في الوقت الذي كانت عائلات لطلاب لبنانيين في جامعات أوروبية وأميركية تتظاهر أمام مصرف لبنان مطالبة بالإفراج عن ودائعها في المصارف حتى يُتاح لها تحويل أقساط الجامعات إلى أبنائها، كانت تحقيقات صحفية استقصائية تكشف عن أن حاكم مصرف لبنان كان اشترى لابنه عندما كان تلميذاً في إحدى جامعات لندن شقة لإقامته الدراسية بقيمة 4 ملايين دولار. قد لا تصح هنا المقارنة زمانياً، ذاك أن الفارق الزمني بين واقعتي التظاهر وشراء الشقة في لندن يتجاوز العشر سنوات، لكن المقارنة تنعقد تراجيدياً وتتحول مفارقة عندما نعلم أن للفساد في لبنان أعمار مديدة، وأن الانهيار المالي والاقتصادي الذي نشهده اليوم والذي سيفضي إلى جوع مئات الآلاف من العائلات هو ثمرة عقود طويلة من الفساد. وإذا أراد المرء أن يضع تاريخاً لانطلاق ماكينة الفساد بصيغتها الراهنة، فيمكن له من دون الكثير من المغامرة أن يقول ثلاثة عقود، هي تماماً الفترة التي أمضاها ويكملها رياض سلامة حاكماً لمصرف لبنان!
لكن ما سر صمود هذا الرجل في منصبه طوال هذه المدة؟ فلبنان مطحنة رؤوس، وجرى فيه القضاء على من هم أكثر حصانة من رياض سلامة! ولعلنا اليوم أمام هذا السؤال على نحو مضاعف، ذاك أن ثمة إجماعاً لبنانياً ودولياً على مسؤولية الرجل عن أكبر انهيار في تاريخ العمل المصرفي في العالم! (للملاحظة فقط شهد لبنان مؤخراً حدثاً كونياً آخر تمثل بانفجار مرفأ بيروت الذي كان بدوره ثاني أكبر انفجار غير نووي في التاريخ الحديث).
الأرجح أنه علينا كصحافيين أن نكف عن تقصي ثروة رياض سلامة، وأن نكف أيضاً عن البحث عن أسرار عملية السطو الكبرى التي نفذها السياسيون والمصرفيون على ودائع الناس وعلى مدخراتهم، وأن نباشر البحث عن سر كبير يتمثل في سر صمود هذا الرجل، رياض سلامة، في منصبه. الأرجح أننا أمام سر كبير تتقاطع فيه كل أسرار السياسة والفساد لبنان. هو أقوى رجل في الدولة، إذا ما أردنا أن نقيم فارقاً بين الدولة والنظام. ويمكن والحال هذه أن نقول إن حسن نصرالله، أمين عام حزب الله هو أقوى رجل في النظام. ونصرالله بموقعه هذا يوظف دولة رياض سلامة لتحصين وتمويل النظام. الأرجح أن تمثل هذه المعادلة التفسير النظري لصمود رياض سلامة الأسطوري في منصبه. فقد أطاح حزب الله بآل الحريري وزعامتهم مرات ومرات، وحاصر وليد جنبلاط في منزله وفي جبله، وأوصل ميشال عون إلى قصر بعبدا، وأبقى على نبيه بري في منصبه منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، لكنه لم يقترب من حتى التهديد بإزاحة سلامة من منصبه على رغم من ادعائه خصومة الرجل وتنظيمه عبر وسائل إعلامه حملات عليه.
رياض سلامة رجل النظام المالي الذي يتحرك فيه حزب الله. هل يمكن أن نتخيل والحال هذه حجم الأسرار التي بحوزة هذا الرجل، وطبيعة المهام التي يؤديها لسيده في النظام؟ ثمة نحو مليون ونصف المليون مودع لبناني في المصارف ونحو ثلثهم من العرب وغير اللبنانيين جرت عملية سطو معلن على ودائعهم، والمسؤول الأول (تقنياً على الأقل) عن هذه العملية ما زال في منصبه! أي قوة وراء هذا الصمود؟ لا سيما وأن سلامة لا يتمتع بحصانة طائفية كتلك التي يتمتع بها زعماء الطوائف في لبنان.
وهنا يحضر المرء الكثير من الأفكار التي تحتاج إلى ما يسندها واقعياً، فحزب الله محاصر ومراقب من قبل النظام المالي العالمي، وسلامة حجز مكاناً واعترافاً في هذا النظام يمكنه من تلبية الكثير من الحاجات لسلطة معاقبة ومراقبة. لكن يبقى هذا كله في مجال التوقع والاستنتاج، ويعوزه توثيق يبدو أن سلامة أحكم بناء الحصون التي تحول دونه، حتى الآن.
طبعاً لسلامة شركاء غير حزب الله، والأرجح أنهم أكثر استثماراً منه في عملية السطو، إلا أنه الرأس التقني لنظام الفساد الذي تأسس في أعقاب اتفاق الطائف في العام 1990.
وإذا كان حسن نصرالله اليوم هو الرأس السياسي لهذا النظام فإن سلامة هو قرينه التقني والبيروقراطي. وكلنا يعلم أن ثورة 17 تشرين عجزت عن إسقاط النظام، وتمكن حزب الله من حماية المنظومة الحاكمة، فمن الطبيعي والحال هذه أن يبقى رياض سلامة في منصبه، لا بل أن الإطاحة به ستخل بتوازن النظام في دولة حزب الله.

