (وهي موجودة في كتب السنة والشيعة على حد سواء)، فلماذا اختلف الصحابة حول الإمامة بعد وفاة النبي؟ ولماذا لم يحتج علي بن أبي طالب بحادثة الغدير (التي أوصى فيها النبي بالإمامة لعلي)؟ ثم، كيف يكون للرسول حديثان صحيحان بإسناد صحيح في كل مرة، لكن بمعنين متضادين متناقضين؟ 

بل أن عددا من الأحاديث "الصحيحة" قد نجدها مثلا في صحيح البخاري ولا نجدها في صحيح مسلم. فكيف تكون صحيحة عند هذا وغير صحيحة عند الآخر؟ 

هذا يحيلنا على تساؤل آخر بخصوص تسمية كتاب البخاري من طرف البعض بأنه "أصح كتاب بعد القرآن". كيف يعتبر هؤلاء القرآنَ أقدس الكتب بما أنه كلام الله، ثم في نفس الوقت يقارنونه مع مجهود بشري خالص، بغض النظر عن كل الانتقادات (المنطقية) الممكنة التي توجه لعمل البخاري؟ كيف يقبل منطقهم نفسه مقارنة كتاب الله... مع كتاب بشري، مهما كانت عظمته بالنسبة لهم؟ 

هل نستطيع اليوم أن نأخذ كتابا مميزا وموثقا أكاديميا (وهذا مهم) لمحمد عابد الجابري أو لعلي عبد الرزاق أو لمحمد أركون ونعتبره مثلا ثالث أصح كتاب بعد القرآن؟ يبدو الأمر عبثيا وغير مقبول بالنسبة لكل مسلم مؤمن بعظمة وقدسية القرآن؟ فكيف لا يبدو لنفس المسلم مدى عبثية مقارنة كتاب بشري مع نفس القرآن؟

لنعد مجددا لاختلاف الروايات، والذي سنجده في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم وفي طبقات بن سعد وفي كتب السيرة (الطبري،...) حيث نجد هؤلاء الكتاب والرواة يقدمون عدة صيغ لواقعة واحدة. 
بعض هذه الصيغ تختلف في تفاصيل صغيرة، وبعضها يختلف كثيرا حد التناقض. فكيف يمكننا اليوم اعتماد هذه المرويات لتدبير حياتنا خمسة عشر قرنا بعد وقوعها؟ بل وأكثر من ذلك، كيف نعتمد مرويات يبدو واضحا أن جزء كبيرا منها تمت فبركته سنوات بعد وقوع الأحداث الحقيقية، لشرعنة حكام وتوجهات واختيارات سياسية معينة، وهذا ما قد يفسر التناقضات الصارخة بينها.

الآن، يبدو أكيدا أن إعادة كتابة تلك الفترة بشكل دقيق هو أمر شبه مستحيل، لأن ما نتوفر عليه من كتابات تم تأليفه ابتداء من القرن الثاني بعد وقوع الأحداث.

فهل يعي من يودون العود لحياة "السلف الصالح" أن كل ما نتوفر عليه من معطيات حول "السلف الصالح" (بما فيه حروبهم واقتتالهم بين بعضهم البعض)... هو موضوعُ أكثر من علامة استفهام؟     

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.