جبل الزيتون في مدينة القدس
.

كثيرون وصفوا العام الحالي بأنه من أصعب الأعوام، وخاصة بسبب ما جلبه وباء كورونا على البشرية من خسائر في الأرواح وفي الاقتصادات والعلاقات الاجتماعية. لكن هذا العام حمل معه أيضا أخبارا طيبة، وعلى رأسها تحقيق السلام بين الدول العربية وإسرائيل.  

الاستثمار في السلام

فقد انضم المغرب يوم أمس إلى كل من الإمارات والبحرين والسودان، وقبلهم مصر والأردن، في إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، وهي خطوة تقربنا أكثر نحو الشرق الأوسط الجديد، الذي يقوم على أنقاض العداوات والأيديولوجيات القديمة ويفتح المجال نحو مستقبل أفضل من التفاهم والحوار والتعاون الاقتصادي والثقافي ما بين شعوب المنطقة.

ولست أشك في أن المزيد من الدول العربية سوف تنخرط في هذ المسعى خلال الأيام والأشهر القادمة. قد لا يحدث ذلك سريعا أو بالسرعة المتوخاة، لكنه سوف يحدث في الأخير، لأن الاستثمار في السلام يظل هو الأجدى والأفضل عائدا، مهما بلغت إغراءات الحروب والعداء والنزاعات. وما نشهده اليوم هو مجرد بداية لشرق أوسط مختلف، سيتبلور تدريجيا مع الوقت ومع ترسخ علاقات السلام وظهور ديناميكيات جديدة في المنطقة تجعل من الحرب والعداء أكثر كلفة إلى حد بعيد وأقل إغراء بما لا يقاس.            

استيعاب إسرائيل عربيا

ضمن هذا الشرق الأوسط الجديد فإن الدول العربية تكون في الواقع قد استوعبت إسرائيل ضمن المنطقة، وهذا يعتبر تحولا تاريخيا، حيث أنه يعيد من جديد المسألة اليهودية إلى الشرق، موطنها الأصلي.

وكان لافتا أن الحاخام اليهودي "إيلي أبادي" الذي عين حديثا ليرأس الجالية اليهودية في الإمارات، قد أشار إلى ذلك ضمنا حين قال إن الإمارات "ستصبح الملاذ الآمن الجديد لليهود والشعوب المضطهدة بالعالم"، مضيفاً أن "معاداة السامية في أوروبا والولايات المتحدة ستدفع اليهود، لاسيما إذا كانوا من أصول عربية، إلى اختيار الإمارات مكاناً للعيش والاستقرار".

هذا يعني أن اليهود يشعرون بأن مكانهم الطبيعي هو في الشرق الأوسط وأنهم ينتمون إلى هذه المنطقة، وأن وجودهم في الدول الغربية أملته ظروف الشتات التاريخي الذي تعرضوا له عبر السنين. لكن هذا سوف يفرض عليهم أيضا أن يجعلوا من هذه المنطقة مكانا أفضل للعيش عبر انتهاج طريق السلام وليس الحروب أو الاستثمار في العداوات.  

تحول في التفكير

على الجانب الآخر لا تكمن أهمية اتفاقات السلام الجديدة بين الدول العربية وإسرائيل في المنافع الاقتصادية أو التكنولوجية فحسب، ولكنها سوف تعكس تحولا أعمق في بنية التفكير والنظر العقلي للأمور.

من دون شك فإن العلاقات مع إسرائيل سوف تخفف إلى حد كبير من الجرعة الأيديولوجية والأصوليات في المجتمعات العربية، فمادام يمكن قبول اليهود والإسرائيليين في المجال العربي، فلماذا لا يمكن قبول اتباع الطوائف والأديان الأخرى؟

كما أن ذلك سوف يقلص مساحة الأرض التي يقف عليها أصحاب الحلول النهائية -الدينية والأيديولوجية - لمشاكل المنطقة، سواء تعلق الأمر بالشكل السياسي للصراع مع إسرائيل، أو بالمنظور الديني الذي يري هذا الصراع، بوصفه أزليا ممتدا إلى يوم القيامة! أو بالعلاقة بين المسلمين وأتباع الأديان الأخرى، والتي تهيمن عليها حاليا التفسيرات الإقصائية المفعمة بالكراهية ضد الآخر، أو تلك التي تنتقص من شأنه وتحط من إنسانيته وتبيح قتله. هذه التفسيرات سوف تتراجع أهميتها وقدرتها على التأثير، إلى أن يحين الوقت لدفنها مجددا في بطون الكتب وغياهب التاريخ.

الإسرائيليون يتغيرون أيضا

وإذا كان العرب يتغيرون فإن الإسرائيليين سوف يتغيرون هم أيضا. وحتى الآن كانت العقدة الأمنية والعسكرية هي المسيطرة على جميع نشاطات إسرائيل والإسرائيليين. وكانوا يقولون، عن حق، إنه لو هزمت إسرائيل في أية حرب فهذا يعني نهاية وجودها كدولة ويعني تصفية لشعبها اليهودي. وأن العرب لن يتورعوا عن ارتكاب هولوكوست آخر ضد اليهود، بل سيكون أشد من الهولوكوست الألماني وأدهى. لأن هذا الأخير كانت دوافعه عنصرية قومية، بينما الثاني دوافعه عنصرية قومية مضافا إليها عنصرية دينية. 

وكانوا يقولون أيضا: أنظروا كيف يتصارع المسلمون السنة والشيعة حتى أكل بعضهم بعضا، فلماذا سوف يوفر هؤلاء اليهود؟ أو أنظروا كيف عاملت داعش المسيحيين وأتباع الديانة الإيزيدية، فلماذا سوف تختلف معاملتهم لليهود لو استطاعوا إلى ذلك سبيلا؟

كان هذا هو المنطق الذي يحرك سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين والعرب عموما.

لكن إذا انتهى هذا الهاجس، وترسخت بدلا منه علاقات السلام مع العرب، فلن تعود إسرائيل أسيرة البحث عن حماية نفسها أو وجودها، بل سيكون هاجسها هو كيفية تحقيق الاندماج الأفضل في المنطقة والعمل مع شعوبها على تحقيق الرخاء والازدهار. وأتصور أن ذلك سوف ينعكس إيجابا على علاقة الإسرائيليين مع الفلسطينيين أيضا الذين يشعرون اليوم بأن الدول العربية تركتهم وحيدين في الميدان، وهذا ليس صحيحا، فهم وقضيتهم سيكونان من بين المستفيدين مما يجري حاليا. لأنه قد يخلق لأول مرة أيضا معسكر سلام حقيقي بين الفلسطينيين، لا تثقل ظهره الأيديولوجيا والحمولات الدينية.   

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.