الموقف العقائدي من تشرين جاء للتغطية على أزمة البيوتات السياسية الداخلية
الموقف العقائدي من تشرين جاء للتغطية على أزمة البيوتات السياسية الداخلية

في بغداد الجميع في مأزق، حكومة الكاظمي منشغلة بعجز الميزانية وتأمين الرواتب والحفاظ على سعر العملة، والوقت لا يُسعفها لا في مشاريع الاستثمار أو الإصلاح الاقتصادي أو الإداري، أما مكافحة الفساد فتبدو أصعب وأخطر من مكافحة الإرهاب، وما تخطط له يحتاج إلى ولاية دستورية كاملة، وهي لا تملك ترف الوقت الذي بات مسلطا عليها كالسيف إن لم تقطعه بسلام سيقطعها، فما تريده على المدى البعيد يصطدم في التفاصيل التي أصبح أولويات للعراقيين الذين يئسوا تقريبا من حصولهم على بنية تحتية، وبدأوا يبحثون عن بنية فوقية تنجزها الحكومة لكي يطمئنوا لها.

 

منذ الأول من تشرين الأول 2019 تواجه القوى السياسية العراقية تراكمات فشلها وسوء إدارتها

 

في 6 حزيران المقبل أو بعده بشهور إذا تم تأجيل الانتخابات تقنيا، تنتهي رحلة الكاظمي وحكومته الانتقالية، ولا أحد يمكن أن يتكهن بمستقبله ومستقبل فريقه السياسي، وبعيدا عن نتائج الانتخابات التشريعية، يبدو أن مأزق خصومه المعلنين ومنافسيه المفترضين وأعدائه الواضحين تشتد، ومن الواضح جدا أن أغلبهم غير قادر على مغادرة المشهد بسلام أو لا يريد مغادرته بسلام، فالكاظمي سيسلم السلطة، أما الأطراف الأخرى ليست بوارد تسليم مواقعها داخل السلطة مهما كانت نتائج الانتخابات، فهناك من يريد أن يعوض خسارته الانتخابية بربح عسكري، وهناك من يريد أن يجمع ما بين الرابحين، وهناك من يرى نفسه رابحا بسلاحه ونفوذه ولكن...

ولكن منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 2019 تواجه القوى السياسية العراقية الكردية والسنية والشيعية تراكمات فشلها وسوء إدارتها للدولة منذ سقوط نظام صدام حسين سنة 2003، وأزمتها أنها مصرة على معالجة إخفاقاتها بنفس الأدوات والسياسات والطروحات التي أوصلت العراق دولة وشعبا إلى هذه الكوارث التي تحتاج إلى معجزات أو عصا سحرية لمعالجة البعض منها، إلا أن مكابرة هذه البيوتات أدت إلى انتقال الحرائق من بغداد والناصرية والبصرة إلى السليمانية ودهوك وأربيل مرورا بمدن ومحافظات المناطق الغربية، الأمر الذي يكشف عن أزمتين، الأولى أزمة البيوتات وجمهورها والثانية أزمة داخل مكونات هذه البيوتات المترهلة.  

 

الموقف العقائدي من تشرين جاء للتغطية على أزمة البيوتات السياسية الداخلية العميقة

 

في مأزقها الأول، فقد فقدت سيطرتها على مجتمعاتها التي شكلت غطاء أهليا لانتفاضة تشرين، لذلك لجأت إلى ثورة مضادة فشلت في تحقيق أهدافها، لأن هذه القوى العقائدية لم تدرك حتى الآن بأن تشرين ليست ناشطا يمكن اغتياله أو تهديده، أو خيمة يمكن حرقها أو اعتصاما يمكن اقتحامه أو ساحة يعاد احتلالها، كونها باتت في مواجهة وعي جماعي تبلور في الفضاء العام يرفض كل أشكال الاستبداد الحزبي والديني الأشد خطورة على العراق وشعبه من كافة النماذج الاستبدادية الأخرى. أهمية الوعي الجماعي التشريني أدى برأي الدكتور فارس كمال نظمي في مقالة نشرها في صحيفة المدى بأن "حراك التشريني الثوري استدعى اصطفافاً عدائياً غير مقدس وغير مسبوق لكل قوى الثورة المضادة ذات المصالح المتجذرة في أعماق النظام القديم، فصرنا نشهد اليوم نفخَ الروح الطائفية من جديد في الهيمنة الثقافية الآفلة للأسلمة السياسية، تحشيداً لهويات بدائية تمنح النظام "مناعة" ضد التغيير".

مما لا شك فيه أن الموقف العقائدي من تشرين جاء للتغطية على أزمة البيوتات السياسية الداخلية العميقة بعدما تفككت أعمدتها، وباتت آيلة إلى السقوط، والدعوة إلى إعادة ترميمها لم تلق أذانا صاغية نتيجة فقدان الثقة بين مكوناتها، وهذا ما يهدد بمرحلة عدم الاستقرار والصراع على نفوذ قد يؤدي إلى عنف أقرب إلى حرب أهلية، فهذه القوى المسلحة غير مستعدة للقيام بخطوة واحدة إلى الوراء بالرغم من قناعتها بأن إصرارها على نكران ما حدث منذ تشرين سيتسبب في موجة تظاهرات جديدة ستكون أوسع وأعنف قد تؤدي دمار ما تبقى من الدولة.

وعلية لن يتبقى من الدولة إلا بعض مؤسساتها، ولكنها تبقى برغم ضعفها حبل النجاة الأخير للعراقيين جميعا إذا تنازلت القوى السياسية قليلا عن منافعها ومكاسبها، وهي الفرصة الممكنة أمام الفضاء الوطني لكي يتبلور سياسيا وانتخابيا، فالتسوية من اجل الدولة تشكل الفرصة الأخيرة للجميع والا من بعدها الطوفان..

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.