في 2003 زار وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك سليفان شالوم المغرب والتقى الملك محمد السادس
في 2003 زار وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك سليفان شالوم المغرب والتقى الملك محمد السادس

إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الخميس عن اتفاق تطبيع للعلاقات بين المملكة المغربية وإسرائيل هو الأقل مفاجأة بعد اتفاقات التطبيع بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان.

فالعلاقة الدبلوماسية بين الجانبين قائمة من دون إطار رسمي منذ عقود. رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، شيمون بيريز، زار المغرب عام 1986، والتقى الملك الحسن الثاني قبل فتح مكاتب اتصال بين الدولتين في 1994 بعد أوسلو وبعد اتفاق الأردن وإسرائيل.

وفي 2003، زار وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، سليفان شالوم، وهو من أصول تونسية، المغرب والتقى الملك محمد السادس، وأعقب ذلك اجتماعات خارج البلدين بين وزراء خارجيتهم لبحث تطورات المنطقة أو وساطة لعبها المغرب في ملفات تبادل الأسرى وتحريك عملية السلام.

هناك أيضا العامل الأمني والاقتصادي الذي لعب دورا في الإبقاء على قناة خلفية بين الجانبين. فالتهديدات التي يواجهها المغرب من تطرف وحركات أصولية والتكنولوجيا الإسرائيلية في رصد هذه المجموعات خلقت مصلحة مشتركة بين الجانبين. يضاف لذلك تاريخ المغرب في مساعدة اليهود حين كانوا مضطهدين في أوروبا وبعد المحرقة النازية في عهد النازي أدولف هتلر، ووجود ما يزيد عن ألفي يهودي مغربي اليوم وتراث يهودي عريق في البلاد وجالية يهودية تعود جذورها للمغرب منتشرة حول العالم. 
 
كل ذلك سهل التوصل لإعلان رسمي للعلاقة بين الجانبين، إنما المكسب الأكبر للمغرب من الاتفاق مع إسرائيل كان باعتراف أميركا بسيادة الرباط على الصحراء الغربية. هذا التنازل ليس بالعابر في منطقة ضخمة على الأطلسي وغنية بالفوسفات وحقول الغاز. أميركا أيضا وبحسب ترامب ستفتح قنصلية في الداخلة ولتنسيق الأعمال الديبلوماسية المتعلقة بالصحراء. هذا المكسب والاعتراف الأول من أي دولة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية هو تاريخي للرباط ويفتح الباب لفض النزاع حول الإقليم بعدما فشلت مساعي الأمم المتحدة. 
 
الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية التي تمتد على 266 ألف كيلومتر مربع يعني أيضا استثمارات أميركية ومساعدات اقتصادية تحتاج إليها الرباط، وفتح إمكانية استكشاف النفط والغاز وتوسيع الأفق السياحي في تلك المنطقة.
 
السؤال أميركيا هو ما إذا كان قرار ترامب قبل خمسة أسابيع من مغادرة البيت الأبيض سيلتزم به الرئيس الأميركي المقبل جوزيف بايدن. هنا تبرز مواقف بايدن المؤيدة للسلام والتطبيع العربي-الإسرائيلي وهو سيستكمل بهذا الملف. إنما فيما يتعلق بالصحراء الغربية فهناك تضارب مع الأوروبيين وخصوصا إسبانيا ومع الجزائر وموريتانيا في قرار ترامب. لذلك سيكون على المغرب خوض معركة سياسية في واشنطن لإقناع فريق بايدن بالقبول بالقرار أو إيجاد صيغة أكبر في الأمم المتحدة تقنع الأوروبيين.
 
الاتفاق الإسرائيلي-المغربي هو تطور طبيعي وعلني لما كان يدور في القنوات الخلفية منذ الثمانينات ونتاج لمصالح أمنية واقتصادية بين البلدين. أما الاعتراف بسيادة الرباط في الصحراء الغربية فهو يجعل من الصفقة أكثر جيوسياسية للمغرب ويضعها في موقع رابح سياسيا واقتصاديا من الإعلان.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.